قال - تعالى -: { واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا } أي واحذروا يوما عظيما أمامكم سيقع فيه من الحساب والجزاء ما لا منجاة من هوله إلا بتقوى الله في جميع الأحوال، فهو يوم لا تقضي فيه نفس - مهما يكن قدرها عظيما - عن نفس مهما يكن ذنبها صغيرا شيئا ما، للإشعار بأن التصرف في ذلك اليوم والأمر كله لله، وعبر عن هذا المعنى في أول سورة بقوله: { { مالك يوم الدين } [الفاتحة: 4] ثم وصفه هنا بوصف آخر يناسب الأول فقال: { ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل } وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { ولا تقبل } بالتاء، والمعنى: لا يقبل منها أن تأتي بشفيع يشفع لها، قال البيضاوي: وكأنه أريد بالآية نفي أن يدفع أحد عن أحد العذاب من كل وجه محتمل، واستدل بقوله - تعالى - حكاية عن المجرمين في الآخرة: { { فما لنا من شافعين } [الشعراء: 100] الآية وفسر العدل بالفداء قال: { ولا هم ينصرون } أي يمنعون من عذاب الله. قال الأستاذ الإمام: ولا دليل في هذا على أن المراد ما ذكره في مسألة الشفاعة، وإنما السياق في الآية وأمثالها يدل على أن المراد بيان أن ذلك اليوم يوم تنقطع فيه الأسباب، وتتحول فيه سنة هذه الحياة من انطلاق الإنسان في اختياره يدفع عن نفسه بالعدل والفداء، ويستعين على المدافعة بالشفاعة عند السلاطين والأمراء، ولقد اكتسح الإسلام هذه العقائد وآثارها العملية بالتوحيد الخالص، وأتى بنيانها من القواعد، ولكن المسلمين لم يسلموا منها فقد دخل في الإسلام أقوام يحملون أوزارا مما كانوا عليه من الوثنية، فكانوا على بقية مما كان عندهم وعلى جهل بالإسلام، وجاء قوم آخرون تعمدوا الإفساد فجعلوا بالتأويل الباطل حقا، وذكر الأستاذ الإمام هنا بعض العادات المصرية التي لا تزال يعمل بها باسم الدين، والمحرقة والاكتفاء ممن لم يجد القربان بحمامتين يكفر بهما عن ذنبه، وقال: وكانوا يفهمون أن هذه الأشياء تكفر الذنوب بذاتها، والحق أنها عقوبات لا مكفرات فإن من فهم التوراة حق فهمها يعلم أن المكفر الحقيقي هو التوبة والإقلاع عن الذنب، وقد أخبرهم الله - تعالى - في هذه الآية بأن يوم القيامة لا يقبل فيه عدل يفتدي الإنسان به. قال: وكانوا يعتقدون أنهم بانتسابهم للأنبياء لا يدخلون النار أو لا تمسهم إلا أياما معدودة؛ ولا يرضون أن يتركوا أبناءهم في العذاب، ثم زادوا على ذلك شفاعة الأحبار لمن ينتسب إليهم. وكذلك كان اليهود حتى جاء الإسلام بهذه الآية وأمثالها فمحا هذه العقيدة ليعلم المؤمنون به أنه لا ينفع الإنسان يوم القيامة إلا مرضاة الله - تعالى - بالإيمان الخالص والعمل الصالح. في القرآن آيات ناطقة بنفي الشفاعة مطلقا، كقوله - عز وجل -: { { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } [المدثر: 48] وآيات تفيد النفي بمثل قوله: { { إلا بإذنه } [البقرة: 255] وقوله { { إلا لمن ارتضى } [الأنبياء: 28] فمن الناس من يحكم الثاني بالأول، ومنهم من يرى أنه لا منافاة بينهما فنحتاج إلى حمل أحدهما على الآخر؛ لأن مثل هذا الاستثناء (أي الاستثناء بالإذن والمشيئة) معهود في أسلوب القرآن في مقام النفي القطعي للإشعار بأن ذلك بإذنه ومشيئته - عز وجل -، الشفاعة المعروفة عند الناس: هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك كان أراد غيره - حكم به أم لا - فلا تتحقق الشفاعة إلا بترك الإرادة، فأما الحاكم العادل فإنه لا يقبل الشفاعة إلا إذا تغير علمه بما كان إرادة أو حكم به؛ كأن كان أخطأ ثم عرف الصواب، ورأى أن المصلحة أو العدل في خلاف ما كان يريده أو حكم به. وأما الحاكم المستبد الظالم فإنه يقبل شفاعة المقربين عنده في الشيء، وهو عالم بأنه ظلم وأن العدل في خلافه، وكل من النوعين محال على الله - تعالى -؛ لأن إرادته - تعالى - على حسب علمه، قال شيخنا: فما ورد في إثبات الشفاعة يكون على هذا من المتشابهات وفيه يقضي مذهب السلف بالتفويض والتسليم، وأنها مزية يختص الله بها من يشاء يوم القيامة، وأما مذهب الخلف في التأويل فلنا أن نحمل الشفاعة فيه على أنها دعاء يستجيبه الله - تعالى. والأحاديث الواردة في الشفاعة تدل على هذا، ففي رواية الصحيحين وغيرهما "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يسجد يوم القيامة ويثني على الله - تعالى - بثناء يلهمه يومئذ فيقال له: ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع" وليس في الشفاعة بهذا المعنى أن الله سبحانه يرجع عن إرادة كان أرادها لأجل الشافع وإنما هي إظهار كرامة للشافع بتنفيذ الإرادة الأزلية عقيب دعائه، وليس فيها أيضا ما يقوي غرور المغرورين اللذين يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه اعتمادا على شفاعة الشافعين،