فالَّظلام يهبط بسرعة بعد غروب واضطجَع على الخشب الباليلُمقَّدمالقارب، حوله أصدقاؤه البعيدون جميعهم َوشيًكا في أجواز الّسماء. لسنا ُمضطّرين إلى أن نحاوَل قتل النُّجوم». وقال في نفسه: «تصّوْر لو كان يتعيَّن على الإنسان كَّل يوم أن يحاول قتل القمر، لَتَ َو َّجب على القمر أن يلوذ بالفرار، ولكنتخيّْللوكانعلىالإنسانأنيحاولقتلالَّشمسكّل وفَّكر: «إنَّنا ُولِدنا َمحظوظين». ثّمشعَربالأسفللَّسمكةالعظيمةالّتيليسلديهاماتأكَّله، ولم يخِّفف تصميمه على قتلها من أسفه عليها أبًدا، «كم من إنساٍن ستُطعمه هذه الَّسمكة؟ ولكن هل يستحُّق هؤلاءالنّاسأكلها؟لا، ليسثّمةَمنيستحُّقأَكلها؛ وفَّكَر:«لاأفهمهذهالأشياء، أوالنُّجوم، ونأكل منه». ولها حسناتها، إذابذلَْتمجهوًدا. والعرقلةالّتييُحدثها المجدافان في محلِّها، إذ يفقد القارب خّفته جميعها، ولكّن فيها سلامتي؛ ومهما يُكن من أمر، وأنظفها لئّلا تفسد، وأن آكل شيئًا منها لأكون قويًّا. الآن سأستريح ساعًة إضافيّة، وأَتَّخذ القرار، ولكن آَن الأواُن للعمل من أجل الَّسلامة، فماتزال السمكة قويّة، إَّنضررالِّشِّصليسشيئًايُذَكر، ولكّنمانزلبها منجوعوكونهاتواجهأمًرالاتفهمههوكّلشيء. استراح مدًة ظنّها ساعتَيْن، فالقمر لم يبزغ بعد، كماأَّناستراحتهلمتُكنفيحقيقتها إلااستراحًةنسبيَّة، فهومايزاليتحَّملجّرالَّسمكةعلىكتَفيه، أكثرفأكثرعلىالَمركبنفسه. وفّكَر:«كمسيكونالأمرسهًلالوكانفيالإمكانربط الخيط بالقارب، ولكن في وسع الَّسمكة أن تقطعه بجَّرٍة مفاجئٍةصغيرٍةمنها، وأكون مستعًّدا في الأوقات جميعها لإعطاء مزيٍد من الخيط بكلتا يدّي». وأنَتلمتَنَْم، الأمور في رأس َك». بل واضحٌة أكثر من الّلازم، والقمر والَّشمسينامان، وحتّىالمحيطينام-أحيانًا-فيأياٍممحّددٍة عندما لا يوجد فيه تيّار، اجعْلنفسَكتفعل ذلك، وابتكْر طريقًة سهلًة وأكيدًة للخيوط، والآن ُعْد إلى الخلف لتهيِّئ سمكة الّدولفين، القارب بتثبيت المجدافَيْن إذا كان عليك أن تنام». وقاللنفسه:«أستطيُعالاستمراردوننوم، ولكنستكون لذلك خطورٌة بالغٌة». وشرَعبَشّقطريقهإلىمؤَّخرالقاربوهويزحففيحذر على يَديْه وركبتَيْه؛ ولكنَّني لا أريدها أن تستريح، وعندمابلَغمؤَّخرالقارب، كانت النُّجوم متوِّهجًة الآن، وسحبها من تحتمؤَّخرالقارب، ووضعإحدىقدميهعلىالَّسمكةوشّقها بخّفٍة من بطنها حتّى طرف فّكها الأسفل، ومتخلًِّصا من خياشيمها، فشّقه، كانتا طازجتَيْن وصلبتَيْن، فطرحهما جنبًا إلى جنب، ِوألقى بالأحشاء والخياشيم من فوق مؤَّخر القارب، كانت سمكُة الّدولفين باردًة، وسلَخالّشيخجانبًامنها، وسلَخ الجانب الآخر، وش َّق ك َّل جان ٍب من الرأس حتّى