ليس من يكتب بالحبر كمن يكتب بدم القلب.أما أنا فقد سكت لأن آذان العالم قد انصرفت عن همس الضعفاء وأنينهم إلى عويل الهاوية وضحتها، ومن الحكمة أن يسكت الضعيف عندما تتكلم القوى الكامنة في ضمير الوجود تلكالقوى التي لا ترضى بغير المدافع السنة ولا تقنع بسوى القنابل الفاظا.نحن الآن في زمن أصغر صغائره أكبر من كبائر ما تقدمه. فالأمور التي كانت تشغل أفكارنا وميولنا وعواطفنا قد انزوت في الظل. والمسائل والمشاكل التي كانت تتلاعب بآرائنا ومبادئنا قد توارت وراء نقاب من الإهمال.وتتنفس كالبراكين.وما عسى أن يصير إليه العالم بعد أن تنتهي الجبابرة من صراعها ؟ هل يعود القروي إلى حقله حيثزرع الموت جماجم القتلى ؟ هل يقود الراعي مواشيه إلى مروج مزقت أديمها السيوف ويُوردها مناهل يمتزج ماؤها بنجيع الدماء؟ هل يركع العابد في هيكل رقصت فيه الشياطين، ويُنعم المنشد أغانيه في ليل عانقت سكينته الأهوال؟ هل تجلس الأم بجانب سرير رضيعها مرتلة بهدوء أغاني النوم وهي لا ترتجف وجَلاً (1) مما سيجلبه الغد؟ هل يلتقي الحبيب بحبيبته ويتبادلان القبل حيث التقى العدو بعدوّه وتبادلا القذائف؟ وهل يعود نيسان إلى الأرض ويستر بقميصه أعضاءها المكلومة؟ ليت شعري هل يعود نيسان إلى الحقول ؟ وما عسى تصير إليه بلادكم وبلادي ؟ وأي من الجبابرة يضع يده على تلك التلال والهضبات التي أنبتتنا وصيرتنا رجالا ونساء أماموجه الشمس؟.. كلما خلوت بنفسي أطرح عليها هذه السؤالات، غير أن النفس كالقضاء تبصر و لا تكلم وتمر ولكنها لا تلتفت، فهي ذات عيون الله الناس لم يسأل نفسه في كل يوم وليلة عن مصير الأرض وسكانها بعد أن تختمر الجبابرة من دموع الأرامل والأيتام ؟أنا من القائلين بسنة النشوء والارتقاء (2)، فتنتقل بالأديان والحكومات من الحسن إلى الأحسن التقالها المالية اولية الكالا ال الى الأنسب فلا رجوع إلى الوراء إلا في الظاهر ولا انحطاط الأمي السطحي.ولسنة الارتقاء مبل متشعبة يتفرع بعضها من بعض ولكنها متلازمة الأصول، ومظاهر قاسية ظالمة مظلمة تنكرها الأفكار المحدودة وتتمرد عليها القلوب الضعيفة، أما خفاياها معادلة منيرة، متمسكة بحق أسمى من حقوق الأفراد، محدقة إلى غرض أعلى من مرام الجماعة، مصغية إلى صوت يغمر بهوله وعذوبته تنهدات المنكوبين وغصات المتوجعين.حولي بكل مكان أقرام يرون عن بعد أشباح الجبابرة متناضلين ويسمعون في المنام صدى تهاليلهم فيضحون كالصفادع قائلين : قد رجع العالم إلى فطرته الوضيعة. فما بنته الأجيال بالعلم والفن قد هدمه الإنسان الوحشي بالطمع والأنانية، ويحللون مراد الوجود بالفكرة القصيرة التي يستخدمونها لحفظ وجودهم الفردي. فكان الشمس لم تكن إلا لتدفئتهم، وكأن البحر لم يوجد إلا لغسل أرجلهم.من أحشاء الحياة، من وراء المرئيات، من أعماق الكون المدير حيث تصان أسرار الكون المدير قد انبثق الجبابرة كالريح وتصاعدوا كالغيوم ثم تلاقوا كالجبال وهم الآن يتصارعون ليحلوا مشكلة في الأرض لا يحلها غير الصراع.أما البشر وكل ما في رؤوسهم من المدارك والمعارف،