فقد بدأ مفهوم رأس المال في البزوغ مع تهميش السلطة، وتزايد حركة التجارة الذي أسهم في كسر العزلة الاقتصادية، مما أتاح الفرصة لانفتاح الاقتصاديات القومية على ديناميكية العلاقات التجارية، والنتيجة أن أصبحت التأثيرات الاقتصادية لهذه العولمة لا سيما في الوقت الحالي أكثر حدة ووضوحا منها على الثقافات القومية) [1] . المستشار الاستراتيجي والمخطط للسياسة الأمريكية الخارجية، لم يضع حدا للصراع التقليدي فحسب، وإنما وضع [ ص: 77 ] نهاية للتاريخ أيضا، باعتباره إلى الآن تاريخ صراعات مريرة مدمرة، وبتلك النهاية يميل التاريخ إلى الاستقرار عند الرأسمالية العالمية، لقد حاول « صموئيل هـانتنغتون » المحاضر في جامعة هـارفرد بأمريكا ، تجاوز فلسفة «النهايات» التي اكتملت عند «فوكو» بحتمية الليبرالية كمصير للشعوب، وتبديل أشكاله بالتحول من صراع دول ومجتمعات وطبقات إلى صراع ثقافات وحضارات. وعلى عكس الكلام الأيديولوجي الذي لا تسـانده قوى علمية ذات مصداقية على أرض الواقع، ولم يعد سور الصين العظيم يمنع من الامتداد حتى نهاية العالم. فقد تكونت أممية اشتراكية على مستوى العالم كله، وبمفهوم «المجتمع المدني العالمي» والعولمة السياسية. فالمجتمع المدني العالمي هـو ذلك المجتمع من الناس الذين يفكرون بشكل عالمي، لإنتاج سياسات مواكبة للسلام والتحرر الاجتماعي، وتقديم مساعدات الإغاثة الإنسانية و«النضال» ضد تخريب البيئة العالمية والتسلح الذري والتجارب النووية، والعمل على توسيع نطاق المبادلات والتدفقات العلمية للإبداع وخاصة في مجال الفنون والآداب [6] . غير أن الهيمنة الغربية التكنولوجية الآن تحاول أن تختصر القرون والقارات والحضارات وتحولها إلى جسد حضاري واحد، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط المعسكر الاشتراكي وزوال القطبية الثنائية. انتقل مفهوم العولمة من الفضاء الاقتصادي والسياسي إلى الفضاء الثقافي والإعلامي والأدبي، طـرح جملة من القضايا والإشكاليات [ ص: 82 ] في الثقافة والأدب والفكر، ويمكن أن نعتبر الولايات المتحدة الأمريكية البلد الأكثر انفتاحا على العالم، فكل بلد في العالم تقريبا له موقع بأمريكا عبر الزمن، بفضل هـجرة قسم لا يستهان به من مواطنيه إلى الأرض الموعودة الأمريكية. وحضور العالم في أمريكا يحظى بانتشار كبير بفضل وسائل الإعلام التي تأسست فيها، والتي في قسم منها عرفت بالجماعات الإثنية أو القوميات، من صحافة مكتوبة وإذاعة وتلفزيون وصحافة إلكترونية. بمعنى أنه سمح لهم بنشر أفكارهم الخاصة وإعلامهم وكل حديث يخصهم. ففي كثير من البلدان يتوافق مصطلح «العولمة» مع معنى [ ص: 83 ] « الأمركة » بحيث أضحى يتم النظر إلى العولمة على أنها قادمة من أمريكا، ويرى بعضهم: أن العقل الأمريكي بذبذباته يحاول تطهير العالم من الأيديولوجيين والعقائديين، ويصوغ الغرب مادة «الحلم الأمريكي American Dream» بصورة مطابقة يمكن للأفراد جميعا الوصول للقمة والنفوذ وتحقيق النجاح المادي بفرص متكافئة، فكما استقبل تمثال الحرية بذراعيه ملايين المهاجرين الاقتصاديين والاجتماعيين والمفكرين والأدباء واللآجئين السياسيين والمقموعين والمحرومين، وفي هـذا المجال أصبحت المعلوماتية والإنترنت وتقنياتها المتطورة أهم مرتكزات «العولمة» الجامحة، فالمقصود بهذا التعبير هـو أن العالم لم يعد مسكنا لكيانات مجتمعية مفصولة معزولة عن بعضها بعضا، بحيث إن ما يحدث في أي بقعة فيه [ ص: 85 ] يؤثر في جميع بقاعه الأخرى مهما تباعدت المسافات أو تنافرت الثقافات، وكأن وحدة المصير العالمي قد صارت حقيقة بالقوة نفسها التي نتحدث بها عن الوحدة العضوية لقرية صغيرة. ونرى النظام الإعلامي الجديد يمكنه أن يقوم بدور جوهري في التقارب بين الشعوب، مبينا وموضحا ما يخفى على الكثير من جوانب الإبداع المستحدثة من خصوصية ذلك الآخر «المجتمع الثقافي». إذا فالتجريد الذي تتجه إليه الدراسات المقارنة مستمد من واقع عالم اليوم، والصراع على الظهور بهذا المظهر الكوني هـو الرهان الأساس لعولمة الثقافة، ومن هـنا لم يكن غريبا أن نجد باحثا في الأدب المقارن [11] -وهذا ينطبق أيضا على كثير من تجليات الثقافة- مثلا يتساءل: «أليس من الأيسر على المقارنين المضي على نحو من المؤتمرات والندوات العلمية التي تعقدها هـيئة الأمم المتحدة أو منظماتها، ويساعد هـذا اللون من النشاط الإنساني أن يكون أداة لتحقيق [ ص: 87 ] السلام في العالم، وذلك لأن الأبحاث الأدبية في جميع الآداب تعد أثرا من آثار العبقرية الإنسانية محليا أو عالميا. كان فندق «الفيرمونت» في «سان فرانسيسكو» -الذي يشبه الأيقونات التي تملأ الأساطير- يشهد أكبر منتدى اقتصاديا مستقبليا يرأسه آخر رئيس للاتحاد السوفيتي السابق « ميخائيل غورباتشوف ». فبعد أن سلم المذكور أكبر قوة في العالم -على طبق من ذهب- للتفكك والضياع والمصير المجهول، قام رأسماليو الغرب بإنشاء معهد باسمه في أحد أهم أماكن سان فرانسيسكو ، وهو ولا شك سؤال تفشى كوباء، وكان السؤال: هـل تتعقل الرأسمالية أزمتها، وتعود أدراجها محافظة على حقوق البشر الضعفاء، وهل بالفعل ستظل فروق الغنى والفقر القائمة حاليا على ما هـي عليه، وما هـو مستقبل سوق العمل في القرن القادم؟ وإذا كانت هـذه أسئلة الغرب وهو مقبل على قرن جديد، هل نتعامل مع العولمة باعتبارها إحدى الموضات التي لا تختلف عن وجبات الطريق العام والأزياء وما إلى ذلك مما يحلو للبعض الحديث فيه. ؟ [ ص: 89 ] أم علينا إعادة النظر في مستقبلنا من خلال إحياء ما نملك، والمؤكد أن لدينا تيارا فكريا ما زال يتعامل مع الـمدراس الفكرية في الغرب باعتبارها هـذه الـموضات بالفعل،