استوطن الفينيقيون، وهم شعب سامي، الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط في منطقة كنعان، الممتدة على شريط ساحلي ضيق بين البحر الأبيض المتوسط من الغرب، وجبال لبنان من الشرق، ومنطقة أوغاريت شمالاً، وجبل الكرمل جنوب عكا. أسسوا مدنًا مستقلة (دول-مدينة)، أهمها صور، صيدا، وجبيل. اشتهرت فينيقيا، ربما نسبةً لصباغة الأرجوان الشهيرة المستخرجة من أصداف الموركس البحرية، باسمها الإغريقي "فوئينيكس" (ربما مشتق من "النخيل" أو لون البشرة). برع الفينيقيون في بناء السفن والملاحة البحرية، مما ساهم في ازدهار تجارتهم البحرية في منطقة المتوسط، بدءًا من مصر، قبرص، بلاد الرافدين، وكريت، ثم امتدت إلى الحوض الغربي من أواخر القرن الثاني عشر قبل الميلاد، بحثًا عن مواد أولية، خاصة المعادن، حتى وصلوا للمحيط الأطلسي. ساهمت رحلاتهم في توسيع المعارف الجغرافية حول حوض المتوسط، جنوب غرب آسيا، وأجزاء من شمال غرب أوروبا حتى الجزر البريطانية. وثّقت لوحة جدارية مصرية (1475 ق.م) و بردية (1200 ق.م) نشاطهم التجاري. ساهم موقع فينيقيا على البحر المتوسط، وحاجز جبال لبنان الذي وجههم للغرب، ووفرة أخشاب الأرز لبناء السفن، بالإضافة إلى حاجتهم للمعادن، في توسعهم. أسسوا أول محطة لهم في الحوض الغربي سنة 1110 ق.م في قادس (جنوب شبه جزيرة أيبيريا) وليكسوس (شمال المغرب). اهتموا أيضًا بالصيد البحري وتمليح الأسماك، والزراعة رغم ضيق المساحة. اشتهرت شبه جزيرة أيبيريا، خاصة بيتيكا (الأندلس)، بثرواتها المعدنية (ذهب، فضة، نحاس، حديد، ورصاص)، مما جذب الفينيقيين ثم القرطاجيين والرومان، مما أدى إلى صراع بين قرطاجة وروما (الحرب البونية الثانية). من أهم مناطق المناجم: مناجم ريو تينتو في منطقة أنوبة (هوِيلفا)، ومناجم شمال نهر بيتيس (الأندلس). ربما لذلك اشتهرت المنطقة باسم تارتيسوس (المنجم) في العهد الفينيقي. كانت قادس، جزيرة صغيرة تطل على الأطلسي، ملتقى طرق تجارية هامة، فأسسها الفينيقيون من صور على ثلاث مراحل (حسب سترابون)، وأصبحت أهم مستعمراتهم، احتكرت تجارة مضيق هرقل والأطلسي، واشتهرت بتجارة الأسماك المملحة ومرق الحوت (جاروم). ليكسوس، أسست سنة 1110 ق.م، هي أقدم مستوطنة فينيقية في المغرب والحوض الغربي، وتربطها علاقات وثيقة بقادس، واحتوت على معبد ملقارت. أنشأ الفينيقيون أكثر من 300 مركز في الحوض الغربي، في مرحلتين: استكشاف واستيطان. من أهم مراكزهم: جزر البليار (إيبيزا)، جزء من صقلية (موتيا، بانورموس، وسوليس)، سردينيا، كورسيكا، جنوب إسبانيا (كارتيا، مالقة)، تونس (أوتيكا، قرطاجة، حضرموت، هيبو أكرا)، ليبيا (لبدة، أويا، صبراطة)، والجزائر (روسيكاد، هيبون، إيجيلجيلي، صالداي، روسازوس، روسوكور، أيكوزيوم، تيبازاتين، قونوقو، إيول، كارتيناس)، والمغرب (طنجة، تمودة، روسادير، العرائش، ليكسوس). بدأت علاقات الفينيقيين بالليبيين منذ أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد، بمبادلات تجارية (مقايضة صامتة): ملابس أرجوانية، أواني زجاجية، صناعات معدنية، وأواني فخارية مقابل مواد غذائية، حيوانية، نباتية، أخشاب، صوف، جلود، عاج، ومعادن. بعد الاستيطان، تطورت العلاقات لتشمل جميع ميادين الحياة، وانتشرت مظاهر الحضارة الفينيقية في المنطقة، كما أوضح هيرودوت في كتابه.