يقول إنه مثال لطريقة الثقافة فى فهم الإيقاع، وبناءً عليه لا يمكن أن يختزل إلى مجرد وظيفة" للمجتمع (كما بدا للأنثروبولوجيين الاجتماعيين البريطانيين). كان بواس ناقدا مبكرا لا يكل ولا يمل للعنصرية والعلم الذى يستوحى منها - كان للأخير مؤيدون خلال تأسيس الأنثروبولوجيا الفيكتورية. مثل أنثروبولوجيين دفعوا بأن كل جنس" لديه إمكانية فطرية مميزة للتطور الثقافى. أجاب بواس بأن الثقافة نسيج وحدها sui generis وأن الاختلافات الموروثة لا تفسر المدى الهائل من التفاوت الثقافى الذى قام بتوثيقه الأنثروبولوجيون. إن مصطلح النسبية الثقافية الذى أشرنا له مرات عديدة أنفا، صكه فى واقع الأمر بواس. كثيرا ما يسأل هل تفهم النسبية على أنها ضرورة أخلاقية أم منهجية، وغالبا تكون الإجابة أن النسبية الثقافية هى منهج. بالنسبة لبواس، فالمنهج والأخلاق كانا بالنسبة له وجهين لعملة واحدة. لقد فرض بواس سيطرته على الأنثروبولوجيا الأمريكية طيلة عقدين من الزمان، غير أنه لم يخلف نظرية كبيرة أو عملا تذكاريا يقروه كل جيل ناجح من الأنثروبولوجيين. حيث أسست بسهولة جدا تشابهات مصطنعة بين مجتمعات كانت مختلفة فى الأساس. وبالتالى كان بواس فردانيا منهجيا صريحاً (١)، وحيث يفسر شكوكيته الممتدة بالنسبة لدور كايم. إن طلاب بواس هم تقريبا كل الأنثروبولوجيين الأمريكيين المهمين للجيل التالى (مع بعض الاستثناءات الملحوظة التى سنعود إليها ). الذى أسس قسم الأنثروبولوجيا فى جامعة بيركلى، والمؤرخ الثقافى الرفيق إدوارد سابير (١٨٨٤- ١٩٣٩) مؤسس قسم الأنثروبولوجيا فى جامعة بيل، وأستاذ قسم الأنثروبولوجيا بجامعة نورث ويستيرن، ١٩٤٨) الذى خلف بواس بجامعة كولومبيا وكون مدرسة "الشخصية والثقافة"، فإن الأنثروبولوجيا الثقافية التى أيدها بواس تطورت فى عدة اتجاهات خلال حياته نفسها (الفصل الرابع). ثمة تنوع أكبر حدث فى الخمسينيات، عندما أعيد اكتشاف مورجان وقام طلاب رادكليف براون بتطوير بصمة الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية الخاصة بهم. ومع ذلك يظل ميراث بواس فى قلب الأنثروبولوجيا الأمريكية حتى ذلك اليوم. وبعد أربع وعشرين سنة من اتخاذ بواس قراره المشئوم بالبقاء فى الولايات المتحدة، انتقل مفكر بولندى شاب من لايبزج إلى لندن. نال برونيسلاف مالينوفسكى درجة الدكتوراه فى الفيزياء والفلسفة قبل ذلك بيضع سنوات فى كراكاو، لقد درس فى جامعة لايبزج علم النفس والاقتصاد وقد أقنعه عالم النفس الاجتماعى فلهلم فونت (١٨٣٢-١٩٢٠) بأن المجتمع يجب أن يستوعب على نحو شمولى، وقام بالانتقال للدراسة على يد سليجمان بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية LSE، حيث كان لها سمعتها فى تهيئة ظروف مناسبة لبحث الميداني الغريب. قام مالينوفسكى بعد ذلك بأربع سنوات بدراسة ميدانية مدتها ستة أشهر على جزيرة لساحل غينيا الجديدة، بعد إقامة قصيرة فى أستراليا، نفس المنطقة التى سوف يقضى فيها ما يقرب من سنتين دفعة واحدة، معظمهم من الذين سوف يتركون بصمتهم على المجال فى العقود التالية. وهو فى خضم دراسة عن التغير الاجتماعى بين الفلاحين