لفضيلة الشيخ: سعيد الكَمَل ي بسم الله الرحمن الرحيم ، الحم د للِ ر بِ العالمين، والصلاة والسلا م على أشرفِ الأنبياءِ والمرسلين ؛ سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. الموضوع -كما تعلمون- هو مدخل إلى مذهبِ الإمام مال ك -رحمه الله-، وقد جرت عادة الناسِ إذا أرادوا أ ن يتكلموا في موضو ع قب لَ أن ي ع رِجوا عليه؛ جرت عاد تم أن ي ع رفوا هذا الذي جعِلَ علمًا على ما يتناولونه . ولا بد إذا أن نسلكَ ما سلكوه، نتصور تص ور ا ما، ما المرا د بالمدخلِ؟ وما المرا د بالمذهب؟ المدخل: هذه الكلمة على وزنِ )مَفعَ ل( ، هذا الميزا ن يسميه أه ل الصر فِ المصدر الميم ي. ما الذي يرا د بمدخ ل؟ يراد به من جهة اللغة: إما المصدر تقول: دخل ت مَدخَ لًا، أي: دخل ت دخولًا . ويرا د به اسم المكانِ ، تقول: دخل ت هذا المدخلَ أي: من هذا المكان. وقد يرا د به الزمان أيضًا، }إن تََتَنب وا كَبائرَ مَا ت نْ هَوْنَ عَنْه ن كَ فِرْ عَن كمْ سَي ئاتِ كمْ وَن دْخِلْ كم مدْخَلًا كَريما{ ]النساء 31[ على قراءة نافع بفتح الميم، غيره يقرأ: } م دْخَلًا{ بضم المي م، وهذه لا شاهدَ فيها ، لكن نافعًا يقرأ: { وَن دْخِلْ كم مدْخَ لًا} بالفت ح، وهذه تحتمل: ندخلكم دخولاً كريما ، أو ندخلكم موضِعًا كريما . {لي دْخِلن ه م مدْخَلًا يَ رْضَوْنه } [الحج: 59] إما يقصد به الدخو لَ -ليدخلنهم دخولًا يرضون ه- أو ليدخلنهم موضعًا إذا دخل فيه الداخلون رضو ه . يمكنكم إذا أن تحملوا عنوانَ مجل سِنا هذ ا - إما على المصدر : دخو ل إ لى مذهب مالك، فنحن إذ اً جلسنا لندخ لَ دخولًا نتعر ف به على مذهبِ الإمام مالك. - أو تَعلونه اسم مكا ن ، جلسنا في هذا البيت ا لذي هو ظرف ندخل منه إلى مذهب الإمام . - أو تَعلونه على الزما ن إن شئتم، احملوه على ما شئتم من هذه المحامل الثلاثة فالأمر واسع . والمذهب يقال فيه ما يقال في المدخل؛ لأنه من القاعدة نفسها، مما هو ليس مكسورَ العينِ في المضار عِ تقول: ذهبَ يذه ب فلا تكسِر عينه في المضار ع، لا تقول ذهِبَ يَ ذْ هِ ب . وهو صحيح الفاء ليس واو ي الفاءِ، ليس معت ل اللام، فالمذهب أيضًا ي طل ق على هذه المعاني. لكن الذي ينبغي أن ي فْهَمَ هو أ ن المذهبَ عندما يقا ل: هذا مذه ب مالك، أو مذهب أحمد، فهو ما اختاره إما م من الأئمة في المسائل الاجتهادية. لا يقال مثلًا: مذهب مالك وجوب الصلاة. لا يقال مثلًا: مذهب أحمد تحر ي الخمرِ، لا يقا ل مثلًا: مذه ب الشافع ي تحري الزنا، لا يقال مثلًا: مذهب أبي حنيفة تحري الربا، هذه الأمو ر ليست مذهبا لأحد ، هذه ن ص عليها الن ص نصًّا، فليست مذهبا لأحد. لكن الذي يقال فيه )مذهب فلان كذا ( هو ما اجتهد فيه اجتهادًا، ما استنبطه من النصوص، وهذه هي التي يقال فيها مذه ب فلا ن كذا، والمذه ب عندما يقا ل: مذه ب مال ك، مذه ب أحمد. هو الموضع