دور الأسرة في تحقيق الأمن الفكري للأبناء الساعة 19:37 بتوقيت مسقطom/p/334531د. رضية الحبسيةاستهل مقالتي هذه بأحد مضامين الخطاب السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- أعزه الله وأبقاه- في افتتاح دورالانعقاد السّنوي الأول للدورة الثامنة لمجلس عُمان، والذي يمكننا الانطلاق منه في حديثنا عن الأمن الفكري ودور الأسرة في تحقيقه لدى الأبناء؛ لَنُؤكِّدُ على ضرورةِ التصديّ لها، لتعزيزِ قدرةِ المجتمعِ على مواجهتِها وترسيخِ الهُويّةِ الوطنيةِ، والقيمِ والمبادئِ الأصيلة، إلى جانبِ الاهتمامِ بالأسرةِ؛ لِكونِها الحِصنَ الواقيَ لأبنائِنا وبناتِنا من الاتجاهاتِ الفكريةِ السلبيةِ، التي تُخالفُ مبادئَ دينِنا الحنيفِ وقيمَنَا الأصيلةَ، وتَتَعارضُ مع السَمْتِ العُماني الذي يَنْهَلُ من تاريخِنا وثقافتِنا الوطنيةِ".فمن خلال تحليل تلك الموجهات السامية، نلاحظ تأكيد جلالته على أهمية التحصين الفكري، ودور مؤسسات التنشئة الاجتماعية والتربوية في حماية الناشئة من الانحراف الفكري، نتيجة التأثيرات والتيارات الفكرية السلبية، كما أكدّ جلالته- حفظه الله- على دور الأسرة في تعزيز القيم الأصيلة والحفاظ على الموروثات العُمانية؛ لتحقيق الأمن الفكري للأبناء؛ كونها اللبنة الأولى في بناء المجتمع،ويُقصد بالأمن الفكري للأبناء تحصين فكر الناشئة ومعتقداتهم من الاتجاهات السلبية، للتصدي لأية تحديات تؤثر على المنظومة الأخلاقية والثقافية للمجتمع، أو تهدد أمنه واستقراره. ويرتبط الأمن الفكري بالأمن المجتمعي، فلا يمكن للمجتمع أن ينمو ويزدهر في ظل غياب الأمن؛ إذ يُقاس تقدم المجتمع بعقول أفراده ومعتقداتهم، التي تظهر في سلوكهم وتصرفاتهم؛ لذا تحرص المجتمعات على معالجة وتصحيح أية انحرافات فكرية قد تطرأ على أبنائه، قد تؤدي إلى اضطرابات تؤثر على أمن واطمئنان الأفراد والمجتمع بأكمله.وتعدّ الأسرة الركيزة الأساسية في قوة المجتمع وازدهاره، وذلك من خلال مهمتها في تأصيل القيم والمبادئ الأصيلة لدى الأبناء، ومساعدتهم على التكيّف مع المجتمع في ظل التغيّر الاجتماعي والزخم الثقافي الذي يعيشه العالم اليوم، فمهمة الأسرة لم تعد مقتصرة على توفير حاجات الأبناء الأساسية من مسكن ومأكل ومشرب، بل يتعدى دورها إلى تحقيق الاستقرار النفسي، وإرساء قواعد الأمن الفكري لدى الأبناء كأحد أبعاد التنشئة الاجتماعية. ويتمثل ذلك الدور في تنشئة الأبناء على الأفكار الصحيحة، وحمايتهم من أي انحرافات تمثل تهديدًا على الأمن الفكري والاستقرار الأسري والتقدم المجتمعي.ولتحقيق الأمن الفكري لدى الأبناء، لا بُد من وعي وإدراك الأسرة بدورهم التربوي أولا، بدءًا من النموذج الحسن والرفقة الصالحة التي تكون بمثابة البوصلة التي توجه سلوك الأبناء، أو مشكلات سلوكية، كالعنف والتنمر، أو التورط في جرائم الأحداث، وغيرها، لينتهي بشعور كل فرد من أفراد الأسرة بالمسؤولية المشتركة في الحفاظ على أمن واستقرار الأسرة. ومن ذلك نؤكد على أن دور الأسرة في تحقيق الأمن الفكري لدى الأبناء هو دورًا استباقيا ووقائيا، وذلك ببناء سياج فكري آمن لهم، وتهيئتهم للعيش السّلمي والاندماج الإيجابي مع المجتمع.وتعدّ الأسرة أساسَ الهرم التربوي، كون مسؤويتها مباشرة في غرس القيم الأخلاقية والاتجاهات السليمة في نفوس أبنائها، باتباع أساليب تربوية تتواءم ومعطيات العصر، فلكل عصر أدواته ومقاييسه في تربية الأبناء، فلم تعد القسوة والشدة والمنع هي الأدوات الناجعة في ظل الانفتاح العالمي وتعدد وسائل الاتصال والتواصل. كما أن الأسرة هي الحضن الذي ينشأ فيه الأبناء، والوعاء الذي تتشكل فيه شخصياتهم، لذا فهي المسؤول الأول في التنشئة المتزنة والمتكاملة للفرد: عقليا ونفسيا وجسديا واجتماعيا، وذلك بتوفير بيئة أسرية آمنة مترابطة، يسودها علاقات إيجابية قائمة على قيم الاحترام والتقدير والمودة والرحمة؛ ليصبحوا أفردًا منتجين مبدعين، قادرين على المساهمة في تحقيق تقدم المجتمع ونموه.