– صديقك الروسي … داء لا يرحم … أتذكر ذلك اليوم عندما صحت مستنجدًا؟ … لقد أغمي عليه أيضًا في المساء، ولكنه ما فتح عينيه قليلًا وأبصره حتى صاح فيه وفينا بصوت خائر لكنه ثائر: «أبعدوا عني هذا السكير بوجناته الموردة. وتصور عندئذٍ أي حرج وقعنا كلنا فيه. تاركًا الفتى في مكانه مطرقًا مفكرًا … ولم يجد «محسن» بدًّا من الذهاب إلى «إيفان» على الفور، وفرحه الذي يشبه فرح الأطفال السذَّج بهذا الشعاع فوق سريره، قطعه المريض بشبه همس: آه! … النور … النور يشرق من بلاد الشمس «ليغرب» في بلاد الغرب. ثم التفت إلى «محسن» وقال له في صوت متداعٍ: وأنهضني قليلًا … فإني سئمت طول الرقاد. فتردد الفتى خوفًا عليه: إني أخشى … فلم يرَ «محسن» بدًّا من تلبية رغبته … فساعده على القيام، فقال الروسي وهو يستنشق الهواء بما بقي له من رئتين: شكرًا لك … أيها … الصديق. – أن نذهب معًا إلى … الشرق؟ ثم نظر إلى كيان الرجل الواهي: نعم، اليوم بالذات! … اسمع: إن لديَّ في هذا الصندوق مبلغًا من المال ادخرته يكفي نفقات السفر! … وسأخرج اليوم أبحث عن مشترٍ لهذه الكتب وهذه الأمتعة … لست في حاجة إلى كتب بعد اليوم، فيرتكب حماقة تسيء إلى صحته … فلم يبدِ تحمسًا لما قال … ثم أراد أن يثنيه عن عزمه، وقال: من قال لك ذلك؟! … أتعرف ما هو العلم أيها الفتى؟ … إن العلم «علمان»: العلم «الظاهر» والعلم «الخفي». الذي كانت حضارات أفريقيا وآسيا قد وصلت به حقيقة إلى قمم المعرفة البشرية … أما العلم «الظاهر» وحده فهو كل ميدانها، إن الجديد حقًّا في العلم الأوروبي الحديث هو «أسلوب» التفكير المنتظم و«طرائق» البحث العقلي المرتب، أما أكثر من ذلك فلا … وأما أن نسمي مجرد استكشاف بعض خواص الطبيعة بحواسنا، لأن وسائلها كما قلت لك لا تهيئها إلا لفهم مظاهر الحياة السطحية، ولا أقسو عليها إذا استعملت كلمة «السطحية» لأنها هي الحقيقة … إن عين العلم الأوروبي لا تقع دائمًا إلا على سطح الأشياء؛ ككل عين … إنها مدنية لا تدرك ولا تعترف إلا بما يقع تحت لمسها وبصرها ومنطق عقلها، لأنها لا تعرف الحياة إلا في «عالم واحد»! … أريد أن أهرب إلى البلاد التي تعيش في «عالمين»، ولمح «محسن» التعب على وجهه فقال له: لا تتكلم كثيرًا! … أرجو منك ذلك … حسبنا ما حصل في المرة السابقة. ثم تحامل ونهض قليلًا مستندًا إلى الحائط فأسرع إليه «محسن»: إلى أين؟ لأخرج فأبيع هذه الكتب … وأتهيأ للسفر. و«دانتي» … إلخ … إلخ … كل أولئك إن هم إلا زهرات يانعات في حديقة المسيحية الغناء. ثم وضع يده على كتف «محسن» المطرق الساهم: هلم إلى المنبع! … إلى المنبع؟ … إلى هناك … إلى هناك. لم يجرؤ «محسن» على أن يقول مثل هذا الكلام لصاحبه الروسي؛ الذي لم يستطع شيء في الغرب أن يشفي نفسه القلقة الحائرة؛ وقد صنع للشرق في رأسه صورًا عظيمة هي كل أمله الباقي، وإن كشْف الحقيقة لعينه الآن أفظع طعنة يقتل بها هذا المسكين، ورفع الفتى رأسه أخيرًا ليرى ماذا يصنع صاحبه، فألفاه ملقًى على ظهر الصندوق ورأسه إلى الحائط وفي إحدى قدميه الحذاء، فقال الرجل في صوت كالحشرجة: فات الأوان. – اذهب أنت وحدك … إلى … هناك. – أأستدعي لك الطبيب، – لا … لا تفعل شيئًا … إني … أعرف نفسي.