البند الأول: خضوع النيابة العامة لمبدأ التسلسل الرئاسي والبعض الآخر مرؤوسا. وهذا الوضع تؤكده بشكل صريح أحكام المادة 111 من دستور المملكة التي تنص على انه يجب على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون. كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها". فوكيل الملك من يمثل النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية، ويمكن أن ينوب عنه في مهامه أحد نوابه، وبذلك فهو يعتبر رئيسا لهم المادة 39 من قانون المسطرة الجنائية ) والتي تنص على أنه يمارس وكيل الملك سلطته على نوابه. ويمثل النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف الوكيل العام للملك - المادة 48 من نفس القانون، وذلك بصفة شخصية اعتبارا لكونه رئيسا للنيابة العامة"، ويمكن أن ينوب عنه أحد نوابه. وتكريسا لمبدأ التسلسل الرئاسي ينص الفصل 49 مسطرة جنائية في فقرته الثانية على ويمارس سلطته (أي الوكيل العام) على جميع قضاة النيابة العامة التابعين لدائرة نفوذه بما في ذلك قضاة النيابة العامة أمام المحاكم الابتدائية)، وكذا على ضباط الشرطة القضائية وأعوانها، وعلى الموظفين القائمين بمهام الشرطة القضائية، ج. والوكيل العام لدى محكمة النقض له سلطة على جهاز النيابة العامة لدى محاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية باعتباره الرئيس الأعلى لجهاز النيابة العامة. وتعتبر السلطة الرئاسية في هذا الإطار إحدى الصلاحيات والحقوق التي تخول للرئيس سلطة التوجيه الرقابة والإشراف. وهذا يعني أن على المرؤوس أن يخضع لها، وأن يعمل على تنفيذ التعليمات الكتابية لرئيسه، ويستوجب ذلك أن يتقيد قاضي النيابةالعامة بها وأن يسعى إلى تنفيذها (105) وإلا تعرض لجزاءات تأديبية الإخلاله بالالتزام الواجب بتنفيذ تعليمات رؤسائه وذلك طبقا للشروط التي يحددها القانون. وقد تتراوح هذه التدابير التأديبية بين التوقيف والنقل والإحالة على أنظار المجلس الأعلى للقضاء قصد تأديبه . وقد كان يمارس هذه المسطرة وزير العدل باعتباره رئيسا لقضاة النيابة العامة بمقتضى المادة 51 والمادة 38 من قانون المسطرة الجنائية. وبعد إقرار دستور فاتح يوليوز 2011 وإرسائه لمبدأ استقلال السلطة القضائية أصبح لهذا الجهاز رئيس على الصعيد الوطني وهو الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض. وذلك إمعانا في إبعاد السلطة التنفيذية من التدخل في شؤون القضاء وتسييره عن طريق إسناد رئاسة النيابة العامة لوزير العدل أما الأساس القانوني لهذه الوضعية، فتعود قطعا إلى الدستور نفسه، الذي ينص على أنه "لا ينقل ولا يعزل قضاة الحكم إلا بمقتضى القانون" وواضح أن واضعي الدستور قاموا باستثناء قضاة النيابة العامة وعدم تمتيعهم على غرار قضاة الأحكام بحصانة النقل وحصانة العزل إن خاصية خضوع أعضاء النيابة العامة للسلطة الرئاسية، تضع هذه الأخيرة على طرفي نقيض مع قضاة الأحكام، بل إمكانية اعتبارها خاصية مميزة لأقصى حد ممكن بالنسبة لهذا الجهاز. ففي إطار الوضع السابق لدستور 2011 يمكن تفسير الأمر على أساس انه يعود بالقطع إلى العلاقة القانونية المتينة والمتشعبة التي تجعلها غير قادرة عن الاستقلال عن السلطة التنفيذية. وهو ما يجعل بداهة جزءا هاما من سلطة القضاء في مجال العدالة الجنائية (سلطة المتابعة في يد السلطة التنفيذية إلى حدود يمكن أن نقول معها إن النيابة العامة لا تمثل المجتمع والدولة في الخصومة الجنائية بل تمثل السلطة التنفيذية 3 غير انه بالنظر للتحولات الدستورية العميقة التي عرفتها المملكة