فخلال هذه الفترة القصيرة استطاع السيد سعيد بن سلطان اقامة علاقات دبلوماسية مع كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. كما بعث بسفرائه الى لندن ونيويورك، كما الى مهارة الدبلوماسية العمانية وحنكتها. بنيت "سلطانة " التي تعتبر أحدى دعائم أسطول السيد سعيد بن سلطان في حوض مازاجون لبناء السفن في مدينة بومباي سنة 1249هـ/ 1833م وكانت حمولتها 312 طنا وقد بنيت أساسا على الطراز الأوروبي على شكل كورفيتة، وزودت بـ14 مدفعا كما كانت أشرعتها مربعة تحملها ثلاثة صواري وقد دخل عليها في كل من بومباي ومطرح فيما بعد بعض التعديلات ذات الطابع العماني. وهي تفرغ الهدايا المرسلة إلى الملكة فيكتوريا من السلطان، والصورة الأخرى تظهر في اللوحة التي رسمها الرسام الأمريكي موني لأحمد نعمان الكعبي. والمراحل التي سبقت رحلة "سلطانة " عام 1256هـ/ 1840م إلى نيويورك وأدت اليها معروفة تماما، فقد توافق اهتمام الأمريكيين بالتجارة مع ممتلكات السيد سعيد ولا سيما في زنجبار حن اهتمام السيد سعيد نفسه بزنجبار وقراره عام 1830م لاتخاذها مقرا له، وقد كان لكل من هذين العاملين تأثير على الأخر، ومن الأمور المسلم بها ان الولايات المتحدة الامريكية كانت من بين الدول الغربية التي تربطها بالسيد سعيد علاقات وثيقة، ومن الأهمية بمكان ان رحلة السفينة "سلطانة " الى نيويورك كانت بادرة تجارية ودبلوماسية من جانب السيد سعيد، وربما كان هذا صحيحا الى حد ما غير أن مسقط وزنجبار لم تكونا على صلة مباشرة ببريطانيا وكانت المعاملات الرسمية تتم مع السلطات البريطانية في الهند بموجب معاهدة رسمية مع وزارة الخارجية البريطانية عقدت سنة 1250هـ/1830م. وقد اقترح احد رجال الأعمال الأمريكيين في عام 1243هـ/1828م عقد معاهدة مع الولايات المتحدة فاستحسن السيد سعيد هذا الاقتراح، وقد أدى الاقتراح الى عقد معاهدة صداقة وتجارة بين السيد سعيد والولايات المتحدة، وواحدة اسبانية فقط وقد تولى أول قنصل أمريكي مهاو منصبه في زنجبار وهو ريتشارد ووترن بمقتضى تلك المعاهدة في عام 1257هـ/ 1837م قبل أربع سنوات من وصول أول قنصل بريطاني. وكان الشجار الأمريكيون يجلبون سلعا كثيرة كالأقمشة القطنية والأدوات المنزلية ومعدات السفن والساعات والأحذية والتوابل والبنادق والبارود وكانت الولايات المتحدة تعتبر بلدا محايدا يزود عمان وزنجبار بالسلاح، الأمر الذي مكن السيد سعيد من تسليح بلاده دون أن يسترعي انتباه الدول الأخرى ذات المصالح السياسية، كما كان معظم الأرباح التي يجنيها الأمريكيون تأتيهم من اعادة تصدير العاج من الولايات المتحدة إلى انجلترا وقد بلغ احتكار الأمريكيين لهذه السلعة عام 1257هـ/ 1841م حدا جعل التجار البريطانيين يجأرون بالشكوى من هذا الاحتكار، أما من حيث المصانع البريطانية فقد كانت مسقط تشكل حلقة هامة في المواصلات بين بريطانيا والهند ولذا كانت المصالح البريطانية سياسية أكثر منها تجارية، وقد كانت العلاقة بين السيد سعيد والحكومة البريطانية تقوم أصلا على أسس رسمية أكثر من علاقاته مع الولايات المتحدة. وعلى الرغم من العلاقات المتوترة مع بريطانيا في ذلك الوقت، وبعد وفاة الملك وليم الرابع 1253هـ/ 1837م قرر السيد سعيد القيام بمبادرة عندما أرسل بعثته الدبلوماسية الأولى الى الملكة فيكتوريا في لندن، وكان مبعوثه الشيخ علي بن ناصر أحد أقاربه ووالي ممباسا حاملا هدايا من بينها شيلان وسجاجيد ومجوهرات وست خيول عربية. وبعد قيام علي بن ناصر بزيادة لبرمنجهام ومانشستر غادر لندن عائدا بسفينة بخارية عن طريق مصر فبومباي فزنجبار يرافقه الكابتن كوجان الذي عين مندوبا مفوضا فوق العادة لابرام المعاهدة الجديدة. وقد أرسلت الملكة بالمقابل هدايا الى السيد سعيد. ونتيجة