وبعد تقديم عبد الرحمن الفاسي للسورة، انتقل إلى تفسير آيها دون أن يفصل بين ما يفسر به هذه الآية وما يفسر به الآية التي تليها. وقد تفهم من عبارته: "وبعد فالقصد ذكر شيء من تفسير الفاتحة إشارة "، أنه سيقتصر على المعاني الإشارية وحدها، إذ نجده يعتني في تفسيره أيضًا بالمعاني الصوفية النظرية، فجمع بذلك بين الاتجاه الصوفي الإشاري والاتجاه الصوفي النظري. ويبدو اتجاهه الصوفي النظري واضح المعالم من خلال ما ساقه من معاني فلسفية صوفية صعبة المأخذ، تقوم على مذهب وحدة الوجود، وسنجعل القارئ يلمس ذلك بنفسه باطلاعه على المثال التالي: يقول الشيخ عبد الرحمن الفاسي: "وقد تعرف تعالى لخلقه بما يشير لذاته وصفاته وأفعاله، فتعرف فيها أولا بما يشير لذاته باسمه (الله) وهو يشير لحد حقيقته ووحدته، بحيث لا وجود لغيره معه، كما نبه ﷺ على ذلك بقوله: "أصدق ما قيل إن كل شيء ما خلا الله باطل". وحينئذ تولى الله ثناءه على نفسه بنفسه إشارة إلى أنه الحامد المحمود، فقال "الحمد لله" ثم تنزل متعرفًا أنهم لا هم من حيث لا مادة، فهم مع كثرتهم وتعددهم مظهر للوحدة، ومعترفون بها مع العجز عن الإحاطة  بكنه الأمر وحقيقته، إلا بما شاء تعالى لمن شاء، ثم تنزل في تعريف تلك المادة الأحدية بقوله: و الرحمن الرحيم ، إشارة إلى أنه عن الرحمانية ظهرت الأكوان، ولولا تجليه تعالى بوصف الرحمة، لنفي الكون في طمس العدم الذي يقتضيه أحدية وجوده، ولا يتصور كون لحوق سبحانه كل متصور سواه، لكن يفيض تجليه برحمانيته العامة.