أَكْثَرُ الْمُعْتَقَلِينَ يَتَحَاشَوْنَ التَّعَامُلَ مَعَ النِّسَاءِ عُمُومًا إِلَّا فِي حَالَاتِ الضَّرُورَةِ كَأَنْ يَكُونَ الْجُنُودُ خُبَثَاءَ فَيَضْطَرُّ لِلتَّعَامُلِ مَعَهُنَّ، وَقَدْ يَكُونُ الْأَمْرُ مَقْصُودًا مِنَ الْإِدَارَةِ لِدَفْعِ الْمُعْتَقَلِينَ إِلَى الْإِكْثَارِ مِنَ التَّعَامُلِ مَعَهُنَّ لِبِنَاءِ عَلَاقَةٍ مَعَ الْأَيَّامِ قَدْ تُسَاعِدُهُمْ فِي اخْتِرَاقِ الْجِدَارِ الْإِيمَانِيِّ الَّذِي يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ تَحْقِيقِ أَهْدَافِهِمْ. أَدْرَكَتْ إِدَارَةُ الْمُعْتَقَلِ أَنَّ الْمَرْأَةَ أَقْدَرُ دَائِمًا عَلَى الْوُصُولِ إِلَى مَا لَا يَسْتَطِيعُ الرَّجُلُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ، وَعِنْدَ التَّقْيِيدِ كُنَّ يَتَعَمَّدْنَ الِاحْتِكَاكَ بِأَجْسَادِ الْمُعْتَقَلِينَ وَيُلَامِسْنَهُمْ بِمَوَاضِعَ حَسَّاسَةٍ مِنْ أَجْسَادِهِنَّ، فِي جَوٍّ مُتَوَتِّرٍ مُقْلِقٍ مَشْحُونٍ بِالشَّهْوَةِ قَدْ غَرَزَ الشَّيْطَانُ فِيهَا رَايَتَهُ وَنَادَى الْجَمِيعَ: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ فَإِذَا رَفَضَ الْمُعْتَقَلُ جَاؤُوا بِمَجَلَّةٍ أُخْرَى أَقَلَّ قَلِيلًا، فَإِذَا رَفَضَ جَاؤُوهُ بِمَجَلَّةٍ فِيهَا رُسُومٌ جِنْسِيَّةٌ وَلَيْسَتْ صُوَرًا، كَانُوا يُوَزِّعُونَ عَلَيْنَا رِوَايَاتِ الْحُبِّ وَالْغَرَامِ لِيَرَوْا مَنْ هُوَ الْمُهَيَّأُ لِلِانْتِقَالِ بِهِ إِلَى الْخُطْوَةِ التَّالِيَةِ. لَقَدْ كَانُوا مُوقِنِينَ أَنَّنَا سَنَسْتَسْلِمُ فِي النِّهَايَةِ لِأَنَّ قَطْرَةَ الْمَطَرِ لَا تُفَتِّتُ الصَّخْرَةَ بِالْعُنْفِ بَلْ بِالتَّكْرَارِ! كَثَّفَ الأَمْرِيكَانُ اسْتِخْدَامَ العُنْصُرِ النِّسَائِيِّ فِي التَّحْقِيقَاتِ، مُعْتَقَلٌ آخَرُ حَاوَلَتِ المُحَقِّقَةُ إِغْوَاءَهُ فَلَمْ تَنْجَحْ، فَأَدْخَلَتْ يَدَهَا دَاخِلَ سَرْوَالِهَا الدَّاخِلِيِّ ثُمَّ أَخْرَجَتْ دَمَ الحَيْضِ وَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ. جَاءَنِي مُعْتَقَلٌ فِي مُقْتَبَلِ العُمْرِ، ثُمَّ قَالَ لِي كَأَنَّهُ يَجُرُّ الكَلَامَ جَرًّا: تَعِبْتُ! طَلَبَتِ الجُنْدِيَّةُ مِنِّي إِعْطَاءَهَا المِكْنَسَةَ بَعْدَ أَنِ انْتَهَيْتُ مِنَ التَّنْظِيفِ، نَاوَلْتُهَا الأَغْرَاضَ فَمَسَحَتْ عَلَى يَدِي مَسْحَةً حَانِيَةً ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَيَّ بِابْتِسَامَةٍ تَحْمِلُ أَلْفَ مَعْنًى. لَقَدْ ضَاقَ بِالإِغْرَاءِ المُسْتَمِرِّ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، أَصْبَحَتِ الجُنْدِيَّاتُ يَقْطَعْنَ العَنْبَرَ ذَهَابًا وَإِيَابًا كَحَرَكَةِ البَنْدُولِ الدَّؤُوبَةِ دُونَ تَوَقُّفٍ، تَغَنُّجٌ مُثِيرٌ يُوقِظُ العَيْنَ الطَّامِحَةَ وَيَسْتَدْعِي الشَّهْوَةَ المُخْتَبِئَةَ فِي أَعْمَاقِ النَّفْسِ، هَارِبَةً مِنَ الجَاذِبِيَّةِ الَّتِي تَدْعُوهَا إِلَى التَّمَرُّدِ عَلَى الفَضِيلَةِ وَهَدْمِ أَسْوَارِ البُيُوتِ لِيَتَحَوَّلَ فِرَاشُ الزَّوْجِيَّةِ الطَّاهِرُ إِلَى مَرْعًى مُبَاحٍ لِكُلِّ سَائِمَةٍ، وَمَنْ الَّذِي يَدَّعِي أَنَّ جَاذِبِيَّةَ الْمَرْأَةِ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ التَّعْذِيبِ؟ إِنَّهَا الِانْهِيَارُ دُونَ تَرْكِ أَيِّ عَلَامَةٍ لِلْأَلَمِ، مَنْ يَقْدِرُ عَلَى كَبْحِ جِمَاحِ قَلْبِهِ كَمَا يَكْبَحُ نَظَرَاتِهِ عَنْ هَذَا الْجِنْسِ الْعَارِمِ الَّذِي يَتَدَفَّقُ شَوْقُهُ عَلَى قُلُوبٍ تَتَّقِدُ بِالثَّوْرَةِ؟ تَسْتَهْوِيهِ وَتُغْوِيهِ حَتَّى إِذَا اسْتَوْلَى حُبُّهَا عَلَى قَلْبِهِ، تَمَنَّعَتْ لِتُسَيْطِرَ عَلَيْهِ بِحُبٍّ مَجْنُونٍ يُقَلِّبُهُ بَيْنَ يَدَيِ الْغَرَامِ وَالْهِيَامِ. وَقَدْ رَأَيْتُ مَنْ كَانَ يَعْزِفُ عَنِ النَّظْرَةِ فَإِذَا بِهِ غَارِقًا فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ، قَدْ كُسِرَ مِجْدَافُهُ وَتَهَتَّكَ قَارِبُهُ، وَمِنْ إِطْلَاقِهِ إِلَى تَمَادِيهِ، لَقَدْ وَعَظَنِي حَالُهُ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، جَعَلَتْنِي أَتَعَامَلُ مَعَ إِيمَانِي كَالغُلَامِ الَّذِي يَتَعَامَلُ مَعَ عُصْفُورٍ فِي يَدِهِ، كَمْ مِنْ غَارِقٍ فِي مُسْتَنْقَعِ الرَّذِيلَةِ حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ هَلَكَ، ثُمَّ يَتَسَلَّلُ إِلَى مَسَامِعِهِ فِي اللَّحْظَةِ الأَخِيرَةِ نُورُ اللهِ، وَكَمْ مِنْ حَافِظٍ لِلْقُرْآنِ وَعَالِمٍ بِالعِلْمِ، وَإِذَا بِهِ يَجِدُ فِي قَلْبِهِ خَبِيئَةً كَامِنَةً تُسْقِطُهُ صَرِيعًا مُضَرَّجًا بِدِمَائِهِ. قَالَ بِنَظْرَةٍ حَائِرَةٍ: "أَنَا مُؤْمِنٌ بِمَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِينَ هُنَاكَ، نَظَرْتُ إِلَيْهِ مُشْفِقاً وَقُلْتُ: "أَوَلَيْسَ الإِيمَانُ هُوَ رُؤْيَةُ مَا وَرَاءَ الصُّورَةِ المَاثِلَةِ أَمَامَنَا؟ الإِيمَانُ هُوَ تَرْكُ الحَلْوَى الَّتِي أَرَاهَا مِنْ أَجْلِ المَائِدَةِ الَّتِي وَعَدَنِي بِهَا أَبِي غَداً. فَيَرَى أَبَاهُ أَسْفَلَهُ مَادّاً يَدَيْهِ مُبْتَسِماً، فَيَقْذِفَ بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثِقَةً بِأَبِيهِ الرَّحِيمِ الَّذِي لَنْ يَتْرُكَهُ يَهْوِي فِي وَادِي الهَلاَكِ. لَنْ تَمْنَعَهُ عَنِ السَّعْيِ لِكَأْسِ المَاءِ الَّذِي يُرْوِي ظَمَأَهُ. وَلِكَيْ تَنْبُضَ الكَلِمَةُ بِالحَيَاةِ، لَكِنَّهَا لاَ تَسْتَطِيعُ إِحْيَاءَ الرُّوحِ المَيِّتَةِ أَوِ الجَسَدِ المَشْلُولِ مَا لَمْ يَفْتَحِ القَلْبُ أَبْوَابَهُ لَهَا. الجُنْدِيُّ يُمْسِكُ المُعْتَقَلَ مِنْ ذِرَاعِهِ الأَيْمَنِ وَالآخَرُ مِنَ الأَيْسَرِ، إليك النص مع علامات التشكيل: تَظْهَرُ كَسَرَابٍ خَادِعٍ. وَلَا يَأْمُرُهُ بِغَضِّ الْبَصَرِ وَحِفْظِ الْفُرُوجِ دُونَ أَنْ يُبَشِّرَهُ بِأَنَّ اللهَ هُوَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. فَعِنْدَمَا تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَتَخْلُو بِهِ وَحْدَهُ دُونَ شَرِيكٍ، تَتَحَوَّلُ كَلِمَاتُهُ إِلَى نُورٍ يَخْتَرِقُ أَعْمَاقَ النَّفْسِ، وَإِلَى أَجْنِحَةٍ تُحَلِّقُ بِكَ عَالِيًا، وَتَبْدَأُ الْأَصْوَاتُ الصَّاخِبَةُ لِلشَّهْوَةِ بِالتَّلَاشِي وَالضُّمُورِ، حَاوَلَ الأَمْرِيكِيُّونَ جَعْلَ إِغْرَاءِ الْمَرْأَةِ سَهْمًا شَيْطَانِيًّا يُفْنِي كُلَّ الْمَعَانِي السَّمَاوِيَّةِ فِي قُلُوبِ الأَسْرَى. وَإِذَا كَانَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ قَدْ فَرَّ مِنْ فِتْنَةِ الْقَصْرِ إِلَى ظُلْمَةِ السِّجْنِ، فَكَيْفَ بِمَنْ وَجَدَ فِتْنَةَ الْقَصْرِ فِي ضِيقِ أَسْرِهِ؟ وَهَلْ هُنَاكَ فِتْنَةٌ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُعْرِضَ عَنْ أَلْفِ امْرَأَةٍ تُقَدِّمُ لَكَ قَلْبَهَا؟ وَلِلَّهِ دَرُّ الْقُلُوبِ الَّتِي رَأَيْتُهَا ثَابِتَةً، أَمَامَ عُيُونٍ خَلَّابَةٍ تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِ نَظَرَاتِهَا دُونَ رَحْمَةٍ، وَلَوْ لَمْ أَرَهُمْ بِنَفْسِي لَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ مِنْ خَيَالِ الْحِكَايَاتِ. قَدْ يَحْذَرُ الْإِنْسَانُ مِنْ عَدُوٍّ يَتَرَبَّصُ بِهِ أَمَامَهُ، لَكِنْ كَيْفَ يَتَعَامَلُ مَعَ الْأَعْدَاءِ الْقَادِمِينَ مِنْ كُلِّ اتِّجَاهٍ؟ عُنْفُ الْجُنُودِ وَرِقَّةُ الْجُنْدِيَّاتِ، قَطْرَةٌ مِنْ أُنْبُوبِ الْإِثَارَةِ الْجِنْسِيَّةِ تُخْلَطُ مَعَ قَطَرَاتِ الْهَوَانِ فِي أُنْبُوبِ الْأَلَمِ، ثُمَّ يَخْرُجُ لِتَدْخُلَ مُحَقِّقَةٌ فَاتِنَةٌ تُخَفِّفُ عَنْكَ الْقُيُودَ وَتُخَلِّصُكَ مِنْ آلَامِكَ مُبْتَسِمَةً مُتَغَنِّجَةً فِي غُرْفَةٍ لَا يَرَاكَ فِيهَا إِلَّا اللهُ! تَذَكَّرْتُ كَلَامًا لِأَحَدِ الْعُلَمَاءِ السَّابِقِينَ يَذْكُرُ أَنَّ الرُّومَ عِنْدَمَا كَانُوا يَأْسِرُونَ الْمُسْلِمِينَ يَجْعَلُونَ الْجَوَارِيَ الْحِسَانَ يَغْدِينَ وَيَرُحْنَ عَلَيْهِمْ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، حَتَّى إِذَا تَمَكَّنَ حُبُّهُنَّ فِي قُلُوبِهِمْ لَمْ يُمَكِّنَّهُ مِنْ أَنْفُسِهِنَّ حَتَّى يَتْرُكَ دِينَهُ، وَلَوْ كَانَ فِي التَّنَزُّهِ فِي بَسَاتِينِ الْحَرَامِ خَيْرٌ لَرَأَيْتَ الْمُنْغَمِسِينَ فِي الْحَمْأَةِ أَطْيَبَ النَّاسِ عَيْشًا وَأَهْنَأَهُمْ بَالًا، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي الْعُيُونِ الزَّائِغَةِ وَالْقُلُوبِ التَّائِهَةِ وَالْأَرْوَاحِ الْمُشَرَّدَةِ، لَقَدْ أَيْقَنْتُ أَنَّ الرِّيَّ الْأَعْظَمَ هُنَاكَ، وَمَهْمَا تَقَلَّبْتُ عَلَى فِرَاشِ الْأَلَمِ فَبِالْمَوْتِ يَنْتَهِي اللَّذَّةُ وَالْعَذَابُ. عُمْرِي قَصِيرٌ جِدًّا كَيْ أُضَيِّعَهُ بِالْوَهْمِ، أَخَذْتُ أَتَأَمَّلُ مِنْ بَيْنِ الْقُضْبَانِ ذَلِكَ الصَّقْرَ الْمُحَلِّقَ فِي الْعَلَاءِ، لَا يَرْضَى النُّزُولَ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَسُدُّ جُوعَتَهُ وَيَبُلُّ رِيقَهُ ثُمَّ يَعُودُ ثَانِيَةً إِلَى التَّحْلِيقِ، إن كان عشاق الأرض تذبل أجسادهم حنيناً إلى صورة اللحم الفاني المختلط بالدم والصديد فماذا يصنع من هام بالجمال الفاتن لساكنات الخيام في الفردوس؟ وَأَشْهَى عِنَاقِكَ ذَلِكَ الَّذِي يُلَامِسُ فِيهِ صَدْرُكَ صَدْرَ الْحُورِ، وَأَطْيَبُ مَجَالِسِكَ ذَلِكَ الَّذِي تَجْتَمِعُ فِيهِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ضُيُوفًا عَلَى مَائِدَةِ الرَّحْمَنِ، وَلَا حَيَاةَ تَطِيبُ دُونَ ذَلِكَ. لَقَدْ عَلِمْتُ كُلَّ هَذَا وَأَيْقَنْتُ بِهِ فَصَوَّبْتُ نَظَرِي نَحْوَ الْحَقِيقَةِ وَشَمَّرْتُ لَهَا، لَكِنِّي حِينَ وَضَعْتُ قَدَمِي عَلَى الطَّرِيقِ رَآنِي الْقُرْآنُ تَلَجْلَجْتُ فَوَبَّخَنِي لَنْ يَذُوقَ حَلَاوَتِي الْكَاذِبُونَ! لَقَدْ أَخْبَرْتُكِ بِذَلِكَ مِرَارًا. لِمَاذَا أَنْتَ مُتَزَمِّتٌ؟ لِمَاذَا تَتَعَامَلُ مَعَ الْمَرْأَةِ هَكَذَا؟ لِمَاذَا لَا تُصَافِحُنِي وَتَكُونُ إِنْسَانًا طَبِيعِيًّا مَرِنًا؟ اخْتِلَافُ تَصَوُّرَاتٍ، أَنَا أَرَى الْإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ هُوَ الَّذِي يَحْتَرِمُ الْحَيَاةَ الزَّوْجِيَّةَ وَيَتَرَفَّعُ عَنِ الْفَوْضَى الْجِنْسِيَّةِ الَّتِي تَعِيشُهَا الْبَهَائِمُ! : وَلِمَاذَا خُلِقَتِ الْمَرْأَةُ جَمِيلَةً إِنْ كَانَتْ مَأْمُورَةً بِتَغْطِيَةِ هَذَا الْجَمَالِ؟ كَانَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِثْلَهَا فَأَبَى إِلَّا السَّرِقَةَ وَالرَّجُلُ السَّوِيُّ لَا يَرَى فِي جَمَالِ جَسَدِ الْمَرْأَةِ سِوَى السَّرِيرِ لَكِنَّهُ يَرَى فِي جَمَالِ رُوحِهَا الْكَوْنَ كُلَّهُ، لِذَلِكَ وَجَبَ تَغْطِيَةُ السَّرِيرِ لِيَتَجَلَّى جَمَالُ الْكَوْنِ. : لِمَاذَا تُرِيدُونَهَا تَسِيرُ فِي خَيْمَةٍ سَوْدَاءَ؟ مَا هَذَا التَّخَلُّفُ؟ : لَيْسَ بِأَكْثَرَ تَخَلُّفًا مِنْ إِلْزَامِ الْجُنُودِ وَالْجُنْدِيَّاتِ بِلِبَاسٍ عَسْكَرِيٍّ مُوَحَّدٍ ثَخِينٍ تَفُوحُ مِنْهُ رَوَائِحُهُمُ النَّتِنَةُ فِي هَذَا الْحَرِّ الشَّدِيدِ إِنَّ هَدَفَ الِالْتِزَامِ بِالْحِجَابِ أَنْبَلُ مِنْ هَدَفِ الِالْتِزَامِ بِالْمَلَابِسِ الْعَسْكَرِيَّةِ. قالت وهي تكظم غيظها : إنه القانون. وَكَذَلِكَ نَحْنُ نَلْتَزِمُ بِقَانُونِ اللهِ الَّذِي مَا شَرَعَهُ إِلَّا لِلْحِفَاظِ عَلَى طَهْرِيَّةِ الْحَيَاةِ الْأُسَرِيَّةِ مِنْ بُرْكَانِ الْجِنْسِ الَّذِي إِذَا ثَارَ دَمَّرَ. وَمَا الدَّلِيلُ أَنَّ قَانُونَكُمُ الْعَظِيمَ لِمَلَابِسِكُمُ الْمُعَطَّرَةِ صَحِيحٌ؟ هَلْ رَأَيْتَ الْمُشَرِّعِينَ يُوَقِّعُونَ عَلَيْهِ بِنَفْسِكَ؟ هُنَاكَ آلِيَّةٌ تَعْرِفِينَ مِنْ خِلَالِهَا ثُبُوتَ الْقَانُونِ مِنْ عَدَمِهِ. الِاسْتِهْزَاءُ بِالْحُكْمِ قَبْلَ الْبَحْثِ الْمُتَجَرِّدِ عَنْ ثُبُوتِهِ يُعَدُّ حَمَاقَةً كَمَنْ يَسْتَهْزِئُ بِقَانُونِ الْمُرُورِ مُنْكِرًا لَهُ، لَكِنَّهُ سَيَدْفَعُ ثَمَنَ اسْتِهْزَائِهِ عِنْدَ تَسْدِيدِ الْفَوَاتِيرِ. لَكِنَّكَ لَسْتَ اللهَ! كَمَا أَنَّ الْجَنَرَالَ لَيْسَ الْقَانُونَ. تُرِيدُونَ قَطْعَ الصِّلَةِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِقَوْلِكُمْ: أَنْتَ لَسْتَ اللهَ. وَمِنْهَا الْحِجَابُ، : لا حاجة لي بذلك فقد تكلمنا فيها مراراً ما المشكلة في الحرية الجنسية؟ اترك عنك خرافاتك المتخلفة وانظر إلى الحياة كم هي جميلة لم تحرم نفسك من المتعة لتراث مغبر ألغى العقل؟ وَأَصْبَحْتُ لَا أَرَى أَمَامِي إِلَّا وِعَاءً جِلْدِيًّا يُغَطِّي مَا لَوْ ظَهَرَ لَسَاءَ كُلَّ عَيْنٍ تَبْذُلُ كُلَّ جُهْدٍ لِتَجْمِيلِهِ وَيَأْبَى إِلَّا أَنْ يُفْرِزَ مَا يَشِينُ! لَقَدْ كَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِشَوْقِنَا إِلَى الْحُورِ الْعِينِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الشَّوْقَ يَجْعَلُنَا أَوْفِيَاءَ لِلْحُبِّ الطَّاهِرِ أَمَامَ ذَلِكَ اللَّحْمِ الْعَارِي الرَّخِيصِ الَّذِي نَرَاهُ كُلَّ لَحْظَةٍ، ثُمَّ تَمَلَّكَتْنِي الدَّهْشَةُ حِينَ قَالَ لِي هُوَ نَفْسُهُ بَعْدَ أَيَّامٍ: مَا بَالُكُمْ تُكْثِرُونَ الْحَدِيثَ عَنِ الْحُورِ الْعِينِ؟ مَا هَذَا التَّفْكِيرُ الْجِنْسِيُّ الْمُسَيْطِرُ عَلَيْكُمْ؟! كَمْ هُوَ مُثِيرٌ لِلسُّخْرِيَةِ حِينَ نَرَى مَنْ يَقْضِي لَيَالِيَهُ الْحَمْرَاءَ تَسْكُبُ الْعَاهِرَاتُ عَلَى رَأْسُهُ كُؤُوسُ الْخَمْرِ ثُمَّ يُصْبِحُ وَاصِفًا الشَّوْقَ إِلَى الْحُورِ بِالِانْحِطَاطِ الْجِنْسِيِّ! قَالَ لِي أَحَدُ الْمُحَقِّقِينَ فِي السِّنِينَ الْأُولَى مِنَ الْأَسْرِ: سَنَصْنَعُ نَادِيًا لَيْلِيًّا فِي كُلِّ بَيْتٍ ثُمَّ نُودِعُهَا فِي كُلِّ جَيْبٍ! لَمْ أَفْهَمْ مَا قَالَهُ حِينَهَا، لَكِنِّي قُلْتُ لَهُ: زَرْعُ اللهِ لَا تَحْصُدُهُ الْمَنَاجِلُ، أَنْتُمْ فَاشِلُونَ وَسَتَظَلُّونَ كَذَلِكَ لِأَنَّكُمْ تُرِيدُونَ تَغْطِيَةَ نُورِ الشَّمْسِ بِمِنْخَلٍ. كَانَ يَنْظُرُ إِلَيَّ بِحِنْقٍ بَالِغٍ، وَتَوَالَتْ ضَرَبَاتُ الِانْحِلَالِ وَتَرَنَّحَتِ الْقُلُوبُ وَتَسَاقَطَ الْمُتَسَاقِطُونَ سُكَارَى بِنَشْوَةِ الْحَرَامِ يَقْرَعُونَ كُؤُوسَ الْغِوَايَةِ مَعَ الشَّيْطَانِ يُحَاوِلُ بَعْضُهُمُ النُّهُوضَ فَتَخُونُهُمْ قُوَاهُمُ الْخَائِرَةُ لِيَسْقُطُوا فِي ثِقَلٍ مِنْ جَدِيدٍ، وَمَا هِيَ إِلَّا