الهنود فى المكسيك. كان يوقع على نفسه أمر الإعدام. لقد زعم أن مالينوفسكى اعتقل بالفعل فى جزر التروبرياند إبان الحرب العالمية الأولى، قد احتفظ بمعايير منهجية صارمة. هى العيش مع الأناس محل الدراسة وتعلم المشاركة بقدر الإمكان فى حياتهم وأنشطتهم. كان أمرا جوهريا أن تقيم طويلا بما يكفى فى الميدان حتى تصبح معتادا على الطريقة المحلية للحياة، فليس ثمة حقيقة تافهة على أن تسجل. وعلى قدر ما كان ممكنا عمليا، كان ينبغى على الإثنوجرافى أن يشارك فى المسار العام للحياة اليومية، متجنبا أسئلة معينة يمكنها أن تغير مسار الأحداث، ودون أن يلزم نفسه بمناهج غير محددة. كان يجمع بيانات عن محصول البطاطا، بالإضافة إلى أشياء أخرى، غير أن مالم يقم به بأى درجة ذات مغزى هو أن يضع سكان الترويرياند داخل سياق تاريخى أو إقليمي أكبر. فى هذا الصدد يمثل فى مقارنة لافتة مع زميله الفرنسى مارسيل موس الذي كان متخصصا فى منطقة المحيط الهادى مع لعلومات أكبر وأعمق عن التاريخ الثقافى للمنطقة من مالينوفسكى، لستوحى كلية من بياناته عن الترويرياند. حاجات الإنسان والبنية الاجتماعية، المعتقدات والممارسات التى تظهر جميعها دون شك أن المجتمع البدائى البسيط القريب من قاع السلم التطورى، كان فى حقيقة الأمر عالما معقدا بدرجة شديدة ومتعدد الوجوه فى حد ذاته. فصاعدا سوف يصبح السياق والصلات التبادلية سمات جوهرية لأى إسهام أنثروبولوجى. لقد استقبل الأنثروبولوجيون اللاحقون آراء مالينوفسكى النظرية على وجه العموم حماس أقل من مناهجه والإثنوجرافيا الخاصة به. فالممارسات والنظم الاجتماعية كانت وظيفية بمفهوم أنها تتكيف معا ف ao فالنظم موجودة من أجل الناس، حاجاتهم البيولوجية فى النهاية هى المحرك الأساسى للثبات والتغير الاجتماعى. لم يتم استقباله على نحو محبب بالمرة. طيلة عدة عقود بعد موت مالينوفسكى استمر نجمه فى الأفول، إلى أن تم التحرر من الوهم مع نظرية ضخمة وضعت إبان السبعينيات أدت إلى رد الاعتبار إليه فى الأوساط الأنثروبولوجية على كلا الجانبين من المحيط-على حساب زميله ومنافسه رادكليف براون. لقد شدد مالينوفسكى اهتمامه على التفاصيل وأهمية فهم وجهة نظر البدائى، بوصفه علامة على تدريبهما الألمانى المشترك. على أن مالينوفسكى اختلف عن بواس فى معارضته للاستغراق فى أى شكل من الإصلاحات التاريخية. لقد شن مع رادكليف براون حملة معادية لكل من التطورية والتاريخية كانت ناجحة بحيث حجبت المادة بدرجة كبيرة عن الأنثروبولوجيا البريطانية لما يقرب من نصف قرن. لقد سمى مالينوفسكى نفسه بالوظيفى، فالفرد لدي مالينوفسكى هو أساس المجتمع. أما الفرد بالنسبة للوظيفيين البنائيين أتباع دوركايم فهو ظاهرة ثانوية للمجتمع وعلى قدر قليل من الأهمية الجوهرية- ما كان يهم هو استنباط عناصر البنية الاجتماعية. إن هذين النسبين للأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية- الوظيفية البيونفسية والوظيفية البنائية السيسيولوجية- يلقيان الضوء على توتر رئيسى فى المجال، بين ما أشير إليه بالوكالة والبنية agency and structure. فالفرد لديه وكالة بمفهوم