الذي ذهب إليه في اجتهاده في مسألة من المسائل. كما قال النابغة في إحد ى اعتذارياته: حلفت فلم أترك لنفسي كريبةً وليس وراء اللِه للمرء مذه ب. أي ليس له موض ع يذه ب إليه، الله من ورائه محي ط . الأبواب التي سنل ج منها إلى مذهبِ مال ك أبواب أربعة: الباب الأول: تع رف على صاحبِ هذا المذهب. والباب الثا ني: تع رف على مدارس هذا المذهب. والباب الثال ث: تع رف على أمهات كتب هذا المذهب. والباب الرابع : تع رف على أصول هذا المذهب . وبهذه الأبواب الأربعة نكون -إن شاء الله- ولجنا، يعني دخلنا وتركنا الباب خلف ظهرنا، ما دخلنا دخولًا نحسب أننا أوغلنا في المذهبِ، لكن نتعرف عليه تع رفا . الباب الأول: التعريف بصاحب المذه ب صاحب هذا المذهبِ هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث ، الحار ث هذا هو ذو أصبح، وذ و أصبح اخ تَلف في نسبه المؤرخون اختلاف ا كبيرا . ومالك أصبح ي حمير ي عر بي مدني ؛ ول دَ في المدينةِ سنة ثلا ث وتسعين، وقيل غير هذا . ونشأ بها وأخذ عن علمائها، وكان له أ خ يقا ل له النضر، كان أخوه مشتغِ لًا بطلبِ الحدي ثِ حتى اشتهر ؛ فلما جاء مالك يدر س الحديثَ كان إذ ا أ ريدَ تعريفه قيل: مالك. فيقال: من مالك؟ يقال: مالك أخو النضر، بعد ذلك صار يقال: النضر أخو مالك. أبوه كان من روا ةِ الحديثِ لكن كان مقِ لًّا، أنس -والد الإمام مالك- كان مقِ لًّا في الحديثِ، وعمه كان من الم كثرين ، عمه أبو سهيل بن مالك، ومالك يروي عنه في الموط أ ، وهو من ا لم كثرين، وهو من شيوخ ال زهري. وج ده مالك بن أبي عامر أحد كبار التابعين من أهل المدينة روى عن عمرَ بنِ الخطابِ، وعن عثمانَ بنِ عفانَ ، وعن عائشةَ، وعن طلح ةَ ب نِ عبيدِ اللِه -رضي الله عنهم جميعًا-، وكان أح دَ أربع ة دخلوا لي لًا فحملوا جثةَ عثما نَ -رضي الله عنه- بعد قتله فدفنوها ليلًا، وغبوا قبره عن أعين طالبيه. ومال ك هو المرا د في الحديث الذي يرويه أحم د، والترمذ ي، والحاك م عن أبي هرير ةَ -رضي الله عنه- أ ن رسولَ اللِه ﷺ قال: ))ي وشِ ك أن يضْربَ الن ا س أكبادَ الِإبلِ يطل ب ونَ العِلمَ فلاَ يََِ دونَ أَحَدًا أعلمَ مِن عَالِِ المدِينةِ (( . هذا حدي ث اختلف فيه المح دِ ثو ن، روا ه ال ترمذي وقال حس ن صحي ح، صححه الحاك م، وافقهالذه ب وصححه غيرهم، وض عفَه آخرون أيضًا، والخلا ف في ثبوتهِ، وفي تعيينِ المراد بعالِِ المدينةِ؛ قال بع ض العلماءِ: ليس المرا د بعاِلِِ المدينةِ الشخصَ، ولكن المراد به الجن س، جن س عاِ لِِ المدينةِ خ ير من جن سِ العالِِ من غ يرِها في ك لِ زما ن . وقالت طائفة : لا ، بل المرا د رج ل بعينهِ، فلما قالوا هذا تط ل بوا البحثَ : من هو؟ المدينة فيها علماء كث ر، مَنِ الذي يرمي إليه حدي ث الن بِ ﷺ؟ قالوا: لننظر، فاستع رَ ض وا الزم نَ: أما في عهدِ الصحاب ةِ فكان العلما ء فيها كث ر ، ثم إن ه لا يمك ن أنْ ي را دَ بحديثِ الن بِ ﷺ هذا رج ل من الصَحابةِ، لماذا؟ لأ ن الصحا بي لا يل ق ب بالعالِِ؛ لأ ن تلقيب ه بالصحا بِي أشر ف له من التلقي بِ له بالعالِِ، فالمرا د غيره قطعً ا. بدأوا البح ثَ في الطبق ةِ التي بعدهم؛ طبقة التابعين ، فكان في المدينةِ في زمنِ التابعين طوائف من العلماءِ، كان الفقهاء السبعة : سعي د ب ن المسيبِ، وعبي د اللِه ب ن عتبةَ بن مسعو د ، وسليما ن ب ن يسا ر، وعروة ب ن الزبيرِ، وأبو بك ر ب ن عبدِ الرحمنِ بن الحارثِ ب ن هشا م، وخارجة ب ن زي د ب ن ثاب ت، وسالِ ب ن عبدِ اللِه ب ن عمرَ ، ونافع مولى ابن عمر وأضرابهم، ولِ ي نق لْ أ ن واحدًا منهم ضربت إليه آباط الإبلِ ؛ فإ ذًا ما استطعنا التعي ينَ في هذه الطبقةِ، جاءت الطبقة التي تلي هؤلاء كان فيها أيضً ا طائفة ، كان فيها زي د ب ن أسل م، وصفوا ن ب ن سليْم ، وأبو الزنا دِ عب د اللِه ب ن ذكوان ، وربيعة الرأ يِ -ربيعة ب ن أ بي عبدِ الرحمنِ - وأضرابه م، ومكثوا الى أَنْ تفانو ا، ولِ ي نقَ ل أ ن الإبلَ كانت تضر ب آباطها لواح د من هؤلاء، فما استطعنا التعيينَ. ثم جاءت طبقة مال ك فلم يكن مال ك المتف رد بالعلمِ في المدينةِ، كان فيها في زمنِ مال ك اب ن أ بي ذئ ب ، وكان فيها اب ن الماجشون ، وكا ن فيها الدراوردي ، وكان فيها طوائ ف، لكن الرحل ةَ لِ تكنْ ت عقَ د إلا لمال ك، وما كان يأتي النا س من الأقطار إلا إليه، لا يطلبه، لماذا؟ يتج م ل بالروايةِ عنه، يتزي ن أَنْ يقولَ : روي ت عن مال ك؛ كان من الزينةِ أنْ يقالَ: روي ت عن مال ك. فكانت ت ضرَ ب إليه الرحلة من الأقطارِ البعيدةِ جدًا. وأنت م تعلمون أ ن أبعدَ ق ط ر في ذلك الزمنِ هو الأندلس، وكان الأندلسيون لا يع رجون على العرا قِ مع أ نَّا أد ن إليهم من المدينة، ولكن كان قصدهم المدينة، فجاءت الطبقة التي بعد مال ك لِ ينفرد فيها واح د من أهل المدينةِ بالرحلةِ، فحَملَ شرا ح الحدي ثَ -الذين حكموا بصحته- الحديث على مالك رحمه الله . مال ك على عادة أهلِ المدينةِ في زمان هِ حَفِظَ كتابَ اللِه، ثم أرادَ أنْ يطل بَ العلمَ، وهذا فيه إشارة إلى أن ه لا ي طل ب العل مَ إلا بعد أنْ يُفَظَ كتاب اللِه، هذه كانت سن ة الناسِ يومئ ذ ، وهذه كانت سن ة كل مفل ح فِي العل مِ إلى زمنِ النا سِ هذا، وك ل من اتخذ كتا بَ اللِه ظهريًا ليطلبَ العلمَ فإن ه لا يطل ب علمًا ولا يشدو فيه ، ولا يكون فيه ذ ا شأ ن، وأقول: وإن كنتم ترون الأصولي ين عندما يتحدثون عن شرائ ط العلماءِ وعن أوصافه م -بل عن أوصاف المجتهدين- لا يشرطون فيها أنْ يكونَ حافظا لكتابِ اللِه، بل ولا أنْ يكونَ حافظا لآيا تِ الأحكام، ويكتفون فيها بأنْ يكونَ عالما بمظانَّا، فما ي ذكَ ر في الكتب شيء ، وما يكو ن في واق عِ الناسِ شيء آخر . مالك لما حف ظَ كتابَ اللِه أرا