نشأة الأسرة تنشأ الأسر المسلمة من منطلقات أساسية مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية، وميزها في ذلك وجعل بناء الأسرة على الآتي: أولاً: اختيار الزوجين: جعل الإسلام الدين هو المحور الأساس، وأي زواج لا يكون به دين الإسلام فهو على طريق الضلال والفسق، قال تعالى : " الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذُلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ" سورة النور ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تُنكح المرأةُ الأرْبَع: لمالها ولحسبها وجمالها ولِدِينِها، فاظفر بذاتِ الدِّينِ، وجاء عند ا الترمذي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه؛ إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد عريض" ؛ لأن من كان ذا تقوى ودين يُكرم في حال الرضا ولا يظلم في حال السخط والغضب، وكذا من كانت على دين وتقى تعطي الرحمة والسكنى ولا تخون وتحسن لأسرتها، وبذلك يكون الاستقرار الأسري بدءا بالزوجين. وإذا علم ذلك واستوعبه وفهمه من كان مقدمًا على الزواج عمل على أمرين لا ينفكان عن أمر إقامة الأسرة وبنائها : أ. استشارة من يوثق في علمه وعمله وكلامه. جاء في معجم مقاييس ا اللغة مادة (خطب) أن "الخاء والطاء والباء أصلان: أحدهما الكلام بين اثنين، يقال خاطبه يُخاطبه خطاباً، والخطبة من ذلك. وفي النكاح الطلب أن يزوّج، قال الله تعالى: { لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساء } [البقرة ٢٣٥]. والخطبة: الكلام المخطوب به. ويقال اختطب القومُ فلاناً، إذا دعوه إلى تزوج صاحبتهم". رؤية المخطوبة: جعل الإسلام الأصل التحريم في مسألة رؤية المرأة الأجنبية التي يمكن للرجل الزواج منها، قال تعالى: "قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ" ومن رحمة الله أن جعل الحاجات الضرورية تبيح المحظورات، فأذن للخاطب أن يرى مخطوبته قبل العقد، وفي الحديث عند الترمذي : أن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه خطب امرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" أي تكون المحبة والاتفاق، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ: إنّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ ، فَقالَ له النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وَسَلَّمَ: هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ فَإِنَّ فِي عُيُونِ الأَنْصَارِ شيئًا قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا". وأجاز الإسلام أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته حتى من غير إذنها بما لا يُخل بعرف المجتمع وآدابه، كما جاء عند أبي داود من حديث جابر بن عبد الله الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه رضي وسلم: " إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل". وأما ما أذن الشرع برؤيته فالنظر إلى ما يظهر غالبًا، كالوجه والكفين والرقبة والقدم، وإنما كان ذلك في حق الخاطب لتعذر رؤيته لمخطوبته، فهي ساترة محتشمة في الأماكن العامة التي يراها الرجال، بموجب قوله تعالى : "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ" وعلى ذلك لا يتسنى للرجل رؤية مخطوبته بخلاف المرأة التي يمكن أن تشاهد الرجل من غير علمه بكل يسر وسهولة. آداب وضوابط: وإبعاد كل ما من شأنه أن يُحدِث خلافا، خطبة الرجل على خطبة أخيه، فمتى أُجيب للأول حَرُم على الثاني أن يخطبها إلا أن يدع الأول أو يأذن له كما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه حتى يَنكِحَ أو يترك". ٢. لا يجوز للخاطب أن يسعى للنظر إلى مخطوبته إلا وقد غلب على ظنه أنه راغب في زواجها، مُقْدِم على ذلك، فمتى ما حَسن الظن من الجميع برغبة إقامة أسرة تهدف لإقامة شرع الله والبقاء مع بعضهما بما يوافق أمر الله جازت حينئذ الرؤية الشرعية من الطرفين. ٣. لا يجوز الخلوة بالمخطوبة قبل العقد، وإنما تكون الرؤية الشرعية بحضور أحد محارمها كحد أدنى، أخرج أحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو مَحرَم منها، ٤. أو استمرار الزواج وهذا يسمى ناصحا وليس مغتابًا، تَقُولُ: أَرْسَلَ إِلَيَّ زَوْجِي أَبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَخَمْسَةِ آصُعِ شَعِيرٍ، قَالَتْ: فَشَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، قَالَ: صَدَقَ، فَإِنَّهُ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُكِ فَآذِنِينِي قَالَتْ: فَخَطَبَنِي حُطَّابٌ مِنْهُمْ مُعَاوِيَةٌ، وَأَبُو الْجَهْمِ، خَفِيفُ الْحَالِ، وَأَبُو الجَهْمِ مِنْهُ شِدَّةٌ عَلَى النِّسَاءِ - أَوْ يَضْرِبُ النِّسَاءَ، أَوْ نَحْوَ هَذَا، وَلَكِنْ عَلَيْكِ بِأَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. الحكمة من مشروعية الخطبة ۱) عظم مكانة الزوجين في الإسلام، إذ هو البناء الأساس للأسرة، وكان من الأهمية بمكان أن تكون الخطبة هي المفتاح الأساس لتعرف الزوجين على بعضهما والنظر في مدى إمكانية ارتباطهما بهدف البقاء وليس الفراق لإقامة شرع الله من خلال هذه الأسرة. ٢) ترك مساحة كافية بين الزوجين للسؤال عن بعضهما والتعرف على المستوى الديني والأخلاقي والثقافي، والتحقق من موافقتهما لبعض. إعطاء فرصة لوضع العناصر الأساسية لإقامة الحياة الزوجية، وبيان الشروط والمتطلبات وحاجات بعضهما قبل الانخراط في الحياة الزوجية. ثالثا: عقد النكاح: عقد النكاح هو : عقد شرعي يحل به استمتاع الزوجين ببعضهما بما يحقق المقاصد الشرعية والاستخلاف، وهذا العقد عظمه الإسلام وغلظه فقال تعالى : " وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِيثَاقًا غَلِيظًا" وجعل مدار إقامة الحياة الأسرية : " فَإِمْسَـــاك معْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وحَرّم بذلك ظلم المرأة ومنع حقها أو التعدي عليه بأي أذية كانت معنوية أو حسية، وجعل ذلك الإمساك أو التسريح مهمة بين الزوجين يتكامل الدور فيما بينهما فلا يضر شخص بآخر، وألزم الشارع الحكيم بأهمية تنفيذ شروط عقد النكاح بما لا يخالف مقاصد الشرع ففي الحديث المتفق عليه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه مرفوعا : "إن أحق الشروط أن توفوا به : ما استحللتم به الفروج".