أنه أو أنها خالق المجتمع. والمجتمع يفرض بنية على الفرد ويحدد اختياراته أو اختياراتها. ولكن إبان الحرب لم يكن هذا ليرى فى الأنثروبولوجيا البريطانية. إن وظيفية مالينوفسكى والوظيفية البنائية لرادكليف براون قد فهما على أنهما وجها نقيض. علم الطبيعة الخاص بالمجتمع عند رادكليف براون انتمى الفريد ريجينالد رادكليف براون (١٩٥٥-١٨٨١) إلى جيل مالينوفسكى، غير أن خلفية أسرته لم تكن عالمية وفكرية ولكن كانت خلفية لطبقة عاملة إنجليزية. لكى ينتقل إلى الأنثروبولوجيا. لكنه سرعان ما سينتقل إلى مسار نظرى مختلف. وكما كان الحال مع بواس ومالينوفسكى، قضى رادكليف براون سنوات الحرب فى بناء مؤسسات أكاديمية لاحقة متطورة مكرسة للأنثروبولوجيا الجديدة. لكنه على العكس منهما قضى فترات طويلة فى حياته العملية أكاديميا متنقلا، مؤسسا وسطا أنثروبولوجيا مهما فى كيب تاون، لذا عندما عاد أخيرا إلى أكسفورد ليقبل مقعدا فى الأنثروبولوجيا الاجتماعية سنة ١٩٣٧ ، عندما سافر مالينوفسكى إلى الولايات المتحدة فى السنة التالية، جمع رادكليف براون الأعنة فى يديه وأصبح الشخصية الرائدة للأنثروبولوجيا فى بريطانيا. إن العديد من الأنثروبولوجيين المتأثرين به، بما فيهم إيفان بريتشارد وفورتس (الفصل الرابع) كانوا فى الأصل طلابًا لمالينوفسكى، وهكذا اجتازت الأنثروبولوجيا البريطانية إبان الحرب مرحلتين: الأولى فترة سيطرت عليها الإثنوجرافيا التفصيلية مع تركيز إقليمى على منطقة المحيط الهادى، لقد تبع رادكليف براون دوركايم فى رؤيته بأن الفرد أساسا هو نتاج المجتمع. بينما كان مالينوغسكى يدرب طلابه أن يخرجوا ويبحثوا عن الدوافع الإنسانية ومنطق الفعل، بينما طلب رادكليف من طلابه أن يكتشفوا قواعد بنائية تجريدية وأليات مدمجة اجتماعيا. رغم أن التفاوت كثيرا ما يبالغ فيه فى الإسهامات التاريخية، لكن النتيجة أحيانا كانت عبارة عن أساليب بحث مختلفة على نحو مدهش. إن الآليات التى أراد رادكليف براون أن يحددها كانت ذات أصل دوركايمى، مشابهة ربما للتمثيلات الجماعية اللاحقة. غير أن رادكليف براون كان لديه أمال واضحة لتحويل الأنثروبولوجيا إلى علم واقعى"، إن المجتمع مرتبط ببعضه البعض ببنية قواعد قانونية وأوضاع اجتماعيه ومعايير أخلاقية تحدد وتنظم السلوك. فى عمل رادكليف براون، توجد مستقلة عن العوامل الفردية التى تنتجها. إن الأشخاص الحقيقيين وعلاقاتهم هى مجرد نماذج للبنية، إن البنية الاجتماعية يمكن أن تنقسم أبعد من ذلك إلى مؤسسات منفصلة أو نظم فرعية، والمخصصة للتأميم وتقسيم العمل فى الأسرة، جميعها يساهم فى حفظ البنية الاجتماعية ككل. فرادكليف براون يبدو أنه يصرح بأن المؤسسات موجودة لأنها تحافظ على الكل الاجتماعى، بمعنى أن وظيفتها هى أيضا سبب وجودها. إن علاقة السبب بالنتيجة تصبح غامضة وملتبسة، ومثل هذا الاستنتاج الحشوى أو الارتجاعى مستهجن بصفة عامة فى التفسيرات العلمية. على أن هذا البحث النقدى يسرى على حد السواء بالنسبة لكل أشكال الوظيفية، اختلاف رادكليف براون فى الموضوع. المتلهفين كدأبهم لأن يبدوا علماء بمعنى الكلمة، إن رابطة براون بين