22 أغسطس 1951 سافرنا أنا وشخبوط، لتسوية خلاف نجم منذ أشهر بيننا وبين شركة تطوير بترول الساحل قبل عام، عندما قمت بزيارة أخي لأعرض عليه تظلماتي أثار هذه القضية جزئياً رافضاً في الوقت ذاته إطلاعي على التفاصيل، وقد عرفت عنها المزيد مذاك كانت القضية بسيطة ومعقدة في آن. وكذلك جميع الجزر والمياه الإقليمية». لكن في عام 1945 أبصر النور مفهوم جديد للقانون الدولي بإيعاز من الولايات المتحدة هو مصطلح «الأوفشور» ينصّ هذا المصطلح على أن أعماق البحر الواقعة في أعالي البحار لكنها مجاورة لسواحل بلد ما هي ملك لهذا البلد. أو خمسة كيلومترات، اعتبرت أن هذه المنطقة الجديدة هي جزء من امتياز عام 1939 الموقع مع أخي. وله كل الحق في ذلك، فحسب بل عمد في ديسمبر 1950 إلى منح امتياز «الأوفشور» إلى شركة «سوبريور أويل أوف كاليفورنيا». طبعاً اعترضت شركة تطوير بترول الساحل على القرار وتعيّن أن تخضع القضية للتحكيم في باريس. وهذا ما جاء بنا إلى العاصمة الفرنسية كان القاضي الناظر في القضية يدعى لورد أسكويث، وهو في الستين من العمر ابن رئيس وزراء إنجليزي سابق، كان قد أظهر في أحكامه السابقة حكمة ونزاهة مثالية في الثامن والعشرين من شهر أغسطس، أصبح تفاؤلي مؤكداً. حكم لورد أسكويث بأحقيتنا. لا يمكن للشركة المعترضة أن تدعي لنفسها أي حق في ما يتعدى الحد التقليدي المقدر بثلاثة أميال. الصعداء، على الرغم من المرارة التي شعرنا بها جراء وصف فقيرة، وقليلة السكان أثناء إقامتنا في باريس تساءلت غير مرة عن السبب الذي من أجله لقبت مدينة النور». فسّر لي ذلك ستيفان شامبان أحد المحامين الإنجليز الذي دافع عنا. قال إن ذلك يعود إلى عهد الملك لويس الرابع عشر حين وضعت آلاف الفوانيس والمشاعل في الشوارع وعلى واجهات المباني بأمر من رئيس شرطة باريس. بذلك كان الموظفون يأملون أن يتحسن الوضع الأمني في الشوارع لردع قطاع الطرق عن مهاجمة المارة. من أعلى برج إيفل كان المشهد غير عادي. التهمت بعيني كل تفصيل فيه. لكن أفترض أنني كنت أنا أيضاً، شخصاً غير عادي في نظر أولئك الذين يشاهدونني في لباسي البدوي مغطى الرأس بغترة. لم أنس تعبير المارة عندما رأوني نازلاً جادة الشانزليزيه. ومن غير المستبعد أن يتخيل من يراني من الباريسيين أنني شخصية خارجة من صفحات ألف ليلة وليلة وأن ثمة شهرزاد تنتظرني في مكان ما. لكل بلد عاداته وتقاليده وثقافته، وكلها توحي بالاحترام. وأسوأ المواقف ليس أن ترتدي هذا الزي أو ذاك، أو أن تعيش بهذه الطريقة أو تلك، لا أسوأ المواقف هو أن تسعى لتفرض على غيرك نمط تفكيرك. كانت زيارة متحف اللوفر لحظة افتتان رائعة عندما دخلت إلى حرم المتحف شعرت وكأنني ألج بقدم ثابتة تاريخ البشرية العالمي حضارات شرقية قديمة مصرية، رومانية، وفنون الخط وفنون الإسلام، وأثناء إقامتنا في باريس حصل شيء من الاستلطاف بيني وبين وزير الخارجية الفرنسي موريس شومان، أخبرني أنه توجد في فرنسا، إدارة مهمتها الحرص على ألا تعمد بعض الأمهات البائسات اللواتي لا يمكنهن الاحتفاظ بأطفالهن، من أجل ذلك خصصت لهنّ مساعدات مالية وعينية على شكل بياضات وملابس، إضافة إلى دفع أجرة المرضعات. ومنذ قرن تقريباً طوّرت في المستشفيات وسائل التدفئة والتهوية والحمامات، وحلت مكان الأسرة الحديدية أسرّة خشبية. وتم بناء العديد من خزانات المياه في أنحاء المدينة ليعمّ استخدام المياه الجارية البيوت كافة. وعند حلول الليل تنار الشوارع في أقل من ثلاثين دقيقة. وعلى قول السيد شومان، يحققه حاكم فرد بعزيمته وحدها قبل مائة سنة يمكننا نحن أيضاً أن نحققه. يكفي أن نريده. قريباً جداً من سيارتين أخريين، الجو خانق مع أن الفصل شتاء، تغطي رأس الفتى غترة ناصعة البياض تعطيه سنتين أو ثلاث سنوات زيادة في العمر. غير بعيد كان حوالي عشرة مراهقين يمتطون جمالاً ذات وبر أصهب، في نظام مشتت إلى حد ما. بخلاف الجمال ذات السنامين هذه الجمال العربية صالحة للسباق. إنها حيوانات ضخمة، كان على ظهر بعضها غطاء صغير مرقش، وهم مدربوها أيضاً، واعتنوا بها لهذا اليوم المشهود سباق الثمانية كيلومترات عبر الرمال على ظهور الجمال أيضاً، متأخرين قليلاً، مر من متبار إلى آخر، مشجعاً راكبيها المنتصبين بفخر على رحالهم الصغيرة الخشبية سأل خليفة مشيراً إلى سنام جمل: أهنا يحتفظ باحتياطي الماء؟ آه، ماذا تقول يا زايد هتف ، فارس، أما زلت ترى أن ابني انظر إلى هذا الحيوان: لم يعد أمامه عُمر، وعُرقوباه بارزان للخارج ومرتدان للخلف، عنقه غير سوي، والتفت نحو فارس ليرد على سؤاله سوف نری خطا زايد خطوة إلى الوراء لوّح ببندقيته. انتظر حتى صف المتبارون جمالهم - وهذا ليس بالمناورة السهلة - ثم رفع البندقية نحو السماء وأطلق رصاصة في الحال، ثارت الصحراء وعلا الغبار واهتزت الأرض كما لو أنها تعرضت لزلزال مرت الجمال المستحقة من السهام مندفعة إلى الأمام. ركض فارس نحو سيارته، استقرّ الشيخ أمام المقود وضغط برجله على الدواسة فانطلقت اللاندروفر كأنها تقفز وحادت إلى اليسار لكي ترقى إلى مستوى المتبارين بأية سرعة؟ لامست إبرة العداد الـ 50 كلم في الساعة تمسك جيداً! أمر زايد ابنه. في الهواء لينحدرا بسرعة خاطفة على أحد الكثبان سجلت إبرة العداد 60 كلم في الساعة. كل ذلك وسط ضوضاء اختلطت فيها أصوات الصراخ والحث بأزيزالمحركات وارتجاج الصحراء. لم يمض وقت طويل حتى بان العمود الذي يحدد خط الوصول في السباق. ماذا؟ سأل زايد. الرقم ستة، ثم مال نحو خليفة وكرّر الكلمات التي سبق لزايد أن قالها : لم يعد أمامه عمر، وعُرقوباه بارزان للخارج ومرتدان للخلف عنقه غير سوي، وجلده مترهل». وأنه لا تخفى عليه خافية في أحوال الصقور والبشر والجياد والجمال. لكن فراستي في السباقات لا تخطئ أحياناً هر زايد رأسه مبتسماً : الحق معك يا صديقي. N A: لكن لا يهم أن تفقد جهة الشمال إذا كنت تعرف أين الجنوب تهاني. الحظ وحوّل جملك إلى جواد أصيل أخرج مُغلّفاً من جيب كندورته لدى وصول والدي الفائزين اللذين جاءا ثانياً وثالثاً في السباق، أعطى زايد مبلغاً من المال لوالد الفائز الثالث. ومبلغاً آخر لوالد الفائز الثاني. قال مشيراً إلى الرجلين، أيده الشيخ زايد ثم جلس مع خليفة على الرمل، وتحلّق حولهما الآخرون وشرعوا في تقييم السباق، قال وهو يتصبب عرقاً، وفد علينا زائر أجنبي وصل على متن سفينة حربية. كان يريد مقابلة الشيخ شخبوط لكنه غادر فجراً إلى دبي، بعد ثلاث ساعات كنت في العاصمة. كانت مركباً يبلغ طوله حوالي خمسين متراً، أبيض بالكامل، ذو هيكل خشبي، مشرفة على الجسر الضيق، - أرى أن كاليبسو، سفينتي، كان مكلمي رجلاً أربعينياً، نحيلاً، وكانت برفقته امرأة شقراء، ممشوقة. | ممتلئة ممتلئة بالفواكه والخضار. أنا الرائد جان إيف كوستو. في تلك المرحلة لم أكن متمكناً من اللغة الإنجليزية لكن كنت أتوصل إلى فهم ما يقال. رائد؟ أنت عسكري إذن. عسكري متقاعد. زرناها، منذ أربع كنا نعتزم زيارته لكن قيل لنا إنه غائب للأسف. أضاف الفرنسي، وعن أخيك طبعاً. أعطاهم الزوجان سلال المؤن وتبعتهما نحو غرفة قالا لي إنها بمثابة صالة الطعام، أخرجت سيمون زوجته من ثلاجة صغيرة قنينتي مياه معدنية والتقطت كوبين ووضعت الجميع على الطاولة أمامي. لدي عمل ينتظرني. والآن، هلا شرحت لي؟ - طبعاً سأشرح لك. لكنني ما زلت أحتفظ بجوهره في ذاكرتي. في سن مبكرة جداً طوّر الفرنسي هواية التصوير في أعماق البحر لكن نظراً إلى نقص الأوكسجين كان من المستحيل أن يبقى طويلاً تحت الماء، وهذا أمر طبيعي. أو الرئة المائية. هذا الجهاز يسمح للغواص بالتنفس تحت الماء لأكثر من ساعتين أثار الاختراع اهتمام كوستو للتصوير في أعماق البحر بحثاً عن حطام أو مواقع أثرية. في شكل كاسحة ألغام قديمة تابعة للبحرية الملكية كانت تستخدم كمُعَدِّية، سماها صاحبها كاليبسو. ولكن يا للأسف، لم يكن كوستو يمتلك المال اللازم لشرائها. إلا أن صديقاً له اشتراها وأجرها له بمبلغ رمزي قدره فرنك واحد في السنة أعمال إعادة التأهيل مولتها شركات خاصة والبحرية الفرنسية وآل كوستو أنفسهم. في هذه المرحلة من الحكاية فهمت لماذا أشار الفرنسيإلى «مصالحنا المشتركة»عام 1950، في أعقاب النزاع الذي نشأ بيننا وبين شركة تطوير بترول الساحل منح أخي امتياز التنقيب في منطقة الأوفشور لشركة سوبريور أويل أوف كاليفورنيا. 1953 اختار شركة دارسي إكسبلورايشن كومباني التي ما لبثت أن تحوّل اسمها إلى شركة النفط البريطانية. كانت هذه الشركة قد تعهدت بموجب العقد القيام بعدد معين من عمليات التنقيب تحت الماء قبل نهاية شهر مارس 1954 كنا في شهر فبراير. من ضمن التحديات التي كان على الشركة البريطانية مواجهتها جمع عينات من الصخر في أعماق تصل إلى 250 قدماً تحت الماء، وهذا ما لا يمكن لأي من معدات الغطس المتوافرة أن تسمح به. وكان الفرنسي قد أصدر للتو كتاباً لاقى نجاحاً عالمياً هو «عالم الصمت». باستخدام كاليبسو وجهاز التنفس تحت الماء يمكن الحصول على خرائط وعينات من صخور الأعماق البحرية بنصف كلفة استخدام المنصات المألوفة لاستكشاف البحار . ابتسمت. في تلك السنوات كنا نعرف باسم «الإمارات المتصالحة». وكان كوستو قد صنع قفصاً يمكن للغواصين أن يلجأوا إليه إذا ما هاجمتهم أسماك القرش. لم يوجد منها قرش واحد ولله الحمد. وسرعان ما طرحت مسألة إنشاء قاعدة أرضية توضع فيها المعدات وتكون مؤهلة لاستقبال مروحية. كانت المسافة بين مواقع الاستكشاف والساحل حوالي مائة كيلومتر، أو مئتين ذهاباً وإياباً. جاؤوا بعمال من الكويت وعمال فلسطينيين ولبنانيين وأردنيين. وما كانوا يدرون أنهم بصدد تغيير وجه المستقبل.