الأنا والآخر العربي في العصر الأموي ترتبط الأنا ارتباطاً وثيقا بالآخر ، فهما قطبان لا يغيب أحدهما عن الآخر ويدوران في فلك بعضهما ، ويمثل الآخر جانباً مهما للأنا في رؤيتها الخاصة للعوالم المختلفة حولها باختلاف الآخر وتنوعه . أولاّ:ـــ الأخر لغة:ــ وأصله أفعل من التأخر، فلما اجتمعت همزتان في حرف واحد استثقلتا فأبدلت الثانية ألفا لسكونها وانفتاح الأولى قبلها. والانثى أخرى، إلا أن فيه معنى الصفة، لان أفعل من كذا لا يكون إلا في الصفة ( ). وردت في قصة صاحبي يوسف عليه السلام في السجن حين فسر لهم الرؤيا وقولة تعالي : ﱡﭐ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺﲻ ﲼ ﲽﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﱠ ( ) وقال تعالي : ﱡﭐ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﱠ ( ) وقوله تعالي : ﱡﭐ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱠ ( ) أي مثلا تكون هناك ذاتا یقابلها أیضا آخر مخالف لها، وذكر أیضا مصطلح "الآخر" بتعریفات متعددة حیث ورد بأنه " الغیر سواء أكان الخصم الذي اصطدم مع الذات وتمرد علیها أم كان صدیقا تعاطف معها وانجذب نحوها، وبادلها حبا بحب، فإنه في كلتا الحالتین لا یستطیع "الأنا" العیش بدون "الآخر" ( ) ومن ثم یمتنع تعریفه، فهو نقیض الذات ، ویقال على كلمات شتى مختلف، على هذه الأخیرة " تتعلق أولا بالعملیة العقلیة التي تعرف الغیریة بواسطتها، فإدراك وجود الغير ضروري لإدراك وجود الذات" ( ) ثانياً : الآخر في الاصطلاح :ـــ لا یبتعد التعـریف الاصطلاحـي عن سابقه اللغـوي، الذات أي مقابل للأنـا خـارج عنـها، "الآخر"، وتعددت باختلاف وجهات النظــر ومجـالات الدراسة والـرؤى البحثیة، إلا أن هناك اتفاقا یفضي بأن "الآخر" هو الغیر المتمیز عـن الأنـا الفـردیـة، تاريخ الفكر، احتلت مكانة بارزة، نظرا لارتباطها الجدلي بموضوعات أساسية متلازمة ( الأنا/ الآخر/ الهویة/ الصورة/ السلوك/ العلاقة، و الغیر مرادف الآخر والآخرين، وهو اسم جمع لا مفرد له، فیصیر الآخر بالمفرد والجمع الذي نعیش معه تجارب كالقرابة والصداقة والجوار، أو كالمنافسة والخصومة والعداء. وهذه التجارب وسواها تحدد بتنوعها واختلالها طبیعة العلاقات ودرجاتها، فهي تمثل العلاقات بین الأشخاص من ناحية الوعي أو في حقل السلوك والفعل" ( ) یقـول '' شاكـر عبـد الحمیــد ( ت 2021م) ''فـي السیاق نفسه: "إن الآخـر قد يكون أحد الأفراد وقــد یكون جماعة من الجماعات أو أمة من الأمم، فالآخر قد يكون قريبا وقد بكون بعيدا، والآخر في أبسط صورة هو مثيل أو نقيض الذات أو الأنا، سواء الاستعماري (الكولونيالي) أو ما بعد الاستعماري وكل ما يستثمر أطروحاتها مثل النقد النسوي والدراسات الثقافية والاستشراق» ( ). الآخر هو مثيل الذات ( الأنا) وقد كان موضوعا شائعا في الدراسات النقدية في المرحلة الاستعمارية وما بعد الاستعمارية. هو« ذلك الغير الذي يختلف عن الذات ويتميز عنها» ( ) ويعرف بأنه "حضور يحتد فيه شعور الذات بذاتها وتزداد رغبتها بالاكتمال عبر الامتزاج به أو بما يرمز إليه" ( ) أولا:ـــ الأنا والآخر الإنساني في نثر العصر الأموي: وأمثلة ذلك:ـــ فوجد من ذلك محمد بن الأشعث، فدخل، فجعل بين معاوية والأحنف، وقد فعلت فعل من أحسَّ من نفسه ذلا وضعة، وإنا كما نملك أموركم، نملك تأديبكم، فأريدوا منا ما نريده منكم، وإلا قصرناكم كرها، فهو عالم بأحوالهم وبكل طرقهم الملتوية وأنه على درایة بأمور السياسة والحكم، فإن أردتم الخیر تجدوه وأن عملت شرا تلقوه وبین لهم من البداية أنه سیتبع معهم سياسة التهديد وسيعاقبهم عقابا شديدا وأنه لا مفر من طاعته ومن یخالف رأبه ضرب عنقه، لأنه على درایة كاملة بكل صغيرة و كبیرة" ( ) وفي موضع آخر يقول:ـــ " إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا مدوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها" ( ) نرى "الأنا" تخاطب "الآخر" بعنف وقساوة، فكلمتها أشدّ من سيفها. وإذا راموا إراختها هو الذي يمدّها مجدداً. "يا أهل الكوفة، أتراني، قاتلتُكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون، ألا إن كل مال أو دم أصيب في هذه الفتنة فمطلول، وغزو العدو في داره، النص يوضح أن سبب قتالهم لم يكن ترك الصلاة أو الزكاة، وإنما جاء لردعهم والتآمر عليهم. لذلك اتسم أسلوبه بالقوة والتخويف، لأن الظروف والحاجة اقتضتا ذلك. قدم زياد البصرة واليا لمعاوية بن أبي سفيان وضم إليه خراسان وسجستان، والفسق بالبصرة كثير فاش ظاهر. قالا: فخطب خطبة بتراء، " أما بعد فإن الجهالة الجهلاء، ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم، ولا ينحاش عنها الكبير، ولم تسمعوا ما أعدّ الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، في الزمن السرمد الذي لا يزول، وهذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر، والعدد غير قليل. وباعدتم الدين، تعتذرون بغير العذر، تحليل الخطبة :ــــ من المعروف أن الخليفة معاوية بن أبي سفيان اختار زياد والياً على البصرة، التي كانت مركزاً للمتمردين على الخلافة الأموية، مما جعل الاضطرابات شائعة في ذلك الوقت. عندما وصل زياد إلى البصرة، والعذاب الأليم لأهل معصيته " فهو هنا يهاجم أهل البصرة وينعتهم بالسفه والبعد عن آيات الله وتعاليمه ولم يفقهوا منه شيئا . وأيضا إذا نظرنا في الخطبة وجدنا الأنا تتوعد وتهدد أهل البصرة بالعقاب ومحذر من الفتن والانحراف عن طاعة الدولة الأموية ومن أمثلة التهديد في الخطبة "( وإني أقسم بالله لآخذنّ الولي بالولي، والمقيم بالظاعن، والمطيع بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: أنج سعد فقد هلك سعيد) فهنا يظهر التهديد المباشر في أنه سيأخذ بعضهم ببعض والمطيع بالعاصي والسليم بالمريض ، وفي موضع آخر "الأنا" ترجو من "الآخر" وتشجعه على الاستمرار في الخیر والابتعاد عن الشر. وفي قوله: " فلنا علیكم السمع والطاعة فیما أحببنا، ولكم علینا العدل فیما ولینا، مادام "الآخر" فاستجیبوا عدلنا وفیئنا بمناصحتكم لنا"یسمع ویطیع یكون "الأنا" راض وعادل ومتسامح . للآخر واختار الفانية على الباقية، وباعدتم الدين، أما الآخر فیمثل الجمهور أو الرعیة المقهورة منزوعة الإرادة والعزیمة. والأنا الواعظة . الأنا والآخر في رسائل العصر الأموي :ـــ ومن قبله من المسلمين، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، فترك أصحابه متفرقين مختلفين، فأقبلوا إلى حين يأتيكم كتابى هذا بجهدكم وجندكم، وحسن عدتكم، وبلغتم الأمل، مثال آخر:ـــ ويتعلق