النظرية الاجتماعية الدور كايمية والمادة الإثنوجرافية وطموحاته نيابة عن الفرع المعرفى، أحدثت برنامجا بحثيا جديدا وجذابا توجهت إليه أسراب من الباحثين الموهوبين، لقد كان الأنثروبولوجيون منذ مورجان مدركين أن القرابة كانت هى المفتاح لفهم النظام الاجتماعى فى المجتمعات المصغرة. إن نظام القرابة كان يفهم ببساطة بأنه دستور غير مكتوب للتفاعل الاجتماعى، على طريقة استخدام التناظرات البيولوجية التى كان يفضلها دوركايم) للدعم الذاتى، متكاملة على نحو عضوى ومع ذلك كينونة مجردة تسمى بالبناء الاجتماعى social لقد كان من الأهمية الخاصة بمكان لهؤلاء الباحثين أن القرابة كان يعتبر أنها تؤدى وظيفيا بوصفها إطارًا لخلق الجماعات أو هيئات فى مثل هذه المجتمعات. ربما يكون لدى الجماعات حقوق جماعية، على سبيل المثال بالنسبة للأرض أو الحيوانات. كانت هذه الجماعات ودينامياتها هو ما بدأ الوظيفيون البنائيون فى دراسته، إن رادكليف براون كان نفسه على وجه الخصوص غير مغرم بكلمة "الثقافة" فبالنسبة له لم تكن القضية المحورية هى ماذا يعتقده المحللون وماذا يؤمنون به، ولكن بالأحرى كيف كان مجتمعهم متكاملا، و"القوى التى ربطته معا ككل. فالتنظيمات المعاصرة من وجهة نظره موجودة لأنها وظيفية فى الوقت الحالى، بالتأكيد ليس ك رواسب" لعصر غابر. فهى مفهومة فى الوقت الحاضر أو ليس على الإطلاق. فحيث لم يكن ثمة دليل، هنا كان مالينوفسكى ورادكليف براون على اتفاق تام. لقد وجد مالينوفسكى ورادكليف براون نسبين فى الأنثروبولوجيا البريطانية، حيث كانا من وجهة نظر البعض فى تنافس مباشر، كانت الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية فى طريقها جيدا لكى تصبح مجالا أكاديميا راسخا (كان البعض يقول لم يكن النسبين كلية قصرا على الزواج من الأقارب. لقد كانت الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية عبارة عن قبيلة صغيرة حيث الجميع يعرفون بعضهم البعض. والأخرى فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بلندن، وسليجمان وفى الجيل التالى ريموند فيرث. إن جميع الأنثروبولوجيين الاجتماعيين تقريبا الذين تعلموا فى فترة الحرب ارتبطوا بأحد هذين المركزين. فنظرا لأن رادكليف براون ومالينوفسكى كانا نادرا ما يكونان فى الوطن فى الوقت نفسه، كان العديد من الطلاب مضطلعين على كل منهما ومتابعين لمحاضراتهما. والبعض انتقل لاحقا إلى رادكليف براون. أما بالنسبة للطلبة الذين بقوا مالينوفسكفيين فى توجههم فكان من بينهم فيرث وأودرى ريتشاردز وإدموند ليتش وإيزاك سكابيرا. إن كلا من مالينوفسكى ورادكليف براون كان له تأثير دائم على الفرع؛ فمناهج مالينوفسكى الميدانية تبناها بحماس أعضاء من المعسكر الآخر، والجميع كان عليه أن يرتبط بمفاهيم رادكليف براون عن البناء والوظيفة وعلم النسب التالى لعقد على الأقل بعد مماته. كان اتساع الأنثروبولوجيا الاجتماعية حثيثا، فقد كان هناك قبل الحرب العالمية الثانية أقل من أربعين مريدا على امتداد بريطانيا. لم يساهم رادكليف براون بجزء صغير فى هذا. فخلال فترة تجواله الطويلة أنشأ أقساما