جَوْلَةٌ حَتَّى رَجَعَ النَّاسُ إِلَى دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا. لَقَدْ كَانَتْ حَسْنَاءَ مُتَغَنِّجَةً مُتَدَلِّلَةً، فَإِنْ آنَسَتْ تَجَاوُبًا وَإِلَّا تُخَالِسُهُ النَّظْرَةَ بَعْدَ النَّظْرَةِ. بَلْ كَانَتْ ظَبْيَةً شَارِدَةً فُضُولِيَّةً تُرِيدُ التَّعَرُّفَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْغُرَبَاءِ الَّذِينَ ثَرْثَرَ حَوْلَهُمْ الْعَالَمُ كُلُّهُ. كَانَتْ صُورَتُهَا تَتَبَدَّلُ، فَإِنْ قَوِيَ إِيمَانُ الْأَسِيرِ رَآهَا لَبُؤَةً، كَانَتْ تُرْسِلُ شُوَاظَ نَظَرَاتِهَا أَحْيَانًا فَتَعْمَلُ كَلَهَبٍ يُذِيبُ فِي الْقُلُوبِ مَعْدِنَ الْإِيمَانِ، فَتُغْضِي طَرْفَهَا عَنْهُ تَارَةً وَتُرْبِكُهُ بِنَظْرَتِهَا الْمُتَرَدِّدَةِ تَارَةً، وَتَارَةً تَتَوَالَى نَظَرَاتُهَا كَقَطَرَاتِ النَّدَى الَّتِي تَتَتَابَعُ عَلَى الصَّخْرَةِ حَتَّى تَفْلِقَهَا. وَحِينَ تَجِدُ عَيْنًا قَدْ ضَعُفَتْ يَدُ الْإِيمَانِ عَنْ إِلْجَامِهَا بَادَلَتْهُ نَظْرَةً نَاعِمَةً مُتَسَائِلَةً عَنْ سَبَبِ التَّحْدِيقِ بِهَا، لَكِنَّ ابْتِسَامَتَهَا الْهَادِئَةَ حَوَّلَتْ السُّؤَالَ إِلَى إِقْرَارٍ وَدَعْوَةٍ لِلِاسْتِمْرَارِ. كَانَتْ تُمْسِكُ قَارُورَةَ الْمَاءِ فَتَتَصَنَّعُ الشُّرْبَ بِهَيْئَةٍ تُحَوِّلُ الْقَارُورَةَ إِلَى عَاشِقٍ تُدَاعِبُهُ بِلِسَانِهَا وَشَفَتَيْهَا وَتُحَوِّلُ الْمَاءَ إِلَى شَهْوَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِهَا وَجَسَدِ مَنْ وَقَعَتْ عَيْنُهُ فِي فَخِّ عَيْنَيْهَا، ثُمَّ تَضُمُّ القَارُورَةَ إِلَيْهَا ضَمَّةً تَحْمِلُ أَلْفَ مَعْنًى مُودَعٍ فِي كِتَابٍ يَضِيعُ القَارِئُ بَيْنَ سُطُورِهِ وَيَتَجَسَّدُ الشَّيْطَانُ بِالقَارُورَةِ دَاعِيًا هَذَا المُتْعَبَ لِيَأْخُذَ مَكَانَهُ قَبْلَ أَنْ يَذُوبَ بَيْنَ يَدَيْهَا، ثُمَّ يَتَوَلَّى سَاخِرًا مِنْ هَذَا الَّذِي تَوَهَّمَ الحُبَّ فِي قَلْبٍ حَقُودٍ وَاللَّذَّةَ فِي كَيَّةِ نَارٍ وَالشِّفَاءَ فِي سَمٍّ نَاقِعٍ. كَانَتْ تَتَبَخْتَرُ فِي العَنْبَرِ لِلمُرَاقَبَةِ بَيْنَمَا كَانَ لِسَانُ حَالِهَا يَقُولُ: رَاقِبُونِي! ثُمَّ تَنْصَرِفُ وَقَدْ تَرَكَتْ بَعْدَهَا قَلْبًا يَتَوَجَّعُ وَصَدْرًا يَتَنَهَّدُ وَرُوحًا تَضْطَرِبُ وَنَفْسًا تَرْتَعِشُ وَأَحْشَاءً تَسْتَعِرُ بِنَارٍ لَا تُرَى،