د تطور مشكلة الحدود المصرية السودانية: الواقع أن الحجج التي استندت إليها الحكومة البريطانية لإحداث مثل هذه التعديلات في الحدود هي حجج واهية، وليس لها سند من الواقع أو أصل من منطق. وقد كانت الدوافع الحقيقية وراء كل ذلك هي غنى منطقة جبل علبة بالكنوز الاقتصادية، وقد أثيرت مشكلة الحدود بين السودان ومصر عام 1958م عندما قسمت منطقة جبل علبة وشمال حلفا إلى دوائر انتخابية سودانية لانتخاب ممثلين لها في المجالس السودانية، وقد جمد الموضوع في سبيل عقد اتفاقية السد العالي مع السودان الذي كانت تحرض عليه أمريكا. وتقدم السودان في الوقت نفسه بشكوى إلى مجلس الأمن، ثم طلبت مصر تأجيل بحث القضية في مجلس الأمن، ولم يتخذ مجلس الأمن قراره في بحث الشكوى السودانية. وخلال تطبيق اتفاقية الحكم الثنائي 1899م بين مصر وإنجلترا على السودان لم تعتبر الحكومة السودان أن من حقها معاملة المنطقة الواقعة شمال خط عرض 22 درجة شمالاً كباقي أجزاء السودان؛ فلم تدخل قوات دفاع السودان هذه المنطقة. ولم تصدر تراخيص التعدين فيها من جانب حكومة الخرطوم. ولم تجادل السلطات السودانية في حق علماء النبات والمسافرين الآخرين من مصر إلى جبل علبة. وتعمل شركة تعدين منجنيز مصرية في المنطقة، وفي فبراير 1992م ثارت المشكلة من جديد لأن حكومة السودان منحت حق التنقيب عن البترول والغاز الطبيعي في منطقة علبة الشركة كندية. كما منحت مصر أيضا من جانبها حقا لشركة أمريكية للغرض نفسه خاصة في مياه البحر الأحمر المواجهة للمنطقة، وهناك دلائل قوية على وجود الغاز الطبيعي والبترول فيها. ويقول السودان أن خط عرض 22 درجة شمالاً لم يأخذ في اعتباره الظروف الطبيعية والبشرية، وينسى السودان أنه حد هندسي، ويقول السودان أن المنطقتين علبة وحلفا لم تشتركان في انتخابات مصرية سابقة على العكس أن الحكومة السودانية كانت تقسم هاتين المنطقتين إلى دوائر انتخابية، ولم تعترض مصر على ذلك سابقا. ومفروض أن يكون الحد البحري امتدادا للبري، ومصر تقول إن حدها البحري هو امتداد لخط عرض 22 شمالاً. ويعتقد السودان في المبدأ نفسه أن يكون الحد البحري امتدادًا للبري)، ولكنه يرى أن حده البحري بين مصر والسودان هو إلى الشمال من جبل عليه، وليس إلى الجنوب من جبل علبة كما تقول مصر. وعلى كل فأي مشكلة بخصوص الثروات المعدنية المتنازع عليها في منطقة الحدود لها حلول ودية كثيرة. وفي النهاية يتلخص رأي مصر في: أن الحدود الدولية شيء والحدود الإدارية شيء آخر. مجرد الإدارة لا تكون سببًا كافيًا لاكتساب السيادة. ولذلك قامت بها وزارة الداخلية. لم تقم اتفاقية دولية بشأن هذا التعديل. سلم الطرفان المصري والسوداني على أن تقوم المساحة المصرية والجهات المعنية برسم في القانون الدولي لا يتم التنازل عن إقليم إلا بموافقة الأطراف المعنية، فقرة التقادم كثير من رجال القانون لا يأخذون بها . الوجود المصري كان ممثلاً في شركة عليه للتعدين وهي شركة مصرية، هي التي تعطي تراخيص التعدين على العموم كان هناك ارتباط كبير بين اتفاق واختلاف للنظم على الجانبيين وبين ظهور المشكلة وخفوتها. 