للأنثروبولوجيا معتبرة فى كيب تاون وسيدنى ودلهى وشيكاغو. أثناء إقامته فى كيب تاون ( ١٩٢٠- تعاون مع أحد طلاب مالينوفسكى القدامى، إيزاك سكابيرا الذى سيتولى فيما بعد إدارة القسم هناك لسنى عديدة. بينما كان فى سيدنى راح يشجع على الدراسة العلمية للغات البدانية، ساهم فى إضفاء الطابع الأوروبى على جزء من الأنثروبولوجيا الأمريكية، بأسلوب مستحدث لأنثروبولوجيا ميكرو سيسيولوجية حيث سوف يصبح فيما بعد شديد التأثير. ن. سرينيفاز عاملا مساعدا فى تأسيس الأنثروبولوجيا الاجتماعية الهندية باعتبارها فرعًا وظيفيًا بنائيًا إلى حد كبير. موس والبحث عن ظاهرة اجتماعية شاملة ورادكليف براون يحاضر ويقوم بعمل ميدانى فى جنوب أفريقيا، وبواس مشغولا فى إعداد أول جيل من الأنثروبولوجيين الأمريكيين بقاعدته فى نيويورك سيتى، الذى عمل معه بالفعل لمدة عقدين من الزمان حل محله بوصفه قاندًا لحلقة الحولية السيسيولوجية. لم تكن بالأوقات السهلة. فقد قضى العديد من معاصرى موس اللامعين فى الحرب، المقارن، نقد رأى موس عمله استمرارا لعمل دوركايم، وكلا الرجلين اشتركا فى تصور شمولى عن المجتمع، لتعضى اجتماعى social organism. لقد قسم موس على ضوء هذه الخلفية دراسة الأنثروبولوجيا إلى ثلاثة مستويات من التحقيقات: الإثنوجرافيا، وهى الدراسة المفصلة للأعراف والمعتقدات والحياة الاجتماعية، والأنثروبولوجيا، لم يقم موس نفسه بعمل ميدانى قط، غير أن دورات التخرج لديه بمعهد الإثنولوجيا الذى أسسه سنة ١٩٢٥ ، كانت مركزة بشدة على القضايا المنهجية. منصبا على الثقافات غير الأوروبية والمهجورة. كان مشروعه وثيق الارتباط بمشروع مالينوفسكى، أو رادكليف براون أو بواس. على أن هدفه الصريح كان صنيف مجتمعات واكتشاف سمات بنائية مشتركة لأنماط مجتمعية مختلفة، من أجل تطوير فهم عام للحياة الاجتماعية. ناهيك عن أن موس مقارنة بزملائه البريطانيين لم يتردد فى أن ستفيد من المادة التاريخية متى كان الأمر له صلة. إن "القوانين العامة" التى تحدث عنها رادكليف براون كانت غائبة بنحو لافت عن عمل موس الذى كان ذا ميول إنسانية أكثر منها علمية. الهدية Essai sur السيسيولوجية، إلى آخره. كتاب يستخرج أدب تعليق كبير ومهم، ساحرا لب العديد من نجوم الفكر مثل جاك دريدا وجان بودريار وبيير بوردو إبان النصف التالى للقرن العشرين. ولهذا السبب، يعتبر تبادل الهدية وسيلة لإقامة علاقات اجتماعية، إنه أمر ملزم أخلاقيا ومدمج اجتماعيا. إن منح الهدية له مظهر استراتيجى ونفعى. فهو يمارس من قبل أفراد يحاولون رفع اهتماماتهم الخاصة وليس على الأخص فى السياسة. فى النهاية نجد أن الهدية لها مظاهر رمزية مهمة نظرا لأن الأشياء المعطاة والمستقبلة تصبح رموزا لعلاقات اجتماعية كذلك ظاهرة ميتافيزيقية. (إذا بدا هذا ملتبسا، فكر فى القيمة المتوافقة فى نمط مجتمعنا للأثاث العتيق والفن القديم!) رغم أن تبادل الهدايا يحدث فى كل مجتمع فإن أهميته انحسرت فى التاريخ الأوروبى. حيث يشير إليها باعتبارها مواقف تهادى كلية مثل هذه الهدايا تمثل تجسيدات لمدى كامل من العلاقات aop هدايا عيد الميلاد ربما تعد أكثر مقاربة للإعارات الكلية فهى تستدعى مدى كبيرًا من المؤسسات- الأسرة والمسيحية والرأسمالية والاستهلاكية والعطلات والطفولة - ناهيك عن العلاقات الشخصية. فباسم الهدية يسأل موس كم تكون المجتمعات متكاملة وكم يكون الأفراد مرتبطين ببعضهم البعض من خلال التزامات أخلاقية. إنه عمل مركب من الأنثروبولوجيا الاقتصادية والتاريخ الثقافى والتحليل الرمزى والنظرية الاجتماعية العامة، حيث يجسر العديد من الفجوات التى تميزت بها الأنثروبولوجيا مؤخرا. لقد ترك وراءه مدى من الأسئلة عالجها طلابه بحنكة بالغة، من أكثرهم شهرة كلود ليفى شتراوس ولويس دومون. من قبيل المصادفة أن موس ورادكليف براون لم يكونا قط قريبين مهنيا أو شخصيا. لقد تضمنت الأنثروبولوجيا الفرنسية خلال العقود الأولى من القرن العشرين العديد من الشخصيات المؤثرة إضافة إلى دوركايم وموس. الذى لم يكن قط من زمرتهما، عالما مثقفا ومبتكرا حيث طور دراسات المجتمعات الريفية فى فرنسا باعتبارها جزءًا من الأنثروبولوجيا (أو بعبارة أخرى "الأنثروبولوجيا فى الوطن ليست ابتكارًا حديثًا"). طقوس العبور ١٩٠٩) Les Rites de passage). والكتاب عبارة عن دراسة مقارنة لطقوس الاستهلال التى يتم فيها الانتقال من وضعية اجتماعية إلى وضعية اجتماعية أخرى. إن أكثر الطقوس انتشارا هى تلك المرتبطة بالميلاد والبلوغ والزواج والموت. مستبقا سوسيولوجيا الدين لدى دوركايم، تقوى تكامل كل من المستهلين والمشاهدين. ورغم أن عمله يعرف إلى حد كبير (بالسمع) باعتباره نموذجًا مضحكًا لوجهات النظر غير الصائبة عن العصور الغابرة، فإنه ليس من أدنى شك فى أن ليفى برول فتح مجالا جديدا للبحث الميدانى، ففى كتاب العقلية البدائية ١٩٢٢) Mentalite primitive) وكتب تالية، دفع ليفى برول بأن الأناس الأميين يفكرون بطريقة مختلفة نوعيا عن الأناس المتعلمين، فهم لا يعقلون بنحو منطقى ومتماسك بل بنحو شعرى ومجازى. رغم أن معاصريه من لوى فى الولايات المتحدة إلى شميدت فى ألمانيا كانوا بصفة عامة ناقدين لعمله، لكنه أطر لمجال تحليلى أثبت ثراءه فيما بعد: الدراسة المقارنة لأنماط التفكير ومشكلات الترجمة بين الثقافية المرتبطة بمثل هذه الاختلافات. غير أن تأثير ليفى برول كان أقوى خارج الأنثروبولوجيا منه داخلها. حيث لم تكن أراؤها المثالية عن العقلية البدائية فى حاجة لأن تأخذ الدراسات الميدانية بعين الاعتبار. تأسست طوائف من "الأنثروبولوجيين الجدد" فى بريطانيا العظمى وفرنسا والولايات المتحدة، فحصيلة الأمر لم تكن تتجاوز مائتى أنثروبولوجى محترف فى العالم، لم يكن قد مر سوى ثمانين عاما منذ أن نشر مؤسسا الأنثروبولوجيا الجديدة فى بريطانيا عمليهما الخارقين- وسيكون من التضليل أن نتحدث عن "مدرسة بريطانية " فى ذلك التاريخ المبكر. كان رادكليف براون لم يزل فى سيدنى وسوف يقضى معظم الثلاثينيات فى شيكاغو. كان مؤسسو الأنثروبولوجيا الحديثة ينتمون إلى مجموعة صغيرة رغم اختلافاتهم العديدة لكن كان لديهم الكثير مما يشتركون فيه. الأهم ربما أنهم جميعهم كانوا يحاولون ترسيخ الأنثروبولوجيا فى "دراسة مفصلة للعادات، فالطقس لا يمكن أن يختزل