يتناول يوسف إدريس كعادته القضايا الاجتماعية في كتاباته. وكيف أنه قام على نظام القمع والتسلط دون الالتفات إلى أبسط حقوق الطلبة ، وربما يكون ذلك هو السبب في حجم الكره الذي يكنه الطلبة لمدرستهم ولنظامهم التعليمي، فقد كانت امنية كل واحد منهم أن يستيقظ من نومه على اصداء خبر انفجار المدرسة بقنبلة آتية من اي مكان، او انفجار بركان في غرفة مدير المدرسة. تعطينا هذه الأمنية مؤشرا خطيرا على الوضع النفسي السيء للطالب، فالإنسان لا يكره مكانا او نظاما الا اذا كانت لديه تجارب سيئة معه والطلبة في المدرسة ما كانوا سوى سجناء داخل جدران المدرسة ، والغريب في الأمر أن هؤلاء الطلبة يكرهون المدرسة دون علمهم سبب الكره، إ نهم لا يجدون اي شيء في مدرستهم يجعلهم يشعرون ببعض المتعة، فهم بإستمرار في حالة تلقي الاوامر، فإن ذلك يسبب امتعاض المدرسين والمدير على حد سواء. ويوضح إدريس صورة الكره للمدرسة، ثم يذهب متثاقلا الى مدرسة كل جوها مشحون بالخوف في فصل الشتاء الذي تدور فيه أحداث القصة. وتتسلط العين هنا على عدم وجود منهج تربوي للطلبة لتناول مشكلاتهم، ولم يكن هناك حل لدى المدرسة الا الضرب او الطرد. ويزيد الصور التي يرسمها الكاتب بؤسا تصويره الطلبة إنهم اشباح، وتظهر في زوايا الصورة رداءة البنية التحتية للمدرسة، ا لذي يقضي على اي حلم او تفكير غير تنفيذ الاوامر. ويظهر ذلك في التزام الطلبة الدقيق بأوامر الجرس، فهم بمجرد سماع الدقة الاولى يصمتون ويتجمدون، حتى يصبح كل طالب فيهم قطعة اثاث من اثاث المدرسة أو مقعدا او قلما او كتابا. حتى تحولت اصوات الرنين إلى انين. إنما يتعداه الى ضرورة أن تكون هناك صورة نمطية لعامل المدرسة، وساعته صاحبة الكلمة الاقوى في المدرسة، وهنا يقارب إدريس بين صورة عامل المدرسة، وهو يقف ماسكا للسان الجرس وينظر إلى ساعته منتظرا حلول الوقت، وصورة الملك اسرافيل وهو الملك الموكل بالنفخ في الصور، وقد مسك الصور ونظر إلى أعلى منتظرا صدور الأمر بإعلان يوم القيامة، وهذه الصورة التقريبية تدل على أهمية الحدث الذي سيعلنه عامل المدرسة. وبعد هذا الصوت الهادر من الجرس، يبدأ عمل المدرسين، فمنهم من يتأكد ان الطلبة لا يتكلمون ولا يتحركون اي حركة إلا بأمر، فلا تحمل كلمة واحدة معنى طيبا، ويصور الكاتب بداية اليوم المدرسي، يزيد من صعوبة البعد النفسي عند القارئ، ويتجلى ذلك عند ظهور المدير، ويشير ذلك إلى صرامة النظام التعليمي في تلك الحقبة المرتكز حول المدير. والتأكد من دفع الطلبة المصاريف المستحقة عليهم للمدرسة، فمن لم يدفع يترك فناء المدرسة مباشرة، وفي هذا المشهد يظهر ان اهتمام المدير والمدرسة منصب على دفع الرسوم اكثر بكثير من الارتقاء بالمستوى العلمي للطلبة. وتثير صورة المدير الخوف في نفوس الطلبة كل صباح، المدير ان رأى خطأ من اي طالب فإنه لا يعمل على معالجة هذا الخطأ، إنما يعمل على التشهير به أمام طلبة المدرسة جميعهم، وهذا ينعكس على نفسيات بقية الطلبة في استمرار الخوف من اي خطأ، فأن كل طالب يهنئ نفسه فرحا؛ وبعد ذلك ينتقل الطلبة عبر الممرات الكئيبة، فالمعلم لا يدخل غرفته الصفية حاملا لواء التعليم بقدر ما يحمل هم قمع الطلبة وتخويفه، بنظرات تحمل الشك المستمر للطلبة وما قد يقومون به. وهكذا يستمر اليوم الدراسي بإلقاء المعلومات النظرية في رؤوس الطلبة. ولا يقتصر النظام الصارم على المدرسة، وأخبارهم على الاستمرار في الانكباب على الدراسة، ومع هذا التركيز على إجبار الكلبة على القراءة ساعات طوالا ، ومرد ذلك الى تركيزهم على شكل التعليم لا مضمونه. وهذا حال المواد الدراسية جميعها حتى مادة الرياضة البدنية. فقد كان مدرس التربية الرياضية مرعبا ضخما عملاقا، ذلك أنه لا يرسل المخطئ من الطلبة الى المشرف إنما يقوم هو معاقبته، وذلك فإن الطلبة جميعهم متفقون على أن العاقل من يجنب نفسه العقاب. ولذلك اقبل ان يصل الغرفة الصفية يكون الجميع وقوفا، ثم يشير بإصبعه فيخرج الجميع إلى ساحة المدرسة بمنتهى الهدوء والنظام، بسبب ما يعانيه الطلبة من صعوبة تعامل المعلمين معهم. فكأن الكاتب يريد إخبارنا بأن طلبتنا لا يستطيعون الانعتاق من خوفهم واكتساب القدرة على التعبير عما يريدون ويرغبون فيه وكثيرا منهم كان خائفا من عقوبة تأتي أثر جوابهم بنفي الرغبة في اللعب. وبالرغم من وعي هذا المعلم،