إن " تعليم الكبار" هدف من أهداف الإسلامية . كان "تعليم الصغار" فيما بعد، حينما ظهر أن تعليم الكبار يتطلب أعدادهم مسبقا، ومن ثم كان منطقيا أن يعد الرسول القائد في المدرسة الإلهية. وألا يكلف بالرسالة إلا في سن الأربعين حيث كان قد إستصفيت روحه "صلى الله عليه وسلم"، وصار أهلا لما ينتظره من مسئولية كبرى وتبعه عظمى. وكان منطقيا كذلك أن يعد الرسول القائد والمعلم، الذين آمنوا به فجر الدعوة الإسلامية. في دار الأرقام ابن أبي الأرقم أكبر دار لتخريج القادة عرفها التاريخ، فقد حمل خريجو هذه الدار مع الرسول الأمانة في حياته الشريفة، وكان منطقياً كذلك أن يحل (المسجد) محل (دار الأرقم)، وصارت (دار الأرقم) تضيق بالأعداد الكثيرة التي أقبلت على الإسلام، وأرادت في صدق أن تعرف عن الإسلام، منذ ظهوره في فجر الدعوة الإسلامية، لتواكب (حركة الحياة) في المجتمع (العلوم الفلسفية)، في عهد عمر بن الخطاب، فيدرس فيه "الفلسفة والمنطق الحديث والبلاغة والفقه"، بعد أن كان المسلمون بعد وفاة الرسول والاحتكاك بالثقافات الأجنبية، واسترسلوا في التساؤل وصارت (الفلسفة) ضرورة من ضرورات الحياة الفكرية في المجتمع الإسلامي. واستجابة لحركة الحياة في المجتمع الإسلامي ظهرت إلى جانب المسجد دار الحكمة، للقيام بحركة الترجمة عن اللغات الأجنبية أول الأمر، ولذلك يعتبرها هانز "أول جامعة إسلامية"وإلى جانب (المسجد) و (دار الحكمة) ظهرت بعد ذلك (قصور الخلفاء)، و (الدور والقصور) و (المكتبات). ويرى الدكتور أحمد شلبي، أن بعض الدور كانت تعتبر بمثابة مؤسسات علمية متخصصة، (يحج) إليها طلاب العلم المتخصصون، في فرع من فروع المعرفة من كل مكان، منها منزل الرئيس ابن سينا وكذلك دار الإمام الغزالي التي كان يستقبل تلاميذه فيها بعد اعتكافه، الأموي بدت الحاجة ماسة إلى تعليم الصغار في مكان خاص بهم، خوفاً على الجامع من عبث الأطفال وعدم تقيدهم بأصول النظافة. وكما ظل المسجد يرافق نظام تعليم الكبار في الإسلام، منذ مشرق الدعوة الإسلامية وحتى اليوم، ظل (الكتاب) يرافق نظام تعليم الأطفال منذ العصر الأموي، رغم إنشاء (نظام المدرسة) في نيسابور في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، وانتشار هذا النظام في العالم الإسلامي، يعد إنشاء (المدرسة النظامية) في بغداد إلى الشام، ومنها انتقلت المدرسة "إلى مصر، على يد صلاح الدين، وذلك منذ ٥٦٧ ه ( ١١٧١ م)، ثم ظهرت في شمال أفريقيا بعد ذلك بما يقرب من قرن". وقد تنوعت الكتاتيب – في الإسلام – وتعددت، فإن الدراسة في هذه المرحلة الأولى لم تكن ارتجالية، ولم يترك للمعلم أمر اختيار موضوعات الدراسة كيفما يشاء، لها برامج يتوخاها المعلمون في مختلف الكتاتيب، وذلك لإعداد التلاميذ للدراسة في حلقات الجوامع، أو في المدارس المختلفة التي أنشئت في العصر العباسي. من الأهمية بمكان أن نوضح ضرورة خلق لدى الكبار لكي يتعلموا وهناك حوافز مادية تناولها والكثيرون لكي يحفزوا الكبار على التعليم، غير أننا نعتقد أن شعبنا في الأمة العربية يؤمن بالدين إيمانا عميقاً، ولذلك يجب توضيح ما يتطلبه الدين في هذا الشأن، فالتعليم يؤدي إلى معرفة العلم والعلم يوضح آفاق العقل، وهما أمران متلازمان وقد رفع الله من شأن العلم والعلماء بل جعل خشية الله لا تكون إلا من العلماء، "إنما يخشى الله من عباده العلماء"، وهناك الكثير من الآيات التي تحض على التعليم، وكانت أول آية نزلت في القرآن الكريم تشيد بشأن العلم وتأمر به: فلنقرأ معا سورة العلق: "اقرأ باسم ربك الذي خلق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم" ونحن نجد في هذه السورة الكريمة دعوة إلى القراءة والتعلم. يفتتح سورة القلم بالآية الكريمة "ن والقلم وما يسطرون"، أي أن الله سبحانه وتعالى يقسم بالقلم الذي نستخدمه في الكتابة، تأكيدا للخير الذي يعود على الناس من الكتابة السليمة التي تنفعهم. كما جاء في سورة الطور: "والطور وكتاب مسطور في رق منشور". فمن المعلوم أن