بينما كان لا يعتكف إلا عشرة أيام فحسب، وقال في حجة الوداع: «إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً»، فلعلي لا أحج بعد عامي هذا»، ​وفي أوائل صفر سنة 11 هـ خرج النبي ﷺ إلى أحد، وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي، ​وخرج ليلة - في منتصفها - إلى البقيع فاستغفر لهم، ليهن لكم ما أصبحتم فيه بما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، وبشرهم قائلاً: «إنا بكم للاحقون». ​وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر صفر سنة 11 هـ - وكان يوم الإثنين - شهد رسول الله ﷺ جنازة في البقيع، فلما رجع - وهو في الطريق - أخذه صداع في رأسه، حتى إنهم كانوا يجدون سورتها فوق العصابة التي تعصب بها رأسه. ​وقد صلى النبي ﷺ بالناس وهو مريض 11 يوماً، يمشي بين الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب، عاصباً رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتها، ​وكانت عائشة تقرأ بالمعوذات والأدعية التي حفظتها من رسول الله ﷺ، فكانت تنفث على نفسه، فاشتد به الوجع وغمي، ​وعند ذلك أحس بخفة، فدخل المسجد - وهو معصوب الرأس - حتى جلس على المنبر، وخطب الناس - والناس مجتمعون حوله - فقال: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» - وفي رواية «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»(1) - وقال: «لا تتخذوا قبري وثناً يعبد»(2). ​وعرض نفسه للقصاص قائلاً: «من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه». وعاد لمقالته الأولى في الشحناء وغيرها، ثم أوصى بالأنصار قائلاً: وتجاوزوا عن مسيئهم» وفي رواية أنه قال: «إن الناس يكثرون، حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمراً يضر فيه أحداً أو ينفعه فليقبل من محسنهم، فاختار ما عنده» قال أبو سعيد الخدري: فبكى أبو بكر. يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا، فكان رسول الله ﷺ هو المخير، ​ثم قال رسول الله ﷺ: «إن أمن الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً، ​ويوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام - وقد اشتد به الوجع -: «هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده» - وفي البيت رجال فيهم عمر - فقال عمر: قد غلب عليه الوجع، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ، فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال رسول الله ﷺ: «قوموا عني»(4). ​وأوصى ذلك اليوم بثلاث: أوصى بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب، وأوصى بإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزهم، ولعله الوصية بالاعتصام بالكتاب والسنة، ​والنبي ﷺ مع ما كان به من شدة المرض كان يصلي بالناس جميع صلواته حتى ذلك اليوم - يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام - وقد صلى بالناس ذلك اليوم صلاة المغرب، فقرأ فيها بالمرسلات عرفاً(1). بحيث لم يستطع الخروج إلى المسجد. قالت عائشة: فقال النبي ﷺ: «أصلى الناس؟» قلنا: لا يا رسول الله، فذهب لينوء فأغمي عليه، فقال: «أصلى الناس؟» - ووقع ثانياً وثالثاً ما وقع في المرة الأولى من الاغتسال ثم الإغماء حينما أراد أن ينوء - فأرسل إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، فصلى أبو بكر تلك الأيام(2)؛ ​وراجعت عائشة النبي ﷺ ثلاث أو أربع مرات؛ وقال: «إنكن صواحب يوسف. مروا أبا بكر فليصل بالناس». ​ويوم السبت أو الأحد وجد النبي ﷺ في نفسه خفة، فخرج بين رجلين لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأجلساه إلى يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يقتدي بصلاة رسول الله ﷺ، ​وقبل يوم من الوفاة - يوم الأحد - أعتق النبي ﷺ غلمانه، وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده، وكانت درعه ﷺ مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من الشعير. ​روى أنس بن مالك: أن المسلمين بينا هم في صلاة الفجر يوم الإثنين - وأبو بكر يصلي بهم - لم يفجأهم إلا رسول الله ﷺ كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم، وهم في صفوف الصلاة، فنكص أبو بكر على عقبيه؛ وظن أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، فقال أنس: وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم، فأشار إليهم بيده رسول الله ﷺ أن أتموا صلاتكم، ​ثم لم يأت على رسول الله ﷺ وقت صلاة أخرى. دعا النبي ﷺ فاطمة فسارها بشيء، فسألنا عن ذلك - أي فيما بعد - فقالت: سارني النبي ﷺ أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت(2). وبشر النبي ﷺ فاطمة بأنها سيدة نساء العالمين(3). ورأت فاطمة ما برسول الله ﷺ من الكرب الشديد الذي يتغشاه، فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم»(4). فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم»(1). وكانت تقول: إن من نعم الله عليّ أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته. دخل عبد الرحمن - بن أبي بكر - وبيده السواك، فأمره - وفي رواية أنه استن بها كأحسن ما كان مستناً - وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه، فأصغت إليه عائشة وهو يقول: «مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وألحقني بالرفيق الأعلى، ومالت يده ولحق بالرفيق الأعلى. قال أنس: ما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله ﷺ، وما رأيت يوماً كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله ﷺ(1). ولما مات قالت فاطمة: يا أبتاه أجاب رباً دعاه. ​ووقف عمر بن الخطاب - وقد أخرجه الخبر عن وعيه - يقول: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفي، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات(3). ​وأقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل، حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله ﷺ، ​ثم خرج أبو بكر وعمر يكلم الناس، فقال أبو بكر: أما بعد، من كان منكم يعبد محمداً ﷺ فإن محمداً قد مات، قال الله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقْبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (3 : 144) قال ابن عباس: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، ​قال ابن المسيب: قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، ​التجهيز وتوديع الجسد الشريف إلى الأرض: ​ووقع الخلاف في أمر الخلافة قبل أن يقوموا بتجهيزه ﷺ، فجرت مناقشات ومجادلات وحوار وردود بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، وأخيراً اتفقوا على خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وشغل الناس عن جهاز رسول الله ﷺ، حتى كان آخر الليل - ليلة الثلاثاء - مع الصبح، ​ويوم الثلاثاء غسلوا رسول الله ﷺ من غير أن يجردوه من ثيابه، والفضل وقثم ابني العباس، وشقران مولى رسول الله ﷺ، فكان العباس والفضل وقثم يقلبونه، ​ثم كفنوه في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف، فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض، فرفع أبو طلحة فراشه الذي تُوفي عليه، يصلون على رسول الله ﷺ ولا يؤمهم أحد، قالت عائشة: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل من ليلة الأربعاء(1).