منبريات ومَن لجأ إليهِ حَفِظَهُ ووقاه، أحمده سبحانَهُ عَلَى مَا أعطى من الإنعام وأولاه، وأشهد أَن لا إلهَ إِلَّا الله وحده لا شريك له، وسلم تسليما كثيرا. وهذه نعمة من الله لا يحصل عليها إِلَّا مُسَدَّدَ، ﴿ وَمَا يُلَقَّهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّـٰهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) ) . ويقلب صفحاتها، ويحرص أشد الحرص أن يأخذ منها بالنصيب الأوفر. لقد أعطى اللهُ عَزَّوَجَلَّ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المنزلة التي ليست لأحد من العالمين، حَتَّى بلغ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غاية التواضع وصار مضرب المثل في هذا الخُلُقِ العظيم. ومن تأمل سيرته العطرة، سئلت عائشة رضي اللَّهُ عَنْهَا: مَا كَانَ يصنع رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بيتِهِ ؟ فقالت: كان يكون في مهنة أهله، ويحلب شاته، ويصنع كما يصنع أحدكم في بيته، يخصف نعله ويرفع ثوبه ). ومن تواضعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُجِيبُ دعوة الفقير والمملوك، ويحضر مجامع الناس في الخير ، قال أنسٌ رَضِوَانَهُ عَنْهُ: «كان رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعودُ المريض ويتبع الجنائز ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار ). وفي هذا ضرب المثل في الكراع وليس الذراع، لأنَّ كَراعَ الشَّاةِ لَا يُدعَى عَليهِ ولا يُؤكَلُ، ولكن كل ذلك ليبين مقدار التواضعِ الَّذِي كَانَ عَلَيهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالَّذِي ينبغي أن يكون المسلم متَّصِفًا به. وكان صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يركب المتواضع من الدواب، فإنَّ المركب لا يوقرُ صاحبه توقيرًا حقيقيا، بل هي بهرجة مزيفة توشك أن ترحل برحيلِ مَا وُقرَ مِن أجله. وقد كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعود المرضى مهما كان قدرهم وشأنهم، وهذا من جميل تواضعه وخفض جناحه للضعفاء، ومما جاء في ذلك أن غلامًا يهوديًا كان يخدم النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعاده النبي صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: «أتشهد أن لا إلهَ إِلَّا اللهُ وأَنِّي رسولُ اللهِ؟، فقال له أبوه: أَطِع أبا القاسم، فقالها فمات، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الحمدُ للهِ الَّذِي أنقذه بي من النار ). ولم يحتج إلى أن يبحث عن الشفاعة تلو الشفَاعَةِ حَتَّى يصل إلَى مُرَادِهِ، ولا يُراحُ عليه بها، وكان بارزًا، ويردف عليه . ويلعق - واللهِ - يَدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) . فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هون عليك، إِنَّمَا أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القَدِيد ) ويدعو لهم بالبركة، فيقول مازحا: «يَا أَبَا عُمَير، ويمشي مع الأرملة حتَّى يقضي لها حاجتها، ويمشي في حاجة المسكين حتَّى يُنجزها. قال ابن أبي أوفى: «كان رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْنفُ وَلَا يستكبرُ أَن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له حاجته، وإن كانت الوليدة من ولائد المدينة - أي: الجارية الصغيرة - تجيء فتأخذ بيد النبي صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال أنس رَوَينَهُ عَنْهُ: «إِنَّ امرأة كان في عقلها شيء - أي: مِنَ الجنون أو السفه - قالت: يا رسول اللهِ، انظُرِي أَيَّ السكك شئت حتَّى أقضي لك حاجتك، ولا يشق عليهم في طرقاتهم، ولا يطرد أحدًا، ولا يقولُ: افتح الطريق. ومن تواضعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا دخل الرجل الأجنبي إلى مجلسه مع أصحابه لم يعرفه، حيثُ إِنَّهُ لَم يتميز عن أصحابه بهندام أَو لِبَاسِ أَو طريقة جلوس. قال أبو ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجلس بينَ ظَهْرِ أَصْحَابِهِ، وكَانَ صَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأكل أكلة المتواضع لم يتميز بهيئة معينة، فقال : لا ، وأجلس كما يجلس العبد» (۳). إِنَّ مَن تأمل هذه السيرة الجميلة، علم منزلة التواضع التي حث عليها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قولا وعملا، وعَلِمَ أنَّ غاية التوفيق للعبد أن يهديه الله تعالى لأن يكون مِنَ المتَّصِفين بها، فإنَّ التواضُعَ منَ العِبَاداتِ الَّتِي تُقَرِّبُ العَبدَ إِلَى رَبِّهِ سبحانَهُ فينال بها رضوانه، قالت عائشةُ رَضوَانَهُ عَنْهَا: «إِنَّكُم تتركون خير أعمالكم التواضع. وعلى قدر ما يكون المرء متواضعا على قدر ما يفتح الله له قلوبًا مغلقة، وعلى قدر قربه منهم سيتلقون منهُ مَا يُمليه عليهم من الخير والهُدَى. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. الخطبة الثانية الحمد لله وحده، وجهلوا قدرهم، فتراهم منقبضين عن الناس في كلامهم وطريقة سلامهم، فعاشوا في غربة نفسية إلى أبعد مدى، وبعضهم قد لا يكتشف ذلك إلا بعد فوات الأوان، وَلَو أَنَّهُ وَطن نفسَهُ عَلَى التواضع من أول أمره، مع مراعاة احترام ذاته، لعاش عيش السعداء. لكون هذا الخُلُقِ مفتاحًا إلى قلوب الناس، وأولَى النَّاسِ أَن يتواضعوا لَهُم مَن كَانُوا على طريق الاستقامة، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (٢). وقال تعالى: ﴿ يَتأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، ولم يُرد به الهوانَ، بَلْ أَرادَ أَنَّ جَانِبَهُم لين على المؤمنين، والعبد السيده». وأعظم به سوءا أن يندفع إليه الناسُ فَرِحِينَ بلقائه،