أدوات التعليم هي: قلم يكتب، ومداد يوضح ومادة يكتب عليها، وقد أقسم الله بهذه الأدوات الثلاثة فيما ذكرناه من الآيات، وهي الدواة على ما ذهب إليه جمهور المفسرين وأقسم بالقلم، وجد أن الله سبحانه وتعالى يقسم بكثير من مخلوقات تنويها بشأنها. وينبغي علينا أن نوجه النظر إلى الحقيقة التي أكدها القرآن الكريم في أكثر من موضع، فيقول سبحانه وتعالى في سورة النحل: "فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" والذكر هنا هو العلم على رأي جمهور المفسرين، بدليل قوله: " إن كنتم لا تعلمون"، فإن أمر من لا يعلم أن يسأل عما لا يعلم لا يكون إلا بالسؤال من العلماء. ومما لا شك فيه أنه توجد في الديانات السماوية الكثير من التعاليم التي تحفز الناس على التعليم، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". و "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع". و "العالم والمتعلم شريكان في الأجر ولا خير في سائر الناس بعد". والدين يدعو الإنسان إلى أن يتعلم إلى أقصى الدرجات التي يستطيع أن يستوعبها عقله. فليس هناك حدا للعلم أو التعلم الذي ينتهي عنده العلم بل ينبغي على الإنسان أن يواصل البحث والتعلم. وعليه أن يبتعد عن غرور "أنصاف" العلماء الذين يظنون أنهم علموا كل شيء فليست هذه الصفة إلا لله وحده، "إن الله بكل شيء عليم" ونحن إتماما للفائدة نضع أمام القارئ الآيات الكريمة الآتية: ففي سورة الإسراء: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا". وفي سورة طه: "قل رب زدني علماً". وفي سورة يوسف: "وفوق كل ذي علم عليم". خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فأثنى على طوائف من المسلمين خيرا، ثم قال: "ما بال أقوال لا يفقهون جيرانهم ولا يعلمونهم ولا يعظونهم ولا ينهونهم ؟. وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون ؟. والله ليعلمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم وليتعلمن من قوم جيرانهم ويتفقهون ويتعظون أو لا عاجلنهم العقوبة. ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قوم: من ترونه عنى بهؤلاء قل: الأشعرين، هم قوم فقهاء ولهم جيران جفاة من أهل المناة والأعراب فبلغ ذلك الأشعرين فاتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله "ذكرت أقواما بخير وذكرتنا بشر، فما بالنا ؟ فقال: ليعلمن قوم جيرانهم وليعظنهم وليأمرنهم ولينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتعظون ويتفقهون، أو لا عالجتهم العقوبة في الدنيا فقالوا يا رسول الله: أنفطن غيرنا ؟. وأعادوا قولهم: أنفطن غيرنا ؟ فقال ذلك أيضا فقالوا: أمهلنا سنة فأمهلهم سنة ليفقهونهم ويعلمونهم، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: "لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، وأنك لترى في هذا الحديث من الحقائق ما يجدر التنبيه إليها: - فالرسول عليه السلام لم يقر قوما على الجهالة بجانب قوم متعلمين. - واعتبر بقاء الجاهلين على جهلهم وامتناع المتعلمين عن تعليمهم عصيانا لأوامر الله وشريعته. - واعتبر ذلك أيضا "عدوانا" و "منكراً" يوجبان اللعنة والعذاب. - وأعلن الحرب والعقوبة على الفريقين حتى يبادروا إلى التعلم والتعليم. - وأعطاهم لذلك مهلة عام واحد للقضاء على آثار الجهالة فيما بينهم. "ولئن كانت الحادثة قد وردت بشأن الاشعرين العلماء وجيرانهم الجهلاء. فإن الرسول (ص) أعلى ذلك المبدأ بصفة عامة، لا بخصوص الأشعريين وحدهم بدليل أن الأشعر يين لما جاءوا يسألونه عن سر تخصيصهم بهذا الإنكار كما فهم الناس، بل أعاد القوم العام الذي سلف ثلاث مرات دون أن يخصصه بالأشعرين، إشعاراً بأن القضية قضية مبدأ عام غير مخصوص بفئة ولا عصر معين. وبذلك يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعلن مكافحة الأمية قبل أن تعلنه الدول المتحضرة في عصرنا هذا أربعة عشر قرنا، وأن هذا لعجب أن يصدر من نبي أمي في بيئة أمية لولا أنه رسول الله". ويؤكد