يبتدئ الإمام كتابه بالتأكيد على ضرورة موالاة المؤمن للمؤمنين، وخصوصًا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة -المقبولين عند الأمة قبولا عامًا-يتعمّد مخالفة رسول اللّٰه ل في شيء من سنته أبدًا. قد جاء الحديث الصحيح بخلافه، فلا بد له من عذر في تركه، وهذه الأعذار لا تخرج عن أصناف ثلاثة:عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة، فلا يكون مُكلَّفًا للعلم بموجبه، فلو قال في هذه القضية بموجب آية، فقد يوافق الحديث الذي لم يصله مرةً وقد يخالفه. وذلك هو سبب الأكثر شيوعًا على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفًا لبعض الأحاديث، وسبب ذلك أن أحدًا لم يكن محيطًا بكامل أحاديث النبي ل وسنته، بما في ذلك الخلفاء الراشدين أنفسهم، إذ كانوا يفتون أحيانًا بما يخالف الحديث، كما أن دواوين السنة المشهورة كانت قد جمعت بعد انقراض الأئمة المتبوعين رحمهم الله، فلا يجوز أن يُدّعى الحصار حديث رسول اللّٰه ي في دواوين معينة. فليس كل ما في الكتب يعلمه العالم، بل إن السابقين كانوا أعلم بالسنة من المتأخرين؛ ربما عتل إسناده في دواوين السنة أو غاب عنا. كما لا يشترط للمجتهد الإحاطة الكاملة، وإنما يكفيه علم جمهور الأحاديث بحيث لا يخفى عليه إلا القليل، وقد يخالف هذا القليل حين يبلغه للسبب الثاني. لعلّة في السند أو الرواة أو ضبط اللفظ. وهذا أيضًا كثير جدًا في طبقة التابعين وتابعيهم، ولكنها كانت تبلغ الكثير من العلماء من طرق ضعيفة، وتبلغ غيرهم من طرق أخرى صحيحة، ولهذا وجد في كلام غير واحد من الأئمة قوله: "قولي في هذه المسألة كذا، وقد روي فيها حديث بكذا، فإن كان صحيحًا فهو قولي". باجتهاد خالفه فيه غيره، سواءً كان الصواب معه أو مع غيره، أو معهما عند من يقول: "كل مجتهد مصيب". ولذلك أسباب منها:- أن يكون المحدِّث بالحديث ضعيف/مجروح عند أحدهما وثقة عند الآخر، وللعلماء بالرجال وأحوالهم في ذلك من الاختلاف والإجماع كسائر العلماء في مختلف العلوم.- أن يعتقد العالِمِ عدم سماع المحدِث -للحديث - ممن يروي عنه،ذلك لسبب ما.- أن يكون للمُحدِّث حالان: حال استقامة، صحيحة فيه روايته، وحال اضطراب يُضعِفها. فيجهل العالم موقع الحديث من هذين النوعين،- أن يكون المحدِّث نسي الحديث، فيرى أحدهما أنها عِلة ويرىأن الحجازيين أتمّوا ضبط السنة، وكذلك ترك بعض العراقيين الاحتجاج بأحاديث الشاميين. ولكن أكثر الناس على ترك التضعيف بهذا؛ السبب الرابعاشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطًا يخالفه فيها غيره،السبب الخامسأن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده لكنه نسيه،عدم معرفته بدلالة الحديث؛ كأن يكون اللفظ الذي فيه غريبًا على الفقيه فيُختَلُف في تفسيره. أو أن كون معناه في لغته غير معناه في لغة النبي 8 فيحمله على ما يفهمه هو. أو لكون اللفظ مشتركًا أو مجملًا أو مترددًا بين حقيقة ومجاز فيحمله على الأقرب عنده، كحمل البعض قوله تعالى "فامسحوا بوجوهكم وأيديكم" على اليد إلى الإبط. أن الأول لم يعرف دلالة الحديث، بينما الثاني عرفها ولكنه يمتلك من الأصول الفقهية ما يرد العمل بتلك الدلالة في هذا السياق،السبب الثامنعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل أنها ليست هي المرادة في هذا الشأن،السبب التاسع أو تأويله إن كان قابلاً للتأويل، بما صلح أن يكون معارضًا بالاتفاق، مثل آية أو حديث آخر أو إجماع. وقد يعتقد أن المعارض أحد هؤلاء الثلاثة دون تعيين واحد منها، وقد يعين أحدها بأن يعتقد أنه منسوخ أو أنه مؤول. وقد يغلط في النسخ نيعتقد المتأخر متقدمًا، أو يغلط في التأويل فيحمله على ما لا يحتمله لفظه. أما الإجماع المقصود هنا فهو عدم العلم بالمخالف، كأن يقول العالم: "إن كان في هذه المسألة إجماع فهو أحق ما يتبع،السبب العاشر مما لا يعتقده غيره أو جنسه معارضًا، أو أن يكون ما يظنه معارضًا هو في الحقيقة ليس معارضًا راجحا، كمعارضة كثير من الكوفيين لحديث الصحيح بظاهر القرآن، أو معارضة طائفة من المدنيين الحديث الصحيح بعمل أهل المدينة.فتلك هي الأسباب العشرة الظاهرة، أو لم نبلغنا، ومع هذا، فلا يصح ترك قول ظهرت حجته بحديث صحيح إلى قول عالِم آخر، يحتمل أن يكون معه ما يدفع به هذه الحجة، وإذا كان ترك العالِم للحديث لبعض هذه الأسباب، فلا يجوز الاعتقاد أنه بذلك قد أباح محرمًا أو حرم مباحًا، فمن لم يبلغه الحديث المحرم واستند للإباحة في دليل شرعي فهو معذور، وقد ورد في الحديث الصحيح: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطا فله أجر". وفي الأثر من اختلاف الصحابة في التعامل مع الأدلة ما يشرح ذلك ويوضحه. ولم يقصّر في الطلب،أو يكون تركًا غير جائز، وهذا لا يكاد يصدر من الأئمة إن شاء الله. وهو ما يُخاف على بعضهم منه، فيقول فيها دون أن ينضبط له الحد الذي ينتهي إليه الاجتهاد المعتبر في هذه المسألة. قد تعفي المذنب من العقوبة، وهو ما لا يتحقق في حق أصحاب الهوى ممن ينصرون الباطل رغم معرفة باطله، أو يجزمون بالرأي على جهل. وقد يزل العالم -لكونه بشرًا- ولكن ذلك لا يقدح في إمامته.أقسام الأحاديثالأحاديث قطعية السند والمتن: وهي ما تيقّنا أن رسول اللّٰه 5 قالها وأراد بها تلك الصورة، وإنما قد يختلفون في قطعية بعض الأخبار، كاختلافهم في خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول أو اتفقت على العمل به، فهو يفيد العلم عند عامة الفقهاء والمتكلمين. وكذلك الخبر المروي من عدة جهات يصدق بعضها بعضًا، أو الأمر المخبر به. وربما كان العكس. وقد يختلفون أيضًا في كون الدلالة قطعيةً أو لا، وهكذا. فقد اختلفوا فيه، المتضمن للوعيد، ما لم يكن قطعيًا. وذهب عامة السلف إلى أن هذه الأحاديث حجة في كل ما تضمنته من الوعيد؛ لأن الوعيد من جملة الأحكام الفقهية التي تثبت بالأدلة الظاهرة أو القطعية، لكونه لا يستوجب التواتر، ولهذا تساهلوا في أسانيد أحاديث الترغيب والترهيب أكثر من أحاديث الأحكام؛ ولأن الوعيد يحمل النفس على ترك المنهي عنه، وبهذا رجح العلماء الدليل الحاظر على الدليل لمبيح، ويبقى لحوق الوعيد بالمرء -من عدمه- متوقفًا على تحقق الشروط أو حضور الموانع. أن حكم اللّه واحد، وأن من خالفه باجتهاد سائغ فهو مُخطئ معذور مأجور، فيبقى الفعل الذي فعله المتأول حرامًا، أنه في حقه ليس بحرام، لعدم بلوغ دليل التحريم إليه،استشكال ورده :فإن قيل: فهلا قلتم أن نقصر الوعيد على ما اتُّفِق على تحريمه فقط، وألا ننزله على المختلف فيه؛ لعلا يدخل بعض المجتهدين تحت هذا الوعيد إذا رأوا جواز الفعل محل الخلاف، خاصة وأن عقوبة محلل الحرام أكبر من عقوبة فاعله؟ قلنا: الجواب من وجوه:أحدها: أن جنس التحريم إما أن يكون ثابتًا في محل خلاف أو لا يكون. فإن لم يكن ثابتًا في محل خلاف لزم أن لا يكون حرامًا (أي أن يكون كل ما اختُلِف في تحريمه حلالا، فيكون حلالا عند من استحله وحرامًا عند غيره) وهذا باطل مخالف لإجماع الأمة، ولو في صورة، فالمُستَجِلّ لهذا الفعل المحرم من المجتهدين إما أن يلحقه ذم أو لا. بل وله أجر اجتهاده. أو مختلفًا فيه، هي أمور خارجة عن الفعل وصفاته، وإنما هي أمور إضافية بحسب ما عرض لبعض العلماء من عدم العلم. هي ما أجمعوا عليه فقط، لكان العلم بالمراد حينها موقوفًا على الإجماع، فيصير الاستدلال موقوفًا على الإجماع، والإجماع موقوفًا على الاستدلال، وفي ذلك تعطيل للحديث.الرابع: أن هذا يستلزم ألا يُحتّج بشيء من الأحاديث إلا بعد العلم بأن الأمة أجمعت على تلك لصورة منه، أو خطؤه، ومن ثم يتعطّل الاحتجاج بالحديث،الخامس: أنه إما أن يشترط، اعتقاد جميع الأمة للتحريم، أو يكتفي باعتقاد جميع علمائها. أما الأول: فهو مستحيل ولا يقول به عاقل، وأما الثاني: فإنما اشترطوا شرطهم في الإجماع، حذرًا من أن يشمل الوعيد المجتهد إن كان مخطئًا أو لم يصله الدليل، وهذا بعينه موجود في العوام ممن لم يعرفوا التحريم، لذا فإن اللّٰه كما غفر للمجتهد إن أخطأ، غفر للعامي إذا جهل تحريم، إضافةٌ لأجر العالِمِ على اجتهاده.السادس: أن من أحاديث الوعيد ما جاء فيه الوعيد على فعل معين، وأن في هذا الفعل خلاف بين لعلماء، فإذا قلنا لا نحمل الوعيد إلا على الصورة المجمع عليها- نكون قد أبطلنا كل هذه الأحاديث. هو خلاف الأصل، فإن التعميم أكثر من اللازم أيضًا خلاف الأصل، أو تقليد، مع أن الحكم شامل لغير المعذورين. الثامن: أننا إذا حملنا أحاديث الوعيد على العموم -بما يشمل صور الوفاق والخلاف - كان هذا الحديث قد تضمن ذكر سبب اللعن، إلخ.التاسع: أن الموجب لقولهم هذا هو رغبتهم في نفي اللعنة عن المجتهد المعذور بخطئه، وقد سبق أن أحاديث الوعيد إنما المقصود بها بيان أن ذلك الفعل سبب لتلك اللعنة، ولكن لا يلزم من ذلك تحقق للعن في كل الصور؛ لأنه قد يتخلف لوجود مانع من المذكورين. قلنا: سواء وُجد من يفعله أم لا، وسواء عُذِر فاعله أم لم يُعذر. المانعين من لحوق العقاب.أن بيان الحكم والوعيد سبب لثبات المجتنب على اجتنابه، ولولا ذلك لانتشر العمل بالمنهي عنه.أن العذر لا يكون عذرًا إلا مع العجز عن إزالته، أما من عرف الحق فقصّر فيه لم يكن معذوراً. فيدخل في الوعيد، مبيح له، ومخطئًا فيه أخرى.العاشر: أنه إذا كان بقاء هذه الأحاديث على مقتضياتها -أي حملها على محل الإجماع والاختلاف-مستلزمًا لدخول بعض الجتهدين تحت الوعيد، فكذلك إخراجها عن مقتضياتها -بجعلها على الجمع عليه فقط - مستلزم للشيء نفسه؛ ولعن المسلم كقتله كما هو معلوم. فلو قال المجتهد "لعن اللّه المحلل والمحلل له" -وكنا قد أخرجنا الحديث عن مقتضاه وجعلنا لعن المحلل في حالات اتفاق العلماء فقط دون حالات الخلاف- فكأن المجتهد بهذا يلعن من لا يستحق للعن، ولكن الذي نعتقده أنه لا يُلعن هذا ولا ذاك، وأن الدخول تحت الوعيد مشروط بعدم العذر في الفعل، فإن كان المجتهد معذورًا فلا وعيد له، وبالتالي نُخرج محل الخلاف من الوعيد الثاني كما أخرجناه من الوعيد الأول. وقد اخترنا هذا القول، لقيام الدليل على تحريم الفعل، وعلى تحريم لعنة فاعل الفعل المختلف فيه، لم يشمل هاتين الصورتين. وكل هذا لا يعني دفع الاستدلال بحديث الوعيد، وليس المقصود هنا تحقيق تناول الوعيد لمحل الخلاف، وإنما الغرض هو تحقيق الاستدلال بحديث الوعيد على محل الخلاف، فهو هنا يفيد حكمين: التحريم والوعيد،دلالته على التحريم.الحادي عشر: أن العلماء متفقون على وجوب العمل بأحاديث الوعيد فيما اقتضته من التحريم، وإنما خالف بعضهم في العمل بآحادها في الوعيد خاصة.الثاني عشر: أن نصوص الوعيد من الكتاب والسنة كثيرة جدًا، والقول بموجبها واجب على العموم والإطلاق، وأيضًا لإمكان التوبة وغيرها من مسقطات العقوبة. متى صدرت منهم بعض هذه الأفعال، كاجتهاد أو تقليد. واعلم أن هذه لسبيل التي يجب سلوكها، وإلا فما سواها طريقان خبيثان: أحدهما، القول بلحوق الوعيد لكل فرد من الأفراد بعينه، ادعاءُ أن ذلك بموجب النصوص، وثانيهما، ترك القول والعمل بموجب أحاديث رسول اللّٰه ظنًا أن القول بموجبها مستلزم للطعن فيمن خالفها، ومن ثم المروق من الدين. وألا نتبع بعض السنة دون بعضها،