فى "رواسب" survivals ماض افتراضى منفصلة. إذ يجب أن يلاحظ فى سياق علاقته بالمجتمع الكلى الذى يعتبر جزء منه فى هذا المكان وتلك اللحظة. فى واقع الأمر، ربما نزعم أيضا أن المفهوم بأن لا يجب أن يكون مبعث دهشة أنه عند دخوله الأنثروبولوجيا أحدث ثورة نظرية شارك فيها كل المؤسسين الأربعة بجهد أو بآخر. رغم الحجم الضئيل للفرع فإن الاختلافات بين التقاليد القومية كانت مميزة بالفعل، عندما قضى المؤسسون جميعهم، انتشرت هذه التصورات أو الأساطير هذه الأيام ونزعت لكى تسمح لبعض من أكثر الطبائع وضوحا لكل من الرجال الأربعة أن يلقى بالظلال على جميع الآخرين. وعليه يجب أن يكون حاضرا فى ذهن القارئ أن العلاقات الأكاديمية بين الأنثروبولوجيين يست أقل تعقيدا من علاقات البشر بصفة عامة (انظر ليتش ١٩٨٤) وهكذا اتفقا كل من بواس وموس على أنه ليس ثمة صراع شديد بين التاريخ الثقافى والدراسات المتزامنة وبالتالى احتفظ كلاهما باهتمام بالانتشارية، بينما اعتبر رادكليف ومالينوفسكى أن مثل هذه الاهتمامات "غير علمية". يعكس هذا الشقاق بجلاء حقيقة أن الأنثروبولوجيين البريطانيين كانا مشغولين ب "ثورة "، أقل الأربعة ميولا للسيسيولوجيا، مرتابا فى "العلم الفرنسى الذى بشر به رادكليف براون فى شيكاغو، فى هذا الصدد، غير أن هذا التوحد شابه النقصان بدوره. بينما كان رادكليف براون وموس جماعيين منهجيين ملتزمين راحا يفتشان فى أسرار "المجتمع ككل"، ولكن خصوصية مالينوفسكى ركزت على الحاجات الجسدية للفرد، إن الطبائع الشخصية المحضة للرجال الأربعة أثرت بدورها فى العلم الجديد للمجتمع. لدرجة أن نقطة عمائه الواضحة، عدم ثقته فى التعميم، أصبحت نقطة عماء جيل. باستثناءات قليلة للغاية (من بينها الشهير بيندكت ١٩٣٤)، كانت التعميمات ذات المدى الكبير غائبة عن الأنثروبولوجيا الأمريكية فى القرن العشرين حتى بعد موت بابا فرانز". خيرا، كان ثمة اختلافات نظامية بين التقاليد القومية الثلاثة ليست بالأكاديمية ولا بالشخصية. أصبحت الأنثروبولوجيا الأمريكية اكثر اتساعا وفرعا أكثر ترسيخا من أوروبا. كانت تشمل على مائة وخمسة وسبعين عضوا. على أنه بعد ذلك فى سنة ١٩٣٩ لم يكن هناك سوى عشرين أنثروبولوجيا محترفا فى الإمبراطورية البريطانية برمتها، وعندما تأسست جمعية الأنثروبولوجيين الاجتماعيين في بريطانيا سنة ١٩٤٦ لم يكن بها سوى واحد وعشرين ممن يتمتعو ) كانت العضوية فى هذه النخبة أكثر أهمية من الحدود الصارمة، وبناءً عليه كان الأنثروبولوجيون منهمكين فى تعاون مكثف وجدال مع علماء الاجتماع والفلاسفة والمؤرخين وعلماء النفس وعلماء اللغة. فإنه لم يكن هناك نفس الشعور القوى بفرع جديد وثورى آخذ فى التشكل، كانت مدارس الأنثروبولوجيا الحديثة المبكرة قد ترسخت بثبات. كانت الأنثروبولوجيا الفيكتورية لتيلور وفريزر ومادية مورجان وانتشارية الألمان قد علاها طبقة سميكة من الغبار. فى بعض الحالات (نتذكر تابعى موس ورادكليف براون) وتقريبا أحداث الماضى للشعائر الدينية. لم يكن قد بدأ بعد انتشار الفرع الجديد. فى ألمانيا ظل الانتشاريون يؤثرون حتى بعد الحرب العالمية الثانية،