جواد. أين أنت يا جواد ؟ ماذا أقولُ لأمك؟ لا شك أنها تنتظرُكَ أمام الباب، ولكن ليس غريباً أبداً أن تعود أمك بعد انتظارها الطويل فتجدك نائماً في فراشك، إنّك ساحر أيُّها الصديق، في أنك لا تزال حياً إن في الأرض أو في السماء. ستعود يوماً كما عُدت مراراً بعد غياب طويل، فكم مرة انسللت من الخيمة الصغيرة كما تنسل الأفعى، فأهتف بك إلى أين يا جواد؟ فتجيب أنت: "هس" ثم تغيب وتغيب، وتكافح عيناي النور وأنا أنتظر إيابك، ثم أغفو وأنام أفكر فيك، وأستيقظ صباحاً على قرع البوق فأجدك إلى جانبي مستغرقاً في النوم، وعلى فمك ابتسامة ساخرة، كم كنتُ أتمنى أن تضعني في جيبك الكبيرة أو في مِزْوَدَتِكَ الفارغة عندما كنت تذهب. كنت لا أشتهي شيئاً كما أشتهي أن أعرف أين كنت ولا أزال أعتقد أن اكتشاف رحلة من رحلاتك هي بالنسبة لي مناورة ناجحة وفوز عظيم والآن ما إن أقرع باب بيتي حتى تفتح أمك الباب المجاور، ثم تصبح عالياً من خلال فمها الخاوي من الأسنان جواد. جواد. أين ولدي يا بن جارتنا ؟ سوف تسألني عنك قبل أن تنظر في وجهي، تتأكد أنني لا أزال حياً، وسوف أقول لها، فتشي عنه في الداخل فلعله واقف أمام المرأة يتفرّس في شاربيه المائلين، وسأكون جاداً غير هازل. وتجذبني أمك إلى الداخل متشبئة بتلابيبي راجية أن أحدثها عنك، نفسك تستمع إلى قصة ملفقة. لقد ذهب ابنك يا أماه. ذهب في مهمة، ولكنه سيعود حتماً، الخلف دون أن أراه، سأحدثك كيف تم ذلك. كنا نتريص في خندقنا في الصف الأمامي، على - من هذا العظيم الذي استطاع أن يقتطع السنتكم؟ فنظرنا إليه بعيون خابية، وابتلعنا ريقنا بصعوبة خيفة أن يكون حقاً قد فعل ذلك، واحد متأكداً أن لسانه ما زال في فمه، ثم أخذ يحدثنا عن قوة ساعديه وعن بعض مغامراته وجولاته، يكن ليخطر لنا ببال أن الملازم يقف فوق رؤوسنا بهامته القصير ووجهه النحيل. قائلاً. - إن قنبلة يدوية تودي بحياة خمسة جنود، وأنت أيها الثرثار. معي. إن لك مهمة كبيرة. وابتلعهما الظلام وهما يغوصان في طياته، ولكن شبح جواد ظل ظاهراً أمام أعيننا حتى بعد أن غاب الملازم بعشرين خطوة لا تضحكي يا أماه إن لك ابناً معجزة من المعجزات. أدري كيف كان جواد ينجح في إغاراته الليلية. كنا نضطر من أجله أن نزيد في عمق الخندق كي لا يظهر رأسه وهو يجلب لنا الذخيرة، فهو يحمل ذخيرة فصيل كامل دونما عناء. وكان الملازم "أسعد" يحبه كثيراً، ولكنه كان يثيره جداً عندما يقف على رأس الصف فيحجب وراءه رتلاً طويلاً من الجنود، وكان الملازم قصيراً فلا يستطيع أن يرادف الرتل إلا إذا ابتعد خمسين خطوة إلى الخلف، وبذلك يضطر أن يرفع صوته عالياً، وهكذا كان يسبب له بعض المتاعب، وبعد لحظة طرق أسماعنا صوت الملازم يقول له: الست أنت القائل: إن رفشاً ومعولاً يساويان ساعداً من حديد؟ ولست أعرف عنك يا جواد أكثر من ذلك، كان يقف عقبة في طريق هجومنا أستطيع أن الفق لأمك بقية القصة. كان أمامنا يا أماه. وعلى بعد خمسمئة من الأمتار (بلوكوس من الحديد الخالص) ولم تستطع مدرعاتنا ولا مدفعيتنا أن تخرق هذا الحصن، فقد كانت القنابل ترتد عنه كالأحجار، فوجدت القيادة أن خير وسيلة للقضاء عليه هي القيام بغارة بسيطة ينقذها جنود أشداء، واختير ابنك جواد ليرأس عنصر التنفيذ، فبدأ ابنك مع رجاله يزحفون سراعاً خلال ممر ضيق. أو لقد نسيت أن أقول لك: إن ابنك نسي معي حجاباً صغيراً كان يحمله خلال رحلاته. إليك هو . وستتناوله أمك يا جواد بيدها اليابسة وستودعه صدرها الأعجف. وظل ابنك يزحف مع زمرته حتى وصل إلى باب الحصن حيث يقف جندي عدو خفير، وسمع الخفير صوتاً يحدثه بالعبرانية، - ( كلمة عبرانية ليس لها معنى) - إنني لا افهم عليك. اقترب. يكفي قف. قف. ويفتح الخفير عينيه فلا يرى شيئاً ويتراجع إلى الخلف لإطلاق النار، ولكن فجأة يتوقف قلبه عن الحركة ويتهدل لسانه ويده معاً، وأيد قوية جبارة تسنده إلى الجدار، وتصدر أصوات من داخل الحصن ويجيبها صوت من الخارج، صوت غير مألوف بكلام غير مفهوم، ويخرج جندي ليستطلع ثم يعود فيجد الباب موصداً فيقرعه بشدة ويخرج رفاقه ليفتحوا له الباب، ويفتشون عن الخفير فيجدونه بلا حراك ويعودون إلى الباب فيجدونه موصداً، ويومض من نافذة الحصن الصغير طلق ناري وتفتح بعدها أبواب جهنم، وابنك خلال ذلك في الداخل يستمتع بنزهة جميلة، ويدخل بعض زملائه في الحصن ليجدوه يتعرف بطريقة ساخرة السلاح الجديد، ورجع المغيرون إلى وحداتهم بعد أن مهدوا طريقاً للهجوم. ولكن جواداً أبي إلا أن يستقبلهم في حصنه العتيد، لقد ازداد ثقافة فوق قوته فقد تعرف أسلحة جديدة، وسأرجع يا أماه قريباً، سأرجع إلى الميدان لألتقي بابنك مرة ثانية، سألتقي به حتماً، إما في مكان ما على هذه الأرض المقدسة، وإما في مكان ما في السماء، وسنعود معاً متأبطاً كل منا ساعد الآخر،