العلماء والمفسرون أن مدلول العلم يمتد لكل علم نافع مفيد للأمة في شئون الدين والدنيا، وكما يؤكد العلماء على أن الإسلام يرفض على العالم أن يعلم. وأنه من الواجب على الإنسان أن يسعى لتحصيل العلم، وعلى الدولة والمجتمع أن تيسرا له الوصول إلى هذا الحق، وبهذا تكون الشريعة السمحاء قد وضعت المنهج القويم لمحو الأمية، وكذلك تحفز الكبار لكي يتعلموا، وكما أحيا العلم قلوبا أماتتها الجهالات، وأثار عقولاً أطبقت ليها الظلومات، ويصدق فيها قول الرسول عليه الصلاة والسلام. "ما اكتسب ابن آدم أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يرده عن ردى". فالعقل المكتمل يدرك الشر على حقيقته، ويدرك الخير على حقيقته، وهذا الإدراك من أكبر الحوافز على كره الشر ومحاولة الابتعاد عنه، وعلى حب الخير والعمل على الاستزادة منه، ويستطيع أن يخضعها الصالح العام ويضعه فوق كل اعتبار، والتأمل ويجمع العلماء على أن العلم السليم يسهم في إيجاد العقل السليم، والعقل السليم دائماً وأبداً ضابطاً من ضوابط النفس وعاصماً من جموح الغرائز، فالنفس البشرية قد تدفعها مطامعها إلى الشر، ولكن العقل السليم يعصمها ويهيبها الإرادة وكل تربية فاضلة، فإذا حققنا ذلك في الكبار تأكد لنا ضمنيا أننا سنحقق ذلك على نطاق واسع في الصغار أيضا. فالتربية كما يقولون تحاول أن تجعل من الطفل رجلا، وعلى الضد من ذلك تعمل التربية الفاسدة، سواء في البيت أو في المدرسة على خلق أشباح ضعيفة الإرادة، ولا تصدق في جهاد ومن أجل هذا، ينبغي علينا جميعا أن نؤمن بالفائدة العظمى للتعليم والتعلم، وتؤمن على وجه الخصوص بضرورة تعبئة الجهود لتعليم الكبار. إن القول المأثور الذي توارد في التراث ونسب إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "اطلب العلم من المهد إلى اللحد". لم يحدد الفترة الزمنية لطلب العلم أو المرحلة العمرية، بل حدد وأكد ضرورة الطلب المستمر العلم. وهذا القول المأثور الذي تناقله التراث العربي الإ سلامي وارتبط بأحكام التربية وتشريعاتها يدل على إلزام عام دون تفريق بين الكبير والصغير وبين الذكر والأنثى وبين التعلم والتعليم. وهذا الإطلاق "سواء في هذا القول أو في الأحاديث الشريفة التي تحث على التعلم وطلب العلم ونشره" يدعو إلى التأمل في نوع هذا الطلب ونوع العلم المطلوب، وبعض النظر عنهما فقد لا تجد إلا الإقرار بأن هذا النوع من الطلب كان يمثل مطلبا عامل وضرورة اجتماعية قائمة فضلا عن ضروراتها الفردية وذلك يحكم المبادئ الأساسية للدعوة الإسلامية التي تدعو إلى بناء الإنسان وبناء علاقاته الفردية والاجتماعية مع الخالق والعباد على أسس جديدة غير محكومة بأحكام العرف والتقاليد إلا بما يضمن انسجامهما مع الشريعة. إن الدعوة الإسلامية لم تقم على المحاكاة والتقليد بقدر ما كانت قائمة على ضرورة الاستيعاب والتدبر، ومن ثم التطبيق القائم على الاقتناع وذلك لكون الإسلام دينا متكاملا يمثل خاتم الأديان والدلائل البشرية والقوانين الطبيعية والحياة، فالتربية المستمرة لهذا المفهوم كانت مطلبا أيضا لتحقيق هذه الغاية، ولولا التأكيد على تبنيها لغات أبواب العلم والتزود بهم قفله إزاء الفقهاء والمربين والعلماء، في الوقت الذي تراهم يستنبطون الأحكام الدينية في التعلم والتعليم ونشر العلم التزاما بالشريعة واجتهادا مبررا فيها، ولولا هذا التأكيد أيضا لما كنا نجد هذا الحشد الكبير من الفقهاء والعلماء والمجتهدين الذين كان طلب العلم والاستزادة فيه جانبا رئيسيا من سلوكهم اليومي. ثم إن تعليم الكبار أو التربية المستمرة (بهذا المعنى) مطلب ديني فضلا عن كونها مطلبا حياتيا، فالدعوة الإسلامية تمتاز عن غيرها بتأكيدها على الربط بين الدين والحياة وبين السلوك اليومي المعاش والالتزامات الدينية وبين العلم والعمل دون تحديد أو تقييد للمرحلة العمرية إلا بما يتناسب والمدركات العقلية والقدرات الفكرية أو العضلية لأفراد المجتمع وبالشكل الذي يضمن سلامة النظام الاجتماعي. كعملية