بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. ثم أما بعد، فإني سأجعل مبتدأ حديثي قول الله عز وجل: **" وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين "**. سيكون حديثي بمشيئة الله عز وجل دائرا حول هذه الآية وما دلت عليه من معاني، إذ موضوعنا لا يكاد يخرج عن بعض دلائل هذه الآية العظيمة. فإن الله عز وجل يقول: **" وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين "**. قال أهل العلم إن قول الله عز وجل **" ننزل من القرآن "** إن من هذه إنها ابتدائية أي بابتداء القرآن وقيل إنها تبعضية أي أنه يتحقق الشفاء ببعض القرآن ولا يلزم أن يتحقق بجميعه. ولذا ذكر ابن مسعود وغيره رضي الله عنهم أن من آيات الله عز وجل آيات حرز وآيات تعويذ كما سأذكره بعد ذلك. وقبل الله عز وجل **" ننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين "** هذا الشفاء قال أهل العلم إنه يحتمل معنيين وكل المعنيين صحيح، فإنه قد تقرر عند أهل العلم أن اللفظ المشترك يجوز أن يراد به في النص جميع معنيه المشتركين كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه: **" لا يكون المرء فقيها حتى يعلم للآية أكثر من وجه "**. فالمعنى الأول لكون القرآن شفاء أي هو شفاء من الشك والكفر والريب، وهذا هو المعنى الأساس والأصل في هذه الآية. والمعنى الثاني في كونه شفاء أي أنه شفاء للأمراض، وهذا ما سأطيل الحديث فيه بعض الشيء في هذا اللقاء في هذه الدقائق التي يسمح بها الوقت. وعندما نقول إن القرآن شفاء كما ذكر الله عز وجل في كتابه، فقد ذكر أهل العلم أن الشفاء قد يكون رفعا وقد يكون دفعا. ومعنى كونه رفعا أي بعد وجود المرض، ومعنى كونه دفعا أي يمنع وجوده. فإن من القرآن ما يمنع نزول المرض والضرر بالعبد، ولذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: **" إن القرآن شفاء "** يدلنا على أنه شفاء لما وقع وشفاء يمنع ما سيقع. وقد جاء في قول الله عز وجل: **" له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله "** جاء عن علي رضي الله عنه أنه يكتب في اللوح الذي في السماء الدنيا: **" إن فلانا سيصيبه من المرض كذا وكذا فإذا فعل كذا وكذا كف عنه المرض وزيد في عمره "**. قال: **" وأما الكتاب الذي عند الله عز وجل فإنه لا يتغير ولا يتبدل "**. وهذا هو قول الله عز وجل: **" ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب "** فيمحو الله ما يشاء ويثبت في الكتاب الذي في السماء الدنيا وأما الكتاب الذي عنده وعلمه جل وعلا فإنه لا يتغير ولا يتبدل. إذن هذا القرآن قد يمنع ضررا قد كتب على ابن آدم، كتب الله عز وجل أنه إن قرأ كذا أو استمع لكذا فإن الله عز وجل سيدفع عنه ذلك الضر ويمنع عنه ذلك الشر إذا عرف ذلك. وهو أن القرآن شفاء للشك وشفاء للمرض وأن الأمراض شفاء القرآن لها إما أن يكون على سبيل الرفع وإما أن يكون على سبيل الدفع. فالرفع بعد وقوعه والدفع قبل وقوعه. فإن هذه الأمراض التي يشفي الله عز وجل منها ليست مرضاً واحداً، وإذلك فإن هذه الآية جاء فيها **" وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين "**. وقد قرر أهل اللغة وأهل الأصول أن النكرة المفردة إذا جاء في سياق إثبات فإنه يعم عموم أحوال وهو المسمى بالمطلق فدل على أنه يشفي الأمراض كلها. ولذا فإن الأمراض التي يشفي منها القرآن ليست خاصة بالعين ولا بسائر الأمراض التي تسمى بالروحية، وإنما هو أعم من ذلك فيشمل جميع الأمراض الثلاثة: يشمل أولا الشفاء من الأمراض العضوية ولذلك فإن الرجل لما لدغ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم رقاه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كأبي سعيد وغيره فشفاه الله عز وجل من أثر تلك اللدغة، وهذا يدلنا على أن الأمراض العضوية يشفي الله عز وجل بها من القرآن. كذلك يشفي الله عز وجل بها من الأمراض المسمى بالروحية وهي العين والمس والسحر وهذه الأمور الثالث ثلاث ثابتة في كتاب الله عز وجل وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وحين ذاك فنقول أما وقد وردت وقد ورد شفاؤها ومن الشفاء منها ما يطلع على المرء أو يقرأه بنفسه من كتاب الله عز وجل. الأمر الثالث الذي يشفي الله عز وجل به وقد أبسط فيه بعض البسط وهو أن الله عز وجل كما يشفي بالقرآن من الأمراض العضوية والروحية، فإن الله عز وجل يشفي به من الأدواء النفسية سواء كانت مرضا أو كانت اضطرابا. ووجه شفائه للأمراض النفسية أوجه متعددة ومن ذلك أن القرآن يزيد إيمان المرء بربه جل وعلا، وكلما تقوى إيمان العبد بربه وتعلق به كلما قوي إيمانه بالقضاء والقدر فهانت عليه مصيبته وقويت نفسه. ففي هذه الحال تقوى نفسه فيكون سببا في قوة بدنه. ولذلك ذكر الله عز وجل أن القرآن يلين القلوب ثم بعد إلانته القلوب فإنه يجعل ذلك القلب خاشعا لله سبحانه وتعالى. فما ألان القلب شيء ولا جعل القلب مخبتا لله عز وجل أعظم من هذا الكتاب العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. المقصود أن من نفعه في الأمراض النفسية نفعه من جهة أنه يقوّل إيمان ومن الإيمان بالله الإيمان بقضائه وقدره. فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وأن هذا مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. فلا يدخل عليه الشيطان بلو ولا يأتيه الشيطان فيندمه لفعل أمر أو لترك شيء آخر ولا يجعله يقارن نفسه بغيره، وإنما يعلم أن هذا من قضاء الله وقدره ثم أعجب من ذلك فإن الإيمان بالكتاب يجعل المرأة يفرح بالبلاء.