والتي قادت إلى استقلال جهاز النيابة العامة عن وزير العدل ومن ثم عن السلطة التنفيذية وتعيين الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيسا اعلي لقضاة النيابة العامة يمكن القول أن رئاسة النيابة العامة انتقلت من يد وزير العدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ولكن دون أن يترتب عن هذه التطورات والتغييرات أي مساس بمبدأ خضوع النيابة العامة للسلطة الرئاسية. يمكن تفسير خضوع قضاة النيابة العامة للسلطة الرئاسية ولمبدا التسلسل الإداري خلافا للقضاء الجالس إلى حقيقة انتظام قضاة النيابة العامة في إطار جهاز يطلق عليه النيابة العامة خلافا للقضاء الجالس الأمر الذي يقتضي لزوما وجود سلطة رئاسية تتكفل بتسيير جهاز النيابة العامة بحيث يتعين لضمان حد ادني من الفعالية لهذا الجهاز وإدارته وتوجيهه وضمان تناسق تدخلاته على الصعيد الوطني وحدا معينا من النجاعة في أدائه مع العمل باستمرار على تجويدها أن يخضع لتعليمات وتوجيه سلطة عليا هي رئيس النيابة العامة. إن التساؤل الذي يتعين طرحه، يتعلق أساسا بمعرفة القيمة القانونية للإجراءات التي قد يتخذها أحد قضاة النيابة العامة "المرؤوس" خلافا لأوامر رئيسه الأعلى تراتبية منه داخل جهاز النيابة العامة ، وذلك تطبيقا لمقتضيات المادة 111 من الدستور والمادتين 51 و 38 من قانون المسطرة الجنائية. وبصيغة أخرى لابد من طرح تساؤل يرتبط بشكل وثيق، بل يمكن اعتباره إحدى تطبيقات السلطة الرئاسية، ويتعلق بمعرفة القيمة القانونية للإجراءات المسطرية التي قام بإنجازها ممثل النيابة العامة وذلك خلافا لتعليمات رئيسه وزير العدل أو الوكيل العام أو وكيل الملك، 38 م. ج) على سبيل المثال ؟ يستلزم التحليل القانوني السليم، ج. وكانت بالتالي مخالفة لتعليمات رئيسه المادتين 39 و 49 م. أو أن يتخذ قرار تمتيع المتهم حالة استنطاقه أوليا بالسراح المؤقت وذلك خلافا للتعليمات التي تلقاها من وجهة نظر قانونية مدققة، تعتبر كل الإجراءات المتخذة في هذا الإطار صحيحة وسليمة من الناحية الإجرائية وبالتالي فهي تنتح كافة آثارها القانونية ولا يمكن إثارة الدفع ببطلانها أو كونها معيبة تأسيسا على الاعتبارات المشار إليها أعلاه. ويمكن لأحد قضاة النيابة العامة أن يقوم بما يراه مناسبا وذلك إما بالتراجع، أو بتصحيح المسطرة بما يتوافق والتعليمات الواردة عليه. ج. والتي تنص على أنه يجب على النيابة العامة أن تقدم ملتمسات كتابية طبقا للتعليمات التي تتلقاها ضمن شروط المادة 51 (تحيل على السلطة الرئاسية للنيابة العامة)، (فإنها حرة في تقديم الملاحظات الشفهية التي ترى أنها ضرورية لفائدة العدالة". فالمشرع بناء عليه اعتبر النيابة العامة حرة في تقديم ما تراه مناسبا في إطار ملتمساتها الشفوية، ولكن هل يمكن لهذه الملاحظات أن تخالف التعليمات التي تلقتها النيابة العامة، ودون أن تشكل خرقا لمبدأ الخضوع للتسلسل الرئاسي ؟ ج. واضح ولا يحتاج إلى تأويل، والفصل المذكور لم يقم بأكثر من ترجمة المبينة الفقهي المشهور القلم عبد واللسان حر 'La plume est serve, mais la parole est libre إن تطبيق هذا المبدأ الفقهي، ج، فإن لا شيء يمنعه، لأن اللسان حر من بسط وإبداء ملاحظاته، دون أن يشكل ذلك مخالفة تأديبية، ج. ومن الناحية القانونية والعملية يستطيع ممثل الحق العام تغيير مطالبه ومواقفه التي تم التعبير عنها والمطالبة بها في الملتمسات الكتابية وذلك في كل الحالات التي يقتضي ضرورة تحقيق العدالة وسلامة حسن تطبيق القانون ذلك فقضاة النيابة العامة موظفون في مكاتبهم،