بأرجل الضفادع، فأما سبك لى فلولا حلم ينهانى عنك، وتتناولنى بأهون سعى، واجهد جهدك ، فلست أنزل إلا بحيث تكره، ولا أجتهد إلا فيما يسوءك، والسلام" ( ) تقوم العلاقة بين الأنا والآخر في النص على معادلة استعلائية، حيث تضع الأنا نفسها في مقام "الحليم" و"البازي" (الصقر القوي)، بينما يوضع الآخر في مقام "السفيه" و"الغريق" و"الحدأة". يهدف هذا التقابل إلى تحطيم الروح المعنوية للآخر وزعزعة كبريائه السياسي والاجتماعي. استعان المؤلف باستعارات ساخرة ونشيطة مثل "التعلق بالطحلب" و"أقدام الضفادع" لتجسيد الجوانب العشوائية والميؤوس منها في حركة الآخر. وعلى النقيض، مما يجسد رؤية الأنا لنفسه ككائن في موقع السلطة الحقيقية، بينما يعتبر الآخر كظاهرة غير ذات قيمة أو قوة هزيلة. مثال آخر : من حسين بن على إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين، وثقتى من أهل بيتى، وأمرته أن يكتب إلى بحالكم وأمركم ورأيكم، فلعمرى ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله، والسلام"( ) ظهرت الأنا بوضوح في الرسالة ولم يكن مفهوم "الأنا" شاعرياً أو متغطرساً، ويدين بالحق، ويحبس نفسه على ذات الله). قام الإمام بتعريف "الأنا" هنا بتوافق مع المبادئ المرتبطة بالرسالة والعدالة الإلهية وليس لرغبة بسيطة في السيطرة. ظهر "الآخر" في إطار المطالبات بالتغيير والبحث عن قائد (ليس لدينا إمام فأقبل)، لكن الحسين (عليه السلام) وضع هذا "الآخر" في مواجهة اختبار حقيقي وواجب تعاوني، عندما اشترط للتأكد من مصداقيتهم إجماع آراء زعمائهم وعقلائهم من خلال تقرير مبعوثه (مسلم بن عقيل). الأنا والآخر في وصايا العصر الأموي :ـــ وصية مروان بن الحكم لابنه عبد العزيز: ولما انصرف مروان بن الحكم من مصر إلى الشام استعمل عبد العزيز ابنه على مصر، وقال له حين ودعه: "أرسل حكيما ولا توصه، أي بني انظر إلى عمالك فإن كان لهم عندك حق غدوة فلا تؤخره إلى عشية، وأعطهم حقوقهم عند محلها، تستوجب بذلك الطاعة منهم، فإنهم إن ظهر لهم منك كذب لم يصدقوك في الحق، واستشر جلساءك وأهل العلم، فإن لم يستبن لك فاكتب إلي يأتك رأيي فيه إن شاء الله تعالى، وإن كان بك غضب على أحد من رعيتك، فلا تؤاخذه به عند سورة الغضب، واحبس عنه عقوبتك حتى يسكن غضبك، ثم يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب منطفئ الجمرة، ثم اعرف منازلهم منك على غيرهم، على غير استرسال ولا انقباض، أقول هذا وأستخلف الله عليك" ( ). جاءت الأنا متمثلة في الأب (المرشد والموجه، مروان) والابن (الحاكم المفترض، حيث أظهر سلطته الأبوية والسياسية، مما يمنح الشرعية والإرشاد ويحدد المعايير لعبرات مثل "فاكتب إليّ يأتك رأيي" و"أقول هذا وأستخلف الله عليك". - مختصر المفوض بأداء واجباته كما يتضح في توجيه الخطاب بصورة تكليفية مثل "أي بني انظر إلى عمالك". - يتمثل الآخر في الحذر من التظاهر بغير الصدق أمام الرعية، هنا تراقب الرعية صدق الحاكم وأخلاقه، مثال آخر :ــ "وأوصى عبد الملك بن مروان حين حضرته الوفاة فقال لبنيه: أوصيكم بتقوى الله، وذوو العز المتكبرون. انظروا يا بني، وأكرموا الحجاج، فإنه الذي وطأ لكم المنابر، وكفاكم قحم تلك القناطر. كونوا أولاداً أبراراً، وللمعروف مناراً، واحلولوا في مرارة،