د أنْ يطلبَ العلمَ فقال لأمه المرأة الصالحة -رحمها الله-: أري د أنْ أذهبَ فاكتبَ العلمَ. قالت: تعال البس ثيابَ العلمِ، ثم اذهب فاكتبِ العلمَ. قال: ف ألبستني ثيابًا م ش مرة، وجعلت على رأسي الطويلة، وع ممتني فوقها، ثم قالت: الآن اذهب فاكتبِ العلمَ . وقالت له كلمتها المشهور ة: اذهب إ لى ربيعةَ فخ ذْ من أدبهِ قب لَ أ ن تأخ ذَ من علمِه. ومال ك لِ يترك له أبوه شيئا، وهذا الشأن لا بد له من ما ل ، هناك قصة جميلة تذكَ ر، يذكرون أ ن أبا مال ك -أنس بن مالك بن أبي عامر- قي دَ نفسَ ه في بعثِ الغزوِ، وتر كَ مالكًا في بط نِ أ مِهِ، ومكثَ غائبا أكثرَ من عشرين سنةً، هذا ليس ببعي د في تراجمِ الن اسِ، تَدونَ هذا في تراج مِ علماء كثيرين، يخرج الرج ل فيغيب فيأ تي وابنه قد بدأ الشي ب يخ ط لحيت ه ولِ يره قط؛ لكن القضي ةَ أن ه تركَ عند زوجت هِ مالًا، يقا ل: إن ه ترك عندها ثلاثين أل فَ دينا ر. وقال: هذه أمانة . قالمرأة ما عندها شيء تصر ف به على ولدها فأنفقت المال على ابنها، رجع أبوه بعد أكثرَ من عشرين سنة، مال ك لِ يرَ ق ط أباه، في الوقت الذي جاء الوال د كان مال ك في المسجد في الدرسِ فيحلقته، فذكروا أنه سألها عن الأمانةِ -وهذه أستغربها من أهل المدينة- فقالت: موجودة ما ضاعت، فأمرته أنْ يتهيأَ وأنْ يذهبَ للمسجدِ، فذهبَ، فإذا مال ك يعق د حلقته ، وإذا فيها كبراء أهلِ المدينةِ وشيوخهم و أشرافه م؛ فأعجبه ما رأى في تلك الحلقةِ، فلما رجع قالت: ما رأيت ؟ قال رأي ت شا بًّا قد اجتمع عليه الكبا ر والشِي ب . - ولِ تكن أخبرته بع د أ ن ذاك ابنه - فلما دخل وع رفته قال ت: مَال كَ صرفَ على هذا . وهي قصة طويلة وفيها أ ن مالكًا لما دخ لَ وج دَ رج لًا لا يعرفه دخل على أ مِهِ، وذاك رأى رج لًا دخل على أهلهِ، فتشاجرا حتى دخل ربيعة الرأيِ ، وفرقوا بينهما، هي قصة جميلة جدًا، لكن يشبه أن تكو ن موضوعة، يقول ابن القاس مِ - صاح ب مال ك الذي جالسه أكثر من عشرين عامًا - قال: أفضى بمال ك طل ب العلمِ إ لى أنْ نقضَ سقفَ بيتهِ فبا عَ خشبه ، ثم انَّالت عليه الدنيا بعد. وكان يُتا ل لطلبِ العلمِ ، وطال ب العلمِ يَ ب أنْ يكو نَ فيه شيء من الاحتيالِ، قال: كن ت آتي نافعًا -نافع مولى ابن عمر كان مشهو رًا بشدة الخ لق- قال: فكن ت آتي نافعًا نص فَ النهارِ ، لا يظلني منه شيء ، فأجل س عن دَ عتب ةِ بيت هِ، ح تى إذا خرجَ يري د المسجدَ مشي ت بإزائهِ أ ريه أ ني لا أقصده، فأماشيه ساعةً ، أسأله: ماذا قال اب ن عم رَ في كذا؟ فيجيب ني؛ فأنصرف. كم من الوق تِ يُتا ج مال ك وهو يسأله في ك لِ يو م سؤالًا ؟! قال: كان يأتي ابن هرمز بكر ةً فما ينصر ف منه إلا بالليلِ، وكان أحيا نًا يعطي أمة ابن هرمز شيئًا ، ويقول لها: إذا جاء أحد من الطلبة فقولي لهم: الشيخ مشغول واصرفيهم؛ لينفر دَ هو بالشيخِ ، وكان يُر ص على ملازمة الزهري، والزهري ديوان من دواوين العل م. أنت م تعرفون أ ن الحدي ثَ الغريبَ -الحدي ثَ الذي ينفر د به را و في طبق ة من الطبقا ت - الغال ب عليه الضع ف، ولذلك لما قيل لمال ك مرةً : إ ن فلانًا يُف ظ كذا وكذا من الغري بِ. قال: من الغريبِ نفِ ر . الغال ب على الغري ب أن ه ضعي ف ، أق ل الغري بِ يكون صحيحًا، ولذلك قال العراق ي في أَلْفيتهِ: وقال مسل م روى الزهر ي ** تسعين فردًا كلها قو ي. فلذلك كان مال ك يُر ص حرصًا شديدًا على الأخذ من الزهرِ ي. في يوم العيد قال مال ك في نفسه: اليوم أج د الزهر ي خاليا، فانصرف من صلاةِ العيدِ إلى دا رِ الزهر يِ. قال الزهري لأمَ ة له: انظري هل أح د من أصحابنا بالباب؟ فنظَ رَت فوجدَ تْ مالكًا؛ غلامك الأشقر، تحسبه من كثرة تردده على الزهري غلامًا له. قالت : غلامك الأشقر؛ فلما دخل قال له الزهر ي: ما أرا ك انقلبت إلى بيتك؟ قال: لا . قال: وما أحسب كَ طعمتَ؟ قال: ما طعم ت . قال : فاطعم، وق دم له طعامًا. قال: لا حاجة لي فيه . قا ل: ما تريد؟ قال أري د أنْ تحدثني . قال: اكت ب، فأخرج ألواحه؛ فح دثه الزهر ي أربعين حديثا، ثم انتهى من التحديث. فقال له مال ك: زدني؛ فقال له الزهر ي: اذهب. إنْ كنتَ روي تَ -أي حفظت- هذه الأحاديث؛ فأن ت حاف ظ . قال مالك: فأخذ الألواح ، فعرض عليه مالك الأربعين حديثا كل ها؛ قمْ فأنت وعاء من أوعيةِ العلمِ . وفي رواي ة أنه قال: قم ف لَ نِعم مستود ع العلمِ أنتَ . وأنت م تعلمون أ ن المحدثين اختلفوا في قضي ة -وقال العراقي الأولَى أ لا يخا ض فيها- أص ح الأسانيد . يقول العراقي: والمعتمد الإمساك عن حكمنا على سند أنه أصح مطلقً ا، هذا المختار - أنيمسك عن القول بأن الإسناد الفلاني أصح الأسانيد مطلقا- وإن كان ولا بد فيقال -مث لا- أصح أحاديث المدنيين كذا، فيقيد بالبلد، أو يقيد بالصحابي فيقال: أصح الأسانيد عن أبي هريرة كذا، أو يقيد بنحو هذا من التقييد، أما أن يترك الأمر على إطلاقه -أصح الأسانيد مطلقا- فهذا الأولى أن يمسك عن مثله، لكن قال العراقي: وقد خاض به قوم، فقيل: مالك عن نافع بما رواه الناسك مولاهم، هذا قول البخاري. البخار ي يقول أص ح الأسانيد مطلقًا ما رواه مال ك عن ناف ع عن ابن عم ر . زادوا ما رواه الشافع ي عن مال ك. زاد العراق ي ما رواه أحم د عن الشافع يِ عن مال ك عن ناف ع عن اب نِ عمر. الإمام أحمد ذهب إلى إسناد آخر. لكن اختيارَ البخار يِ ليس بالشيءِ الهينِ ، يقال: أص ح الأسانيد )سلسلة الذهبِ (. لما فرغ مال ك من طل بِ ما عند أه لِ المدينةِ من العلمِ، وتأ ه لَ للتعليمِ، هو يرى في نفسِهِ أهليةَ ذلك، لكنه لا يقنع برأي نفسِهِ في نفسه، ويُتا ج أن يرك نَ إ لى رأ يِ غير ه فيه، وهم شيوخه، وهم أهل الفضلِ والصلاح في المدينة، ولذلك قال: ليس كل من أح ب أ ن يَل سَ في المسجدِ للحديثِ وال فتيا جلس. لا ينبغي أن تَلسَ حتى تستشير أهلَ العلمِ والفضلِ فإن أشاروا عليك بالجلوس فاجل س. قال:" وما جلس ت حتى شهِدَ لي سبعون من أهل الفضل أني أه ل لذلك". وهؤلاء السبعون وإ ن شهدوا؛ فقد كان مال ك -رحمه الله- يستعظ م المسائ لَ جدًا، سأله مرة إنسا ن، يا أبا عب د الله إنَّا مسألة خفيفة ، فقال مالك -رحمه الله-: خفيفة ؟! ليس في العلم شي ء خفي ف، كان إذ ا سئلَ تري ثَ ونظرَ، فتكلم معه أصحابه في هذا فبكى -رحمه الله- وقال: إ ني أخاف أن يكو نَ لي من المسائلِ يو م وأي يو م. وأتاه آ ت -القصة مشهورة- من العراق سأله عن أربعين مسأل ة فأجابه في ثما نِ مسائل، وفي اثنتين وثلاثين مسألة يقول: لا أدري. وجاءه مرة إنسان من الأندلس فسأله مسألة، فما درى ما يَيب فيها؟ فقال: إ ن مَنْ ورائي أمروني أن آتي ك فماذا أقول لهم ؟ قال: ارجع إليه م من غ د، وكان الرج ل سيعود إلى بلده ، فرجع، وقد حزم أمتعته، وأر ى مالكً ا أنه راج ع ؛ ليقدح فكره ويعطيه حكمًا. فقال مال ك: لا أدري ، نظ ر فوجد نفسه لا يدري ، فقال هذا السائل: فماذا أقول للناس ؟ قال قل لهم : إن مالكًا لا يدري . قال: فإن كنت لا تدري فمن يدري؟ قال: مَ ن عل مَه الله ، وهذا كان يعطيه -رحمه الله- هيبةً عظيمةً، كان يهابه طلبت ه، تلاميذ مال ك هم شيو خ للبخار يِ ومسل م. فإذا عرفتم هذا علمت م عظمة هؤلاء الطلبة وك بَرَ قدرهم، ومع ذلك كانوا ين كِسون أبصارهم، ويخفضون أصوات م في مجلس مالك للهيبة العظيمة التي كان أوتيها. يذكرون أن مالكً ا كان في مجلس أبي جعفر المنصور الخليفة، وشاب صغ ير أو طفل يريد الدخول، فإذا أ ر اد الدخول خرج، فيعيد الدخول ثم يخرج، قال أبو جعفر المنصور لمال ك: تدري من هذا ؟ قال: لا يا أم ير المؤمن ين . قال : هذا ابني أهابَ من شيبتك ، يري د أ ن يدخلَ المجل سَ ثم يها ب فيخرج. وكان له مع ذلك عناية بمظهرهِ؛ يلب س الثياب الحسنة الفاخرة، يتأن ق في أكله، ويختار منه الجي د ، ويُب الموز لع ل ة، يقول: ليس شيء أشبه بفاكهة الجنة منه، تطلبه في الصيفِ تَده، تطلبه في الشتاءِ تَده، والله يقول عن فاكهة أهل الجنة: }أ كل هَا دَائ م وَظِل هَا{ ]الرعد 35[ وهذا يشبهها فكان يُبه لهذا . أصابته تلك المحنة المشهورة و ضر بَ بالسياطِ ، ضربه أم ير المدينةِ ، اختلف المؤرخون في هذه المحنة حتى قال ابن مهدي -رحمه الله-: اختلفوا في سبب ضربه، واختلفوا في مَ نْ ولي ضربه، واختلفوا في خلافةِ من ضرب. الذي يعنينا هو سب ب الضربِ، قيل : إن ه ضر بَ لأنه كان يق دِ م عثما نَ على عل ي -رضي الله عنهما- فوشى به العلو يون فضربَ . وقيل: إنم ا ضربَ لأنه كان يُ رِم نكاحَ المتعةِ . وقيل: ضر بَ -وهذا هو الأظهر- لأنهكا ن ي فتي بأ ن طلاق المكر هِ لا يق ع، الذي ألجِ ئَ إ لى تطليقزوجته طلاقه لا يق ع، هذا هو المشهور من مذهبه ويعرفه أصحابه الآن، لكن ما علاقة هذا بضربه؟ والغال ب أن الأمرا ءَ لا تضرب إلا لأم ر سياس ي، ولا تضر ب لأم ر فقه ي مح ض، وهذا كان له تعل ق بأم ر سياس ي، كان الذين خرجوا مع النفس الزكية -رحمها الله- على العباسيين أشاعو ا في الن ا سِ أن البيعةَ لأبي جعفر المنصورِ أخذت كرهًا، كانوا إذ ا أرادوا إنسانًا على البيعةِ، وأرادو ا إكراهه على ذلك حل فوه بأيما نِ الطلاقِ، يعني : إن نقضَ البيعةِ فك ل امرأ ة له طالقة وك ل عب د له ح ر إلى آخره؛ فيرى نفسه مقيدًا، وإن كان يريد أن يخرجَ على الخليفةِ لكن يرى نفسَ ه مقيدًا بهذا، فأتوا مالكًا يستفتونه ما حكم هذا الطلا ق؟ فأفتى بأنه ليس على مستكره طلا ق. هذه فت وى لا تقف عند باب المسجدِ، هذه فتوى يأخذها منك ويخر ج بها غدًا على الخليف ةِ ويشي ع المشاكلَ، فبعث إليه أم ير المدينة وقال: يا أبا عب دِ اللِه فتواك هذه يُِدث بها كذا وكذا ، فانظر لنفسِكَ ماذا ترى ؟ ثم س ر بَ إلى مجلسه من يسأله عنها ليرى ه ل امتثل مال ك أم لِ يمتثل ؟ فلما سئل قال مال ك - على رؤو سِ الن ا سِ-: ليس على مستكر ه طلا ق، فأمر أم ير المدينة فأ خِذَ مال ك -رحمه الله- و ضربَ بالسياطِ، و م د - أي ش دتْ يداه بالحبالِ ، و م د - حتى خ لعت كتف ه ، فما كان بع د يستطي ع أ ن يَع لَ رداء ه على كتفه، و ضربَ بالسياطِ حتى كان ظه ره مش رحًا بأث ر الضر بِ فيه ا، وطِي فَ به في المدينة على حما ر -أكرمكم الله-، ولما طِي فَ به قيل له: ع ر ف بنفسِكَ . فكان ينادي ويقول: من عَ رَفني فقد عَ رَفني، ليس على مستكر ه طلا ق. فبلغ هذا أم ير المدينة فقال: أدركوه وأنزلوه . الشاهد أنَّهم قالوا: ارتكب منه أمر عظي م، ولكن كأن تلك الأسواط كانت حليا حل يَ بها مال ك، فلم يز لْ أمره في ارتفاع بع د حتى قبضه الله إليه. بلغ هذا الخليفة أ با جعفر المنصور فجاء إ لى الحجاز حاجًّا ، وواعدَ مالكً ا ليلقاه، فلما دخل إلي ه أبو جعفر المنصور حلف بالل ما أمر بهذا ولا علم ه، وقال لمال ك: والله إني إخالك أمانًا من الفتنة لأهل الحرمين، فإنَّم أسر ع النا سِ في الفتن، وإخال مقامك بين ظهرانيهم أمانًا لهم من الفتن ، واعتذر إليه، وقال: وقد أمرت بفلا ن أن يؤتى به علقة، ووالله لأنزل ن به من العقوبة أضعاف ما أنزلَ بك، فقال مال ك: عفا الله عن أم ير المؤمنين وأكرمه وأحسن مثواه، لقد عفوت عنه لقرابتهمن رسول الله ﷺ ولقرابته منك، ف س ر أبو جعفر بهذا، وقال مالك لتلاميذه: خشي ت أن أمو ت أمس تحتَ الضربِ، خشي ت أن أموت أم س فألقى رسولَ اللِه ﷺ فأستحي من لقائه أن يدخ لَ أح د من أهله النارَ بسب ب. عاش بعد ذلك مك رمًا محفوفا بالعنايةِ والمهابةِ إ لى أن ماتَ -رحمه الله- بالمدينةِ سنةَ تس ع وسبعين ومئة. قل ت لكم: كان مهيبا جدًا. كان إذا دخل داخل مجلس مال ك فسل مَ يردون السلامَ همهمةً، ويشيرون إليه ألا تتكل م. وقعت قصة طريفة لأحد القرا ءِ )هشام قارئ أهل الشام وأحد الرواة عن القراء السبعة( من القراء السبعة عندكم ؟ نافع المدني يروي عنه ور ش الذي هو اختيار المغاربة، وقالون الذي يقرأ به النا س في ليبيا وفي السودا ن، وابن كث ير المك ي وهذا يروي قراءته البزي وقنبل. العا لَِ الإسلامي إما يقرأون بور ش -وهم من ذكرت لكم- أو بقالون -وهم من ذكرت لك م- وباقيهم يقرأون بحفص. أتدرون لماذا انتشر حفص؟ بسبب العثمانيين ، كل الرقعة التي حكمها العثمانيون اختاروا روايةَ حف ص؛ فقرأ الناس فيها بحف ص، وإلا فالمف ترض أ ن المكيين يقرأون برواي ةِ ابن كث ير لأنه مك ي ، والمدنيون يقرأو ن برواية ناف ع، والشاميون يقرأون برواية عبد الله الشامي، والعراقيون يقرأون بحمزة وبالكسائي وبعاصم، لكن الحال على م ا ذكرت لك م، ابن عامر الشامي له راويان ابن ذكوان وهشام، أراد هشام أن يذهب ليسمع الموطأ من مالك؛ فباع أبو ه بيت ا له ليج هِ زَ ابنه ليذهب إلى المدين ةِ ويأخذَ الموطأ عن مال ك، المحدثون بينه م خلا ف في مسألة من مسائل التحَ مل وهي العرض، هل الشيخ يقرأ على الطلبة أم يقرأ الطالب على الشيخ؟ الحجا زيون -ومنهم مالك- لا يف رِقون بين أن تسم عَ من لف ظِ الشيخِ، أو أن تقرأَ على الشي خِ وهو يسم ع، فيجوز أن تقول في كل صور ة من الصورتين: حَ دثَ نا أو أخبرنا . بخلاف الشاميين فه م يرون أن سماعك من الشيخ أعلى من قراءتك عليه ، هشام شامي وتَشم الرحل ةَ إ لى المدينةِ وهو لا علم له بالطقو سِ في مجل سِ مال ك، وشاب بلغ مبلغ الرجال فوصَلَ وسعي د أنه أتى المدينة، جرى جر يًا إلى مجلس مال ك فوجد المجل س فقام على الناس، وقال : يا أ باعبد الله جئ ت ك لتحدثني، ما هذا الكسر لأدب توارثه الناس في مجلس مالك؟ قال: ما هو إلا أن قلت ما قلت فأخذت ني المقار ع، مالك كان عنده الطلبة وكان عنده قو م من العبيد غلا ظ الأكتاف، مفتولو العضلات بأيديه م عصي - هي هذه المقار ع - وكل من أساء الأدبَ أ دِبَ. تأتي لتتعلم ، ولتتأدب ، وإن احتاج التأديب إلى الضرب ضربتَ . هشام رجل من أهل الله، من حملة كتابِ اللِه، والله -عز وجل- له اعتناء خا ص بحملة كتابه، لما ضربَ ذاك الضرب قال هشام: يا أ با عبد الله إ ن أبي باعَ بيت ا له وجهزني إليك وقال اذهب إ لى مال ك لتأخذ منه؛ فلما جئتك لقيتني بمثل هذا، والله لا أسامحك أبدًا، فتأث رَ مال ك جدًا بهذه الكلمةِ، وقا ل: بأ ي شيء أستحل؟ فقال هشام: ضربتني أربع عشرة مقرعة فحدثني بأربعة عشر حديثا؛ فحدثه مالك. مال ك لِ يُ دِث هارون الرشيد ، جاء هارو ن الرشيد ليسمعَ الموطأ، يا أم ير المؤمنين ما قرأ ت على أحد منذ كذا ، وكذا، إما أن تقرأَ أنت، أ و تأ تيَ بمن يقرأ لك ، ويُ دِ ث هشامً ا بأربعة عشر حدي ثًا، فلما ح دثه قال هشام لمال ك: زد في الضربِ، وزد في التحديثِ؛ قال انصرف .