لهذه الزيارة فقد أرسل علي بن ناصر في بعثة دبلوماسية أكثر أهمية الى لندن في عام 1258هـ/ 1842م على ظهر السفينة سلطانة غير أن عام 1254هـ/ 1838م الذي تمت فيه الزيارة السابقة يعتبر بداية عهد جديد في العلاقات بين بريطانيا وعمان وملحقاتها فقد بدأت تصل الى وزارة الخارجية البريطانية معلومات كثيرة من كوجان وغيره عن الأهمية الاستراتيجية لممتلكات السيد سعيد في افريقيا وتزايد في لندن الاحساس بمحاولات كل من فرنسا وروسيا وأمريكا لكسب ود السيد سعيد. ولعل انعدام الاستجابة من جانب لندن عام 1245هـ/ 1838م هو الذي حدا بالسيد سعيد إلى توطيد علاقته بأمريكا بأقصى سرعة، ومما لا شك فيه أن السيد سعيد كان ينوي ايفاد بعثة تجارية عام 1256هـ/ 1840م إلى أمريكا ليست لها صلة بالسياسة وقد اختار أحمد بن نعمان الكعبي أمينه الخاص سفيرا ممثلا تجاريا له. وقد لقي أحمد بن نعمان ومساعداه محمد عبدالله ومحمد جمعة ترحيبا وتكريما من أعيان نيويورك، ولم يكن أحمد بن نعمان قد حمل معه أوراق اعتماد رسمية تشهد بأنه سفير، حيث كانت مهمته الدبلوماسية مقصورة على تسليم رسالة إلى الرئيس الأمريكي تعبر عن تمنيات السيد سعيد الطيبة وتقديم الهدايا، وأرسل هدايا الى السيد سعيد تضم زورقا فخما مع أربعة مسدسات متعددة الطلقات وبندقيتين متعددتي الطلقات ومرأتين كبيرتين وشمعدانا دقيق الصنعة، وفي يوليو (تموز) بدأ أحمد بن نعمان يتهيأ لرحلة العودة حيث تم شرحن السلع، ولابد أن نعتبر رحلة "سلطانة " بادرة دبلوماسية ناجحة فمن خلال هذه البعثة تعرف الشعب الأمريكي على السيد سعيد أحدى الشخصيات العربية الهامة وقد استمرت هذه الصلة سنين طويلة، وكانت رحلة "سلطانة " التالية الهامة الى لندن عام 1258هـ/ 1842م حاملة السفير علي بن ناصر ومعه رسائل من السيد سعيد الى اللورد أبردين والملكة فيكتوريا كما زود بتعليمات بالسعي الى مطالبة الحكومة البريطانية بتعديل سياستها بشأن تقييد تجارة عمان. وقد حمل السفير علي بن ناصر معه هد!يا أخرى إلى الملكة فيكتوريا من بينها عقود من اللؤلؤ والزمرد وشيلان وعطر ورد وأربعة خيول وكان برفقة السفير مترجم هو محمد بن خميس الذي لم يكن غريبا على لندن فقد سبق له أن عاش فيها عام 1254هـ / 1838م وكان قد أبلغ بالمر ستون بزيارة علي بن ناصر المزمعة ذلك العام، حيث كان محمد بن خميس في لندن لدراسة الملاحة واللغات الحديثة وفي عام 1270هـ/ 1850م أصبح ربانا في الأسطول العماني. وكتب الى السيد سعيد بذلك. لأن فورين سلم رسالة السيد سعيد إلى لورد أبردين في نفس اليوم وذهب بصحبة علي بن ناصر إلى فندق "بورتلاند" في انتظار ما ستفعله وزارة الخارجية. مثلما استثارت نفس الشعور لدى زيارتها للولايات المتحدة الأمريكية في عام 1256هـ/ 1840م. وقد قضى علي بن ناصر أسبوعا في فندق "بورتلاند" إلى أن رتب اللورد أبردين لمقابلته مع الملكة يوم 29 يونيو ( حزيران) وخلال المقابلة قدم علي بن ناصر الهدايا ائتي قبلت مثلما حدث في عام 1251هـ/ 1838م وأعربت الملكة في يومياتها عن سرورها لرؤية علي بن ناصر مرة ثانية. ومرة أخرى كما حدث في عام 1838م لم يرض السيد سعيد عن النتائج الدبلوماسية للبعثة، ونتيجة لذلك تم تبادل الرسائل بين الجانبين إلا أن كلا منهما تمسك بموقفه فيما عدا موافقة اللورد أبردين على المقترحات المتعلقة ببعض الممتلكات العمانية في شرق افريقيا. ولم يبحر علي بن ناصر على متن السفينة "سلطانة " ولكنه كرر الرحلة التي قام بها عام 1254هـ / 1838م وسرت في لندن أنذاك أنبا، تشير إلى أن وزارة الحربية تنمه احتجاز السفينة "سلطانة " وأن بحارتها سيعودون إلى زنجبار في سفينة بخارية سترسل هدية إلى السيد سعيد. وهي في إحدى رحلات العودة من الهند بعد عام 1271هـ/ 1855م.