ذات أبعاد اجتماعية، لا يمكن دراستها أو استكشاف أبعادها في السلوك الفردي أو الاجتماعي إلا من خلال إثبات كونها تمثل في مداها القريب (مسئولية فردية) وفي مداها البعيد (مسئولية اجتماعية). فهي كمسئولية فردية يمكن من خلال استقراء أغراض التعليم الأساسية في الإسلام. حيث كانت تنحوا نحو إسعاد الفرد في دنياه وأخره، وإن سعادة المجتمع مقرونة بمدى تكاملية هذه العملية وبمدى تحقق أغراض التعليم الدينية والدنيوية. قال تعالي: "وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا"". وقوله تعالى: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". وقوله تعالى: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات". وقوله تعالى: "إنما يخشى الله من عباده العلماء". وقوله تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون". وفي الأحاديث الشريفة: - (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة). - (الناس رجلان: عالم ومتعلم، وهنا تأكيد واضح على طلب العلم والاستمرار في هذا الطلب دون تحديد للمرحلة العمرية أو لطبيعة المعرفة العلمية والإنسانية المطلوبة. إن استنباط المسئولية الفردية في التعليم يقوم على أساس من التأكيدات المباشرة على طلب العلم ونشره من خلال الآيات الكريمات والأحاديث الشريفة، فضلا عن أن الدين الإسلامي قائم على أركان خمسة يتطلب الإيفاء بها أو الإيفاء ببعضهما على الأقل (كالصلاة والزكاة والحج) ضرورة التعلم والتفقه، فمتطلبات أداء العبادات بالوجه المطلوب والقيام بالتعامل مع الآخرين في الأسرة وفي العمل وطبيعة التعايش الاجتماعي تفرض على الفرد (شاء أم أبى) الانسياق نحو التعلم بأية صورة من الصور وبأي مستوى من المستويات، وإن كان التأكيد كبيراً على عدم الانقطاع عن التعلم في أي عمر من الأعمار "لا خير فيمن كان من أمتي ليس بعالم أو متعلم)، فالعملية التعليمية مستمرة ما دامت القدرة التعليمية قائمة وما دام العلم في تطور واتساع نتيجة ذلك. فالمسئولية الفردية قائمة ومستمرة ما دام العلم وطلبه مطلبا رئيسا من مطالب التدين والتمدين. أما المسئولية الاجتماعية في التربية المستمرة، فتبدو من خلال الأمور الآتي: الأول: التأكيد على أن الفرد مسئول وبالشكل الذي يضمن سلامة النظام الاجتماعي وسلامة تطبيق بحكم الضرورات الدينية بطلب العلم ومسئول بحكم الضرورات الحياتية بالاستزادة فيه، ومسئول بحكم الضرورات الاجتماعية بدعوة غيره إليه ونشره فضلا عن أن المبادئ الأساسية في التكافل الاجتماعي الإسلامي تحت ضرورة التعاون في توفير الفرص التعليمية لأفراد المجتمع ونشر العلم بينهم. الثاني: التأكيد على أن المسئولية الفردية في التربية لا تقف عند حدود طلب العلم والاستزادة فيه بل يتعدى ذلك إلى مسئوليته في نشر العلم سواء بالمستوى الفردي أو الجماعي. وبالشكل الذي يضمن سلامة النظام الاجتماعي وسلامة تطبيق الشريعة كدستور حياتي للمجتمع. الثالث: إن التأكيد على العلم لم يرد في مجمل الشواهد النصية سواء في النصوص القرآنية أو في الأحاديث النبوية إلا مقروناً بالعمل. (فالعلم والعمل به) هو الأساس في مثل هذا التأكيد، والمنفعة (الفردية والاجتماعية) مطلوبة في طلب العلم. ولعل في الشواهد الآتية تبريرا لما سبق، التأكيد عليه من المسئولية الاجتماعية: ١- فقد ورد في رواية ابن عساكر أبي الرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كيف أنت يا عويمر إذا قيل لك يوم القيامة، أعلمت أم جهلت ؟ فإن قلت علمت قيل لك: فماذا عملت فيمت علمت؟ وإن قلت جهلت قيل لك: فما كان عذرك فيما جهلت ؟ ألا تعلمت". ٢- وروي أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سئل عن علم فكتمه الجم يوم القيامة بلجام من نار) وعن عبد الرحمن بن لأيزي قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فائتني على طوائف المسلمين خيرا ثم قال: (ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ؟ ولا يعلمونهم ؟ ولا يعظونهم ؟ ولا يