وقد أثبت هذا التحالف متانة الصلات التي تربط بين نواته ومحيطه، وصمودها الذي استمر لمدة طويلة ، بحيث لا نجد من الناحية العملية فجوة من أي نوع بينهما، ففي الجانبين كان هناك انصهار طوعي لشتى الجماعات في الكيان الكبير . وقد لا يستطيع المراقب أن يرى بوضوح الحدود التي تفصل النواة عن بدايةمحيطها، غير أن المنخرطين في منظومة القبيلة استوعبوا ذلك بالفطرة .تكمن قوة العلاقة التي تربط بين فروع بني ياس في أن تحالفها كان قائماً على تضافر المصالح المشتركة والأعراف القبلية معاً. ويكفي أن هذا التحالف ظل قائماً منذ بداية القرن الثامن عشر أو منتصفه . ولم تكن رابطة الدم أو الانتماء إلى أب واحد هي العامل 56 لقد كان تحالفاً ذا طبيعة مرنة، استقطب الجوهري أو الوحيد في صنع . مجموعة واسعة ومختلفة من الجماعات، هذه المنظومة .كان النزوع نحو الاتحاد بدلاً من الدخول في صراع واحداً من ثوابت الفكر والممارسة لدى بني ياس، ويكتسب هذا النزوع أهمية خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن العنصر الأساسي الآخر الذي يؤثر في كافة جوانب الحياة الاجتماعية في المنطقة (كما هي الحال عند تجمعات عربية أخرى هو السلطان الراسخ للعادات والتقاليد. واتسم النموذج الاجتماعي الذي وفرته البنية الهيكلية لبني ياس في نهاية الأمر بطبيعة مرنة غير متصلبة ، أتاحت للشيخ زايد توظيف ذلك النموذج وتفجير طاقاته إلى أقصى حد ممكن . وكان العرف المتبع في إطار هذا النظام هو البحث عن صلات من المصالح المشتركة، ومن ثم تحقيق الوئام بدلاً من الصراع .هل كان " الفرد متعدد الأنشطة " القاطن في أبوظبي والذي أشرنا إليه سابقاً مختلفاً من حيث قابلية التكيف التي أصبحت خاصية لدى العرب عموماً؟ إن الصفات الخاصة لأهل الصحراء قد فهمت جيداً في المجتمع العربي منذ أن كتب ابن خلدون مقدمته الشهيرة، والتي أشار فيها مبكراً إلى ما لاحظه علماء الأنثروبولوجيا بعد ذلك من أن الشعوب التي تعيش في حدود الضرورات تمتاز بسعة الحيلة والقدرة الخاصة على تدبير شؤون حياتها . 57 غير أن الجماعات التي شكلت بني ياس . في أبوظبي قد تجاوزت " سعة الحيلة " . لقد أسسوا بنيتهم الاجتماعية والسياسية على تنوع الأنشطة والتعاون فيما بينهم . ومهنهم، وارتباطاتهم السياسية ، قد وفر الوسيلة التي تمكن من خلالها شيخهم الأعلى حاكم أبوظبي من أن يوسع نفوذه على امتداد المساحة الواسعة التابعة لهم الآن . 58 ورغم أن البنية القبلية في شبه الجزيرة العربية قد شجعت عموماً قيام التحالفات والصلات ، فقد كان لبني ياس دافعهم الخاص إلى الاتحاد، فهم قليلو العدد، ويعني ذلك أن بقاءهم متفرقين يحرمهم من امتلاك القوة، لقد استمدوا قوتهم من القوة المشتركة لتحالفهم، ومن دعم محاربي المناصير المعروفين بالجرأة والبأس،