‎كانَ المَلِكُ يَسيرُ مُضطرباً يَدْرَعُ غُرفتَهُ ذَهاباً وإياباً، والليل يسير في دورته الطويلة سيراً وليدا رتيباً، عِندَئِذٍ جَلسَ المَلِكُ أَمَامَ الشَّرِفِةِ يَرْقُبُ إطلالةَ النُّورِ بخيوطه البيضاء النقيَّة. فهام في عالَمِ الأَحلامِ. ‎شاهِدَ المَلِكُ في غَفْوَتِهِ القصيرةِ حُلُماً رهيباً: كانَ جالساً على عرشه يُحيط به الأعيان ورجالات القصر. وفجأةً هَبَطَ ‎مِنَ السَّمَاءِ طَيفٌ أَسودُ انقَضَّ عَلَيْهِ وَانتَزعَ التَّاجَ عَن رَأْسِهِ. وما إن اختلى الْمَلِكُ بِنَفْسِهِ حَتَّى رَاحَ يَضحك كالأطفال، ‎الحال إلى جَناحِ المَلِكة. وهو لا يُطيقُ صَبراً على مُشاهَدة الأميرِ الجديد. وانصرفَ المَلِكُ ‎مِن جَناحِ المَلِكة وهو سعيد وحزين في آن معاً. والله وحدَهُ قَد شَاءَ أَن يَكونَ الأميرُ ‎الصغيرُ على تلك الصورة؟ ولَكنَّ الشَّفَقةَ اسْتَحالَتْ غيظاً شَيئاً بعدَ شَيءٍ، ‎أَنَا المَلكَ القوي العظيم! ‎حاسم: ‎بعد أيام كانَ المَلِكُ المغرورُ قَد أَتى إلى قرارٍ . يَجِبُ التَّخَلَّصُ مِنَ الأمير بأية وسيلة. ‎المخلوقِ الرهيب، وأمرَهُ بأَنْ يَحمل الأمير الصغير خلسة إلى البرية ويَطرَحَهُ فيها ليموت. ‎الخادم أميرَهُ الطِّفْلَ عِندَ جِذْعِ شَجَرَةٍ، وهو يبكي عاجزاً متحسراً. ‎كانَ ذَلكَ النَّسْرُ طائراً حكيماً وَهَبَهُ اللهُ مَقْدِرَةً على النُّطق بلسانِ البَشَرِ، وكانَ عله واسعاً مريحاً في أعلى قِمَّةِ مِن قمم ذلك الجبلِ الوَعْرِ ‎الشَّاهِقِ. هَذَا الطِّفلُ ابْنُ مَلِكٍ مَغرُورٍ، ثُمَّ رَاحَ النَّسْرُ الحكيمُ يُعلِّم رَبيبَهُ النُّطق بلسانِ النَّاسِ، فإذا بالأمير العجيب شاب قوي جميلُ الطَّلعَةِ. فانْسَدَلَ كثيفاً على كَتِفَيهِ. يُبادِلُ إخوانَهُ النُّسورَ العَيشَ وَالمَوَدَّةَ. في تِلكَ الفَتْرِةِ كَانَ المَلِكُ قَد طَعَنَ فِي السِّنِّ. وأَمَّا المَلِكة الأم فقد أقعدها الغَمُ والشَّقاءُ، وَكَانَ الْمَلِكُ قَد نَدِمَ وَأَدركَ هَوْلَ صنيعه، فبدأ بإصدار الأوامر للبحثِ عَنِ الأميرِ. وبَحَثَ الجنودُ شُهوراً، إلى أَن فَقَدَ المَلِكانِ كلَّ رَجَاء في العثور على ولدِهِما. ولَمْ تُنجِبِ المَلِكَةُ أولاداً غَيْرَ ابْنِهَا الْأَوَّلِ، وفُقدانُ الأميرِ يَعني انقراضَ السُّلالةِ المَلَكِيّةِ. وحانَتْ مِنهُمُ التفاتةٌ إِلى القِمّةِ فرَأَوْا عُشَّ نُسورٍ بَدا وكأَنَّهُ مُعلَّقٌ بَينَ السَّماءِ والأرضِ. ‎وشاهَدوا شاباً يسيرُ فَوقَ الجُروفِ، ‎وبَلغَ المُسافرونَ المدينةَ فتَحدَّثوا عَمّا شاهَدوهُ فَوقَ الجبلِ. ثُمَّ إِنَّ المَلِكَ شاهدَ في تِلكَ اللَّيلةِ حُلماً غريباً: فارسٌ جبّارٌ مُدجَّجٌ بالسِّلاحِ، ‎- أيُّها المَلِكُ الأَحمقُ! لقَدْ حَكمْتَ على وحيدِكَ بالموتِ سَببِ شَعرِهِ الأبيضِ. مُرِ الجُنودَ بالسَّيرِ مِن غَيرِ تَوانٍ. فهَمَدَتِ الأَنفاسُ وشَخَصَتِ الأَبصارُ. ‎أَيقنَ المَلِكُ في الحالِ أَنَّ ذَلكَ الشّابِّ لَم يَكُنْ غَيرَ ابنِهِ الطّريدِ. ‎واستجابَ اللهُ دُعاءَ المَلِكِ. ولكنَّ اللّهَ الّذي يَحكُمُ النّاسَ جَميعاً شاءَ أَن يَكونَ اليومُ يومَ فِراقٍ. هُناكَ تاجٌ مَلَكيٌ يَنتظرُكَ ليَرْقى بكَ إلى العَرشِ. ولَسَوْفَ يَهَبُكَ اللهُ في شوّونِ الحُكمِ مَقدِرةً وحِكمةً، ‎ظَنَّ الشّابُّ أَنَّ النَّسرَ يُريدُ الخَلاصَ منهُ، ‎وعادَ النَّسرُ بحِكمَتِهِ يوضِحُ الأمرَ للأميرِ، التقط النَّسرُ أميرَهُ بمَخالبِهِ، فغابَ عَنِ الأنظارِ فَوقَ القِمّةِ العاليةِ. فاحتَضنَ ابنَهُ يُقبِّلُه ويَبكي. وهَتفَ الجنودُ والأَتباعُ بحياةِ المَلِكِ والأميرِ، ‎وأَمّا لقاءُ المَلِكةِ الأمِّ ووحيدِها فقَدْ كانَ مؤثراً يَفوقُ حَدَّ.