وتجدر الإشارة هنا إلى أن حكومة سلطنة عُمان استندت في تحديد الأولويات الوطنية لرؤيتها المستقبلية "عُمان 2040" على عدد من الموجهات، كان الانطلاق من ثوابت المواطنة والهوية العُمانية الأصيلة أحدها. ويعدّ ذلك مُسوغًا لتحقيق الأمن الفكري للأبناء، نظرًا لدعم القيادة العليا في البلاد، وهي في سعيها للوصل بعُمان إلى مصاف الدول المتقدمة مع الحفاظ على الثوابت الراسخة للمجتمع العُماني المتمثلة في الثقافة العُمانية والموروثات الحضارية، أنها تؤسس- أي الرؤية- لمجتمع معرفي ممكّن، إنسانه مبدع، ملتزم بمواطتنه وقيمه. كالسلام، والمواطنة الصالحة، واحترام الرأي الآخر، وذلك بانتهاج عدد من الاستراتيجيات والأساليب التربوية،أولًا: الدعم العاطفي للأبناء، وإحساسهم بالحب والأمان والاحتواء، وتجنب الكيل بمكيالين في تربيتهم، إذ لا بد من تحقيق مبدأ العدالة والمساواة في التعامل معهم، وسدّ منابع الشعور بالحقد والكراهية؛ وضرورة دعم الأبناء على مواجهة التحديات الفكرية والعاطفية، وتحصينهم ضد أي استغلال قد يتعرضون له.ثانيًا: المحاكاة العقلية، وتنمية مهارة التفكير النقدي لدى الأبناء، وتدريبهم على تمحيص ما يُعرض عليهم من محتوى، وممارسة التقييم في ما يُبث عبر وسائل الإعلام المختلفة، كذلك حسن اتخاذ القرار بشأنها. كذلك حماية الأبناء من الرسائل المباشرة والمبطنة التي تدعو إلى الأفكار المتطرفة والسلوكيات المنحرفة، أو شعورهم بالضياع وفقد الهوية في ظل تعارض القيم التي يدعو إليها الآباء، وما يتعرض له الطفل عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع غير الآمنة عبر الانترنت.ثالثًا: التواصل الجيد، باتباع أسلوب الحوار الفعّال والتفاهم البنّاء كمنهج للتعامل مع الأبناء، لما له من أهمية في تقوية العلاقات الأسرية بين أفرادها، كما يؤسس الحوار لمهارة التفاعل الاجتماعي مع الآخرين، وتصحيح المفاهيم الخاطئة لدى الأبناء؛ التي تؤدي إلى اختلال في الفهم، واضطراب في السلوك، كذلك تعزيز مبدأ الاحترام المتبادل، وعدم الخوف من الحديث عن مشكلاتهم أمام والديهم، وما يتعرضون له مخاطر إلكترونية أو تهديدات أمنية. والمصطلحات التي يتداولونها، بسبب التقليد الأعمى، وتأثير الأقران، سيساعد الوالدين على فهم التغيّر في شخصية الأبناء، وسيقي الأبناء من الانضمام إلى رفقاء السوء، التي قد تكون سببًا لانخراطهم في أنشطة فكرية منبوذة، ونتائج لا تحمد عقباها، في غفلة من الرقابة الوالدية.خامسًا: التثقيف والتوعية، وتعزيز قيم الأمن المعلوماتي والقانوني في إطار مفاهيم المواطنة الرقمية، وتعزيز الوعي بالتعددية الثقافية، وترسيخ قيم الهوية الوطنية، وتقويتهم للتصدي لأية مكائد تهدف إلى اجترارهم إلى جماعات إفتراضية منحرفة، أو تأثير التيارات الفكرية الفاقدة للهوية.وفي الختام. نقترح اعتماد استراتيجية وطنية، تعنى بتحصين الناشئة فكريًا وحمايتهم من الانحراف الخُلقي والفكري، استنادًا إلى الموروثات الحضارية والقيم العُمانية الأصيلة، مع الأخذ بالمتغيرات الاجتماعية المعاصرة، وإعداد دراسات علمية لرصد واقع التحديات الأخلاقية والقيمية التي يتعرض لها المجتمع، والتوصل إلى مقترحات عملية لوقاية الأبناء من الاتجهات الفكرية السلبية، وإعداد برامج توعوية تثقيفية للشباب حول أساليب التصدي للتأثيرات الناجمة عن التحديات الأخلاقيات المعاصرة. فعلى سبيل المثال: تمكين الأسرة من أساليب التنشئة الوالدية؛ أو التقليل من قدراتهم، غير قادر على تحمل المسؤولية، أو الاسلوب التربوي الاستبدادي في التعامل مع الأبناء، أو تقزيم شخصياتهم، فينشأ جيل مضطرب غير قادر على اتخاذ قراراته.أيضًا الارتقاء بالمستوى الثقافي للوالديْن؛ بما يساعدهما على الإلمام بما يحتاجه الأبناء في مراحلهم نموهم المختلفة، أيضا العمل على تحسين المسستوى المعيشي والاقتصادي للأسر، من أجل توفير متطلبات الأبناء الأساسية،