لم أزر ھولندا منذ أوائل 1939 حین ذھبت لأحضر منھا جدتي إلى أمریكا، وكان المفروض وقتئذ أن جدتي ستمضي معنا في أمریكا ستة أشھر فحسب، بید أن زیارتھا قد امتدت ثماني سنوات، حتى بدا أنھا لن تعود إلى وطنھا ھولندا مزة أخرى. إلا أنھا ظلث تأمل فـي العودة یوما ما، عندما أوفدنني الشركة التي أعمل بھا في مھمة إلى بروكسل، ناشدتني أن أنتھز الفرصة وأعرج على ھولندا فأزور خالي وزوجتھ، وأعود إلیھا بتقریر وافي عن كل شيء، وبخاصة عن غطاء فراش من الصوف كانت تعتز بھ كثیرا !، وجلست أتحدث إلیھما في غرفة الاستقبال الھولندیة الطراز، خیل إلي أن كل شيء یجري على مألوف عادتھ، وإن كان خالي وزوجتھ قد ظلا على قید الحیاة، واجتازا محنة الحرب القاسیة بسلام، فقد كان یبدو على قسمات وجھیھما ما ینبىء بأن الأمور لم تعد كما كانت من قبل، خلال الأیام التي أمضیتھا معھما. ولكنھما لم یسمعاني شیئا من قصص الحرب والحوادث ، وأرجح أحیانا أخرى أنھما قد سبق وتحدثا عن الحرب بما فیھ الكفایة حتى سئما ھذه الذكریات الألیمة، وأن التفسیر الحقیقي لصمتھما ھذا، لیس شینا مما تخیلتھ أو رجحتھ، وجدت الشجاعة لأسالھما عن غطاء الفراش المصنوع من الصوف، وذكرت لھما مبلغ اھتمام جدتي بھ؛ وقد فك سؤالي ھذا عقدة لسانیھما وراحا یحدثاني عن قصة غطاء الفراش، ولعلھما اعتقدا أن بوسعي أن أفھمھما بسھولة وأقدرھما. إني أذكر ھذا الغطاء تماما. لقد كانت أمي تحرص أن تضعھ محبكا تماما عند الأقدام فوق سریرھا الضخم. وقد حیك على نمط بدیع من الرسوم الھندسیة المستدیرة والبیضاویة. وأضافت زوجة خالي في صوت رقیق بدت فیھ رنة اعتذار وأسف: - أخشى أن أكون السبب في فكھ وحل حیاكتھ. فرد خالي بسرعة كمن ینفي عن نفسھ التھمة: - أجل. فاستطردت زوجتھ: - كانت الجوارب لا تقدر بثمن، ولم یعد عند أي فرد جوارب. ولھذا عمدت إلى حل حیاكة ركن واحد من الغطاء. فقال خالي مغتاظا: - أجل، لقد اشتھیت ھذا الجورب لتفسي صراحة. ولكن أشار بیده في حركة تسلیم وإذعان واضعا یده على معدتھ: - لقد كنت جائعا أنا الآخر. فأخذت الجورب ذات لیلة إلى مزارع أعرفھ، وعدت حاملا رطلین من الزبدة الطازجة. لقد كان ذلك الیوم عیدا مشھودا عندنا. أما الرطل الآخر فقد كفانا شھرا كاملا. على كل حالي لقد لبى غطاء الفراش حاجتنا من الزبدة لمدة عامین كاملین. وكم كان ینتابنا الفزع والرعب كلما رأیناه یتقلص ویتضاءل ویقرب من النھایة، إلى أسوأ ولا یبدو لھا نھایة. وھنا حدث ما اعتبرناه مأساة أو فجیعة أو سمھا كارثة إذا شنت. ذلك أن الخیوط الأخیرة التي فككناھا لم تكف إلا لعمل فردة واحدة من الجورب الأخیروھكذا ذھبت إلى صدیقنا المزارع وأنا أقـدم رجلا و أوخر رجلا. ولا أستطیع أن أصف لك كیف كنت مرتبكا ومضطربا. وتشجعت أخیرا فأخبرتھ بصراحة متلعثما أننى لا أملك سوى فردة واحدة. وھنا حدث أمر یصل إلى حد المعجزات. لقد ھجم علي المزارع یعانقني وھو یزجي عبارات الشكر والعرفان بالجمیل، وأحضر رطلین كاملین من الزبدة نظیر ھذه الفردة الوحیدة فأجابني بقولھ: - لقد كانت زوجتي تحل حیاكة الجوارب التي ابتاعھا منك، وتحیك من صوفھا غطاء للفراش. وساد صمت طویل ثم قال خالي: ھكذا یمكنك أن تخبر جدتك أن غطاءھا سلیم، ولكن الحرب غیرت رسومھ وھندستھ.