الّذيل. إذا كانت ثّمَة دّوامٌة في الماء، ثّماستدار، ووضع الَّسمكتَيْن الّطائرتَين بين شريحتَي سمكة الّدولفين، وفي تؤدٍة، بفعل ثقل الخيط عليه. وبعد ذلك، ُعَّدَل الخيط على كتَفيْه في موضٍع جديد، وأمسك به مَّرة أخرى بيده اليسرى وهو ُمستنٌِد إلى حافّة القارب، ثّم انحنى على جانب القارب، وهو يلاحظسرعةالماءعلىيده، كان الجريان أقّل قَّوًة، وحَّك جانَب يِدِه بخشب المركب، وطفْتعلىالماءفجرفها َعلَّي أْن أنتهي من أكل سمكة الّدولفين هذه، واللَّيليزدادبرودةطوالالوقت، وقطَع رأسها. وقال: -«ماأطيَبأْكَلسمكةالّدولفينوهيمطبوخة!وما أتعسهامنسمكٍةوهينيِّئة!سوفلاأُبِحُربقارٍبمّرًة أُخرى أبًدا بلا ِمْلٍح أَْو ليموٍن حامض». وتركتهيجَُّفَطوالاليومفيتحَّولإلىملٍح، ولا أشعر بالغثيان». كانت الّسماء تتلبّد بالغيوم من جهة الَّشرق، وراحت النُّجوم الّتي يعرفها تختفيٍواحدًة تلو الأُخرى، ولكْن فََجِّهز الّشراع الآن لتنال قسًطا من النَّوم-أيُّهاالّشيخ-مادامتالَّسمكةهادئًةومّطردة الحركة». أمسَكالخيَطبيدهاليمنىَفيإحكاٍم، ثّماستندبفخذه الأيمن على يده اليمنى، واتَّكأ بكِّل ثقله على خشب ُمقَّدم القارب، ثّم حّوَل الخيط قليًلا إلى الأسفل على كتَفيْه، ووضَع يده اليسرى عليه، وفّكَر: «تستطيع يدي اليمنى أن تُمِسك بالخيط مادام ملفوفًا حولها، وحتّى لو أنام عشرين دقيقة أو نصف ساعة، ونام. لم يحلم بالأُسود، وتعود إلى ثّمحلمبأنَّهفيالقرية، نائًمافيفراشه، وهبّْتريٌحشماليٌّة فشع َر ببر ٍد قارس، وقد تخ ّدر ْت ذراعه اليمنى؛ لأ َّن رأسه اتَّكأ عليها بدًلا من الوسادة. وبأنّهرأى أَّول الأُسود ينزل إلى الّشاطئ في مطلع اللّيل، يترقَّب وصول مزيٍد من الأسود، وكان سعيًدا. كانالقمرقدارتفعفيكبدالَّسماءمنذُمَّدة، ولكنَّهظَّل نائًمابينماكانتالَّسمكةتواصلالجّربانتظام، أفاَقعلىهَّزٍةمفاجئٍةمنقبضتهاليمنىعلىوجههوحرقة الخيط في يده اليمنى، عثرْتيُدهاليسرىعلىالخيط، هو إلى الخلف ُملقيا بثقله على الخيط الّذي راح الآن يحّز ظهره ويده اليسرى، نظرخلفهإلىلّفاتالخيوط، قفزِت الَّسمكُة ُمحِدثًةانفجاًراهائًلافيالمحيط، ثّمسقوًطاثقيًلا، ثّم وثبَ ْت مَّرة تلو الأخرى، وانطلق القارب بسرعة على الَّرغم من أنالخيطمازالينسابإلىالخارج، والّشيخيزيدمنالّضغط على الخيط حتّى يقترب من نقطة الانقطاع مّرًة بعد أُخرى، فسقط على ُمقَّدم القارب، ولم يستطع أن يتحّرك. وقالفينفسه:«اجعلالَّسمكَةتدفعثمَنالخيط، اجعلها تدفع ثمنه». ولكنّه كان فقط يسمع تفُّجر المحيط عند قفزها ورشاش المياه الثّقيل عند سقوطها، لو كان الَّصبُّي هنا. لو كان الَّصبُّي هنا». ولكنَّهأخذالآن بالتَّباطؤ، وسيجعُل الّشيخ الَّسمكَة تدفع مقابًلا باهًظا لكِّل بوصٍة من الخيط. ثّم نهض على ُركبتَيْه، وكان َطوال الوقت يُرخي الخيط، كانت لاتزال وفرٌة من الخيط، وعلى الَّسمكة الآن أن تتحَّمل الِعبَء النّاتج من احتكاك كِّل ذلك الخيط الجديد بالماء. وفّكَر:«نعم، وملأت الجيوب الُممتَّدة على طول َظهرها بالهواء، فإنَّها لا تستطيع الغوص إلى الأسفل لتموت في الأعماق، وحينئذ ينبغي أن أشتغل عليها، وإنّي أتساءُل ما الّذي أثارها هكذا إثارة مفاجئة؟ ألا يكون الجوع هو الّذي جعلها يائسة، إنَّه أمٌر غريب». فأنَتلاتزالتُمِسكبها، ولكنَّكلا تستطيع أن تسترَّد الخيط، أمسكالّشيخبخيطالَّسمكةبيدهاليسرىوكتَفيْهالآن، وأنَّها تسير مع التّيّار، وبعد أن قَّدَر أَّن يده اليمنى بقيَ ْت في الماء ُمّدًة كافيًة، 120 ونظَر إليها. وقال: َ - «لا بأس بها، والَّرجُل لا يعبأ بالألم». أَْمسَكبالخيطبعنايٍةلكيلايمّسأَّيجرٍحجديٍدفييده، وحّول حمله بحيث يستطيع وضع يده اليسرى في البحر من الجانب الآخر للمركب. وتساءل في نفسه: «لماذا لم أولد بيَديْن جيِّدتَيْن؟ ربَّما كانت غلطتي؛ فقط، وإذا تشنَّج ْت مَّرًة أُخرى، فليجرحها الخيط». وخطَر له أنَّه يجب أن يمضغ مزِيًدا من لحم الّدولفين، فقال فينفسه:«ولكنَّنيلاأستطيع، الِّذهنمنأنتفقدقواكبسببالغثيان، أعرفأنَّنيلاأستطيع الاحتفاظبهافيمعدتيإذاماأكلتهابعدأناندَّسوجهي فيها؛ َغبٌّي، فتناولهابيده اليسرى، والآن، لتبدأ الَّسمكة بالّدوران، كانتالَّشمستُشِرقللمَّرةالثّالثةمنذأننزلإلىالبحر، خفيففيضغطالخيط، 122 كما كان دائًما، ولكنَّه عندما بلغ النُّقطة الّتي قد ينقطع فيها، َمَّرَر الّشيخ رأَسه وكتَفيه منتحتالخيط، وشرعفيسحبالخيطبثباٍتولطف، فدارتساقاه الهرمتان وكتفاه الباليتان مع حركة الَّسحب المتأرجحة. فأمسَكبهالّشيخحتّى رأى الماء يتقاطر منه على ضوء الَّشمس، ثّم أخذ الخيط فيالانفلاتخارًجا، فانحنىالّشيخ، ولَعلّي أتمّكن من رؤيتهافيظرفساعة، الآنينبغيَعلَّيأنأرِّوضها، بَيَْدأَّندوراتالَّسمكةغدْتالآنأقصر، ومنالَّطريقةالّتي ارتخىبهاالخيط، صار الّشيخ يرى بُقًعا سوداء أمام ناظريه، وراح الَعَرق يملِّح عينَيْه، لميُكنخائًفامنالبُقعالَّسوداء، ومع ذلك فقد شعر مَّرتَيْن بالإغماء والدوار، الآن، وقدأتيُتبهابهذهالّصورةالرائعة، أحَّسبخبٍطوَسحٍبُمفاجئللخيط 124 الّذي كان يُمِسكه بكلتا يَديْه، وفّكَر: «إنَّها تضرب ُمقَّدم الِّسلك بُرمحها، كان ذلك سيحصل حتًما، وكان عليها أن تفعلذلك، فالقفزات ضروريٌّة لها لكي تستنشق الهواء، ولكن بعد ذلك فإَّن كَّل قفزٍة يمكن أن توّسع الجرح الّذي وقال: َ - «لا تقفزي -أيَّتها الَّسمكة- لا تقفزي». ضربِتالَّسمكُةسلكالِّصنّارةعّدةمّراتأُخرى؛ وفيكِّل مَّرة كانت تهُّز رأسها، وفّكَر: «يجب علَّي أن أوقِف أَلََمها حيث هو، أّما ألَمي فلا يهّم، إْذ أستطيع التَّحُّكم فيه، وشرعتفيالَّدورانفيبطٍءمَّرًةأُخرى، من الماء على قَفا رقبته ودلكها. انحنىُمْستَنًِداإلىُمقَّدمالقارب، ولبرهٍةحَّوَلالخيطعلى ظهرهَكّرًةأُخرى. سأستريحالآنفيماتقومالَّسمكةبالدوران، كانالإغراءعظيًمابأنيبقىُمستريًحافيُمقَّدمالقارب، الآن أخذِتالّريحفيالهبوب، ذلك». وقال: -«سأستريحخلالالَّدورةالقادمةلها، أَشعرأنَّنيأَْفضلحاًلا، سأتمَّكن منها». كانتقُبَّعةالّشيخالمصنوعةمنالخوصقدابتعدْتإلى مؤَّخر رأسه، سآخذك حين تستديرين». ارتفع البحر بصورة بالغة، وهي جزيرٌة طويلة». رآها َكِظٍل غامٍقاستغرقمرورهتحتالقاربوقتًاطويًلا، لدرجةأنَّهلم 127 يُصّدق طولها. ولكَّنالَّسمكةكانتبذلكالحجم، وفينهايةهذهالَّدورة َطفِت الَّسمكة على سطح الماء على بُعد ثلاثين ياردة فقط، فأبصرِالّشيخ بذيلها خارًجا من الماء، كان الّذيل أعلى من نَصِل منَْجٍل كبيٍر، الماء الّداكن الُّزرقة. ثّمهبطالّذيل، كانتا تلتصقان بها أحيٍانًا. وكان طول كِّل واحدة منهمايزيدعلىثلاثةأقدام، وفيأثناءسباحتهماالَّسريعة، ولكْنبسببَشيٍءآخر غيرالَّشمس، وصارُمتيِّقنًامنأنَّهبعد وتقترب، وقال: - «ُكن هادئًا وقويًّا، أيُّها الّشيخ». ولكنَّهامازالتبعيدة شيئًا ما عن القارب، وتأَّكد للَّشيخأنَّهإذامااستعادمقداًراأكبرمنالخيط، فإنَّهسيجعل الَّسمكة بمحاذاة القارب. كان قد أعَّد الحربة منذ مَّدٍة طويلة، الخفيففيسلٍّةمدَّورة، فسحبهاالّشيخ بأقصىمايستطيعليجعلهاأقرب، وشرعْت ربَّما هذهالمَّرةسأتمّكنمنها»، وفَّكرفينفسهقائًلا:اسحبايا يَد َّي، تترْكني قّط، اندفعِت الَّسمكةُمقلِبًة، وسبَحْتمبتعدًةعنه. 130 قال الّشيخ: ِ ِ - «أيَّتها الَّسمكة، إنَّك ستموتين على أيَّة حال، فهل عليك وفّكَر: «بهذه الّطريقة لا يُنَجُز َشيٌء». فأنالسُتقادًراعلىاحتماِل دوراٍتعديدٍةأُخرى»، إنَّ َك صالٌح إلى الأبد». تعالياقتليني، أبالي َم ْن يقتل َم ْن». يجبعليَك أنتحتفظبرأسَكصافيًا، تحتمل الألم كرجل أو كسمكة». وكانعلىوشكأن يُح ّس بالإغماء في ُكِّل َمَّرة، «لا أدري، واستقامِتالَّسمكةوسبَحْتببطٍءمبتعدًةَكَّرًةأُخرى، وذيلها الَّضخم يرفرف في الهواء. سأحاولمَّرًةأخرى، هكذاعاهدالّشيخنفسه، فكانت كسابقاتها، وأخَذ ْت تمُّر بالقاربطويلًة، وسميكًة، وبكِّل قّوته، وبقّوة إضافيّة استجمعها في تلكاللَّحظةغرزالحربةفيجنبالَّسمكةتماًماخلفالَّزعنفة الَّصدريّةالكبيرةالّتيكانتترتفععاليًافيالهواءإلىمستوى صدرالّشيخ، فانحنى