2 - دراسة حالة للحدود السياسية المصرية الفلسطينية: لم تكن فكرة الحدود السياسية واضحة بين الوحدات السياسية (الولايات الدول) التابعة للسيادة العثمانية وليست مصر وفلسطين باستثناء على ذلك فقد كان ينظر لهما على أنهما جزء لا يتجزأ من الدولة العثمانية، إلا أن ضعف الدولة العثمانية وتعرض أجزاء كثيرة من الأراضي التابعة لها للاحتلال الأجنبي (مصر 1882م) كلها عوامل أنت لنشأة الحدود السياسية بالمعنى الحديث. التطور التاريخي للحدود المصرية - الفلسطينية: وهذه الفترات هي: أ - الفترة الأولى: ما قبل 1982م وهي الفترة السابقة على عام 1892م، ففي مطلع هذا العام توفى الخديو توفيق، وكان مطلوب لاعتلاء ابنه عباس حلمي الثاني عرش مصر، أن يصدر الباب العالي فرمانا بهذا. بيد أنه على ضوء سياسات السلطان عبد الحميد الثاني الرامية إلى التضييق على الوجود البريطاني في مصر والساعية إلى إجلاء المحتلين الأوروبيين عن ولاية مصر المحروسة التي رآها العثمانيون درة أملاكهم جميعًا؛ على ضوء تلك السياسات أصدر الباب العالي فرمانا يحرم مصر بمقتضاه من أي وجود على خليج العقبة؛ مما أثار قضية مشهورة في التاريخ المصري الحديث معروفة باسم قضية الفرمان" والتي انتهت بتراجع الباب العالي وموافقته على تعيين Delimitation حدود مصر الشرقية من نقطة تقع شرق العريش (رفح) إلى نقطة تقع على رأس خليج العقبة. صحيح أن مصر قد فقدت بمقتضى هذا الفرمان بعض النقاط الواقعة شرق خليج العقبة الوجه المويلح- ضبا - العقبة) إلا أنها حصلت لأول مرة على اعتراف من الباب العالي بتحديد للخط الفاصل بين الولاية المحروسة وبقية الأسلاك العثمانية. ب - الفترة الثانية بين عامي 1892م - 1906م وهي الفترة الزمنية الممتدة من عام 1892م (عام) تعيين الحدود) وعلم 1906ء (علم تعليم تحديد - Demarcation - الحدود). ففي عام 1906م احتدمت الأزمة التي اشتهرت في التاريخ المصري الحديث بحادثة طابا" والتي استغرقت شهور الخمسة الأولى (يناير مايو) وفي ذلك العام أيضا تم تعليم (تحديد خط الحدود، وهو الأمر الذي استغرق الشهور الخمسة التالية (يونيو - أكتوبر) والذي ترتب عليه تسليم الدولة العثمانية بتبعية شبه جزيرة سيناء التي يحدها في الشرق خط رفح طابا لمصر خريطة )). ج - الفترة الثالثة ما بين عامي 1906م - 1922م تمتد بين عام تحديد حدود مصر الشرقية عام 1906ء وبين عام 1922م وهو عام الماء دولة ذات سيادة في مصر عقب صدور تصريح 28 فبراير 1922م، مما أعطى لخط الحجرة طابعة الدولي International Boundary بعد أن كان يوصف بالحد الفاصل Separating Line ثم أنه عام قيام الانتداب البريطاني على فلسطين، وتغيرت بذلك السلطة القائمة على الجانب الآخر من خط الحدود. وقد كانت هذه الفترة أكثر اضطرابا في وضعية مصر مما أثر بشكل ملحوظ على خودها، فتلك الفترة عرفت الحرب الإيطالية التركية في طرابلس (1911م 1912م) وما صحب هذه الحرب من محاولات تركية محمومة لتهريب السلاح والرجال عبر مصر مخترقين في ذلك حدودها الشرقية. وتلك الفترة شهدت الحرب العالمية الأولى وإعلان بريطانية الحماية على مصر سنة 1914م، البريطاني على فلسطين سنة 1922م. د - الفترة الزمنية الرابعة ما بين عامي 1922م - 1948م وهي فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، والتي تزيد على ربع قرن (1922م - 1948م) وتتمثل أهمية تلك السنوات على أنها كانت الفترة التي اتفق الطرفان في مشارطة التحكيم على الأخذ بخط الحدود الذي كان قائما في غضونها، بغض النظر عما كان عليه هذا الخط قبلها أو بعدها، وعلى نطاق واسع. هـ - الفترة الزمنية الخامسة ما بين عامي 1948م -1967م ولعل أهم ما يميز هذه الفترة هو وجود الكيان الصهيوني - إسرائيل - على الجانب الآخر من الحدود، عن عقدين من الزمان، فقد بقيت حدود مصر الشرقية على ثباتها. وقد حدث هذا ليس فقط من خلال اعتراف إسرائيلي في اتفاقيات الهدنة الموقعة عام 1949م وانسحاب عام 1956م، بل أيضا بوجود طرف ثالث وهو الأمم المتحدة ممثلة في قوات الطوارئ الدولية التب رابطت على خط الحدود لنحو أحد عشر عاما (1956م 1967م) والتي احتفظت في أوراقها بما يؤكد صحة الموقف المصري. حتى أواخر القرن 19م، لم تكن فكرة الحدود السياسية واضحة بين دول الصحراء الكبرى وليست مصر وليبيا باستثناء على ذلك فالصحراء بطبيعتها القاحلة وسكانها المتناثرين ورعاتها الرحل، كانت عوامل مضادة لنشأة الحدود السياسية بالمعنى الحديث. التطور التاريخي للحدود المصرية الليبية: وتتفق الحدود السياسية المصرية الغربية مع خط طول 25 درجة شرقا باستثناء بعض التعديلات التي أدخلت بمقتضاها واحة جغبوب في ليبيا لأهميتها الدينية للسنوسيين، ويمكننا القول إن سنة 1919م، وأن ما قبل سنة 1919م، كانت الحدود قاصرة جداً دون فواصل واقتصر الأمر على تحديد بعض النقاط على ساحل البحر المتوسط بين مصر ليبيا ولعل هذا أمراً طبيعياً فكل شمال أفريقيا كان يتبع سياسية الدولة العثمانية، وأن كان هناك أمر لا ريب فيه هو أن حدود الدولة المصرية منذ عهد محمد علي كانت تملك حتى حدود برقة؛ يستدل على ذلك من نقاط الأمن والدافع وخدمات البريد وحماية الضرائب ولعل اتفاقية لندن 1841م وهي الاتفاقية الخاصة بالتسوية السياسية بين محمد على والسلطان العثماني قد رسخت الأمر ذاته، وفي عام 1914م، بعد أن أصبح الاحتلالي الإيطالي في ليبيا خطراً يهدد الاحتلال البريطاني في مصر، فقد عمد الإنجليز على تحديد الحدود المصرية للتصل إلى حوض الكفرة (أي أن حدود مصر تسير مع خط طول 24 شرقا) في الوسط تملك على العويناتك جنوباً، وواحة الجغبوب وطبرق شمالاً، على أن هذه الحدود بدات بريطانيا تراجع عنها خاصة بعد عام 1919م. تسويات ومساومات الحرب العالمية الأولى. نجحت إيطاليا - مستغلى خوف بريطانيا في ضم الجغبوب إلى ليبيا: ليستقر بعدها الحد السياسي بين مصر ليبيا عند خط طول 25 شرقاً في معظمه، وذلك بإيجاز قصة تطور الحد السياسي بين مصر ليبيا؛ نتيجة للصراع الاستعماري البريطاني الإيطالي، وبتوازنات هذا الصراع ونتائجه. فقد سعى كل طرف من طرفي الصراع (بريطانيا - إيطاليا) إلى توسيع الرقعة الأرضية التي تحت نفوذه الى اقصى حد ممكن. معنى هذا كله أن الحدود السياسية بين مصر ليبيا هي من صنع الاستعمار الأوروبي وهي ارثه؛ وقد ترتب على أن الحد السياسي القائم بين مصر ليبيا هو من صنع الاستعمار أن أصبح هذا الحد في معظمه حداً خطياً هندسياً يبلغ طوله 1094كم. بعد نزاعات ومساومات مطولة بين مصر وبريطانيا من ناحية، وتركيا وإيطاليا من ناحية أخرى. فقد حاولت كل من تركيا وإيطاليا على الترتيب دفع خط الحدود السياسية شرقاً ليبدأ من رأس علم الروم أي عند مرسى مطروح متجهاً جنوباً إلى واحة سيوة. بينما كانت مصر وبريطانيا تطالبان بأن يبدأ الخط عند رأس الملح، وهو بذلك ينقل منطقة البردية إلى مصر، بينما كانت تركيا ثم إيطاليا تحاولاً العكس. فمصر ترى أن حدودها الغربية هي خط طول 24 شرقا (وهو خط طول الكهربا) وليست متكافتين طولاً، تاركا واحه هو المدخل الغربي لمصر،