من معرض الرسام الشهير عُمر وسارع يبحث عن أبيه، رغم صغر سنه وكثرة دروسه، قلّما تخلف عن حضور معارض الرسم، اليوم فاقت كل مرة سابقة. كشفها له الفنان عمر، في سياق كلامه على المعروضات. فعلى امتداد أحد الجدران في قاعة العرض الرئيسية اصطفت لوحات خمس للمنظر ذاته، لكنها رسمت في أوقات متفاوتة من النهار نفسه، فبان اختلاف الضوء وانعكاسه على الأشكال وامتداد تلك الأشكال أو تقلصها، وكانت المقارنة بين اللوحات الخمس، عمر، أمرًا في غاية الإثارة. مجموعة كبيرة تحت تأثير هذا الاختبار الممتع، أسرع نادر يبحث عن أبيه، وان يكن طبيبا، تعتبر مرجعا لهذا الفن. وفي أيام الأحاد والعطل، أو القمم الجبلية المشرفة على السفح والبحر، وأجاب عن الأسئلة التي وجهها اليه نادر وأخته ياسمين. ثقافة نادر الفنية أعلى مستوى من ثقافة أترابه في المدرسة أبناء العشر سنين. وأخيرا، عندما وجد نادر أباه في المكتبة، ولكل لوحة ألوانها وظلالها . فكأنّ الفنان عمر بريشته البارعة، وألوانه المتآلفة الشفافة، يخطف بسرعة غريبة، قيمة هذه الظاهرة الفنية المدهشة! ليست غريبة علي، بل طالما كانت مثار تأملي لمشاهدة المعرض، لأنّ لك عندي غدًا برنامجا آخر. وما هو هذا البرنامج يا أبي؟ سأل نادر بلهفة . أولا بالسيارة، ثم سيرًا على الأقدام لنشهد طلوع الشمس مع الفجر! ونراقب من فوق تأثير معجزة الشمس على الطبيعة . ومشاوير . و و !! لتوقظ في رغبتي القديمة، ولتحفزني على تنفيذها في الحال. هل أنت موافق؟ سأل أبوه. موافق جدًا جدًا، أجاب نادر وهو يكاد شدة الفرح ! . وفيما كان الرجلان يستعدان للانطلاق، كانت الأم قد أحضرت كوب حليب لابنها وكوب قهوة لزوجها. شرباهما سريعا، وركبا السيارة. من أنها ما تزال أصغر من أن تحتمل توقفت السيارة عند نهاية الطريق المعبدة، وترجل نادر وأبوه – حمل الصبي ما جهزته لهما أمه من زاد، وأقفل الرجل السيارة، كانت الساعة تشير إلى الرابعة والنصف، بعد تسعين دقيقة من الانطلاق، عندما وصلا أخيرًا وسرحا عيونهما عبر الأفق الأزرق خلف الجبل. كان نور الشمس الباهت، يغزو، زرقة الغسق ويحوّله شيئًا فشيئًا، وما لبثت هذه الهالة أن انتشرت على الكون تلفه بغلائلها النارية !!. جمد الرجلان مكانهما يراقبان بصمت ويتمليان من المناظر الخلابة التي تبدّل ألوانها وظلالها بسرعة سبحان الله سبحان الله! هتف نادر - الآن الآن فهمت ما عناه بالضبط الفنان عمر، في محاضرته النظرية !! وكم هو أجمل عندما ترى بأم عينيك، وترتعش كل حواسك، الكون من جهاته الأربع، حتى اكتمل ظهور قرص وأظنّنا بتنا نستحق أن نلتهم ما حملتنا إياه أمي من أطايب! وبدأ يخرج من الصرة لفافات الجبن وأقراص الحلوى.