قامت الدولة العباسية على أنقاض الدولة الأُموية، نتيجة الثورات المتواصلة التي أدت إلى ضَعْفها وسقوط آخر خلفاء بني أمية في معركة الزّاب شمال العراق عام ١٣٢ من الهجرة، وينتسب العباسيون إلى جدَّهم العباس بن عبد المطلب عمَّ النبي صلى اللّٰه عليه وسلم . وقد عاشت الدولة العباسية ما يزيد على خمسة قرون، فقد قامت سنة ١٣٢ ه وانتهت عندما قضى عليها المغول حين سقطت بغداد عاصمة الخلافة سنة ٦٥٦ه. برزت في الجانب السياسي في هذا العصر بعض الأحداث ومنها : ١ - صارت بغداد عاصمة الدولة العباسية بدلاً من دمشق، ٢ - غلب الطابع الفارسي على الدولة العباسية، على النقيض مما كان في الدولة الأموية إذ كان طابع الخلافة الأموية عربيًّا خالصاً. وقد أخذ العباسيون عن الفرس نظام الوزارة، وقلّدوهم في كثير من أنظمة الحكم حتى في الزي والملبس. ٣- تميّز العصر العباسي -وخاصة في النصف الثاني منه_بالتفكّك والانقسام وتعدّد الدَّوّيْلات كالحمدانية في الشام، ٤ - ظهر في هذا العصر عدة ثورات وفتن كفتنة القرامطة قُتِل فيها خلق كثير، وجرَّد الخلفاء ضدهم الحملات القمعية، وحاربوهم بالسيف واللسان والقلم، ٥ - حدث تحوُّل خطير في الدولة العباسية، عندما ضعف العنصر الفارسي وحل محله العنصر التركي، وذلك في بداية حكم المعتصم الذي تولى الخلافة بعد الخليفة المأمون سنة ٢١٨ه، وكانت تلك السنة بداية لما اصْطُلح على تسميته بالعصر العباسي الثاني . ٢ - الحياة الاجتماعية : كانت الحياة الاجتماعية في العصر العباسي بشكل عام حياةً ترف ونعيم، ويكاد الأمر كله يشمل جميع طبقات المجتمع كلٌّ بحسب طبقته. ولقد برزت في العصر العباسي عدة مظاهر تتمثل في : ١ - ظهور طبقتين متغايرتين في المجتمع : طبقة تنعم بالرخاء وسعة العيش، وتزيين العاصمة زينة لم تَلْقها مدينة أخرى . ٣- شيوع كثير من مظاهر اللهو الترف مثل : الشطرنج، ٤ - ازدياد الشَّعُوبيَّة التي لم تعد المفاضلة فيها بين العرب والفرس، بل تعدَّى ذلك إلى المفاضلة بين العرب وغيرهم من أبناء الشعوب الأخرى. ٥ - انتشار المجون والانحلال والزندقة؛ بسبب اختلاط العرب بغيرهم من أبناء الأمم الأخرى . ومع ذلك لم يكن المجتمع كله مجتمع لهو وترف، فقد كان المجتمع مجتمعاً إسلاميًّا، وكانت الغالبية فيه مقيمة على الإسلام متمسكة بفرائضه، فكانت ساخطة على مظاهر اللهو والترف والشعوبية والزندقة . لقد نشطت العلوم في العصر العباسي نشاطاً كبيراً على النحو التالي : ١ - أخذت اللغة العربية نصيباً من اهتمام العلماء ، لكونها لغة الدين، ويتوقف فهم الدين على الإلمام بها. وكان الفرس المسلمون أكثر الناس اهتماماً باللغة العربية وفهم أسرارها، خاصة أن المناصب العُليا في الدولة مثل منصب الوزارة، كان لا يصل إليه إلا العالم باللغة والمتأدب بآدابها. وكان الفرس حريصين على تلك المناصب، حتى إنه نبغ منهم آخر العصر الأموي كتاب كانوا روَّاداً للنثر الفني العربي ، مثل عبد الحميد الكاتب . وقد عُني علماء اللغة في البصرة والكوفة بجمع ألفاظ اللغة وأشعار العرب في الجاهلية والإسلام؛ لحاجة الشعوب المسلمة غير العربية إِلى إتقان لغة الدين، وليقاوموا ظاهرة شيوع اللّحْن على ألسنة المستعربين . ولم يكن العلماء أقل اهتماماً بعلم النحو من علوم اللغة الأخرى ، وقد برز فيه الخليل بن أحمد ، ثم أدَّاه عنه تلميذه سيبويه في كتاب ( الكتاب ) وهو من أعظم سمات رقي العقل العربي . ٢ - أما في مجال العلوم الدينية فقد وُجِد من العلماء من نذروا حياتهم لخدمة اللّٰه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن هؤلاء العلماء الأجلاء في علم التفسير : سُفْيان ابن عُيَينة، المذاهب الفقهيّة : مذهب الإمام أبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وفي الحديث أُلَّفَت كتب الصحاح الستة المشهورة . ٣ - أما بالنسبة لعلم التاريخ فقد ارتبط أساساً بسيرة الرسول - صلى اللّٰه عليه وسلم - وانضمَّت إليه مادة من تاريخ الرسل، وكان جزء من الاهتمام بالكتابة التاريخية قد ارتبط بجمع الأشعار ورواتها لمعرفة تاريخ العرب الجاهلي والإسلامي، وتاريخ الأمم المجاورة للجزيرة العربية وخاصة الفرس . وكانت السيرة النبوية مبثوثة فيما يُروى من الأحاديث، للوعظ والتذكير باليوم الآخر. ٤ - وقد نهضت العلوم الاخرى في هذا العصر بتاثير الترجمات الكثيرة، وبظهور مجموعة من العلماء النابهين في كل فرع، ٥ - وعلى الرغم من أن الدولة العباسية قد أخذت في الضعف بالتدريج إلا أنّ الحياة الثقافية والأدبية قد نشطت نشاطاً كبيراً، فما زال المعلمون يؤذُّون دورهم، والمساجد تَزْخر بطلاب العلم، وقد خصَّصت الدولة رواتب للمعلمين حسب المكانة العلمية لكل واحد منهم، فهذا الزجَّاج تلميذ المُبَرِّد يجعل له فبلغ راتبه من الدولة ثلاث مئة دينار شهرياً. ٦ - لم تَعُدْ بغداد وحدها مركز العلم والأدب، وكان تعدد الإمارات المستقلة وتنافس حكامها في جذب ذوي العقول والمواهب للإقامة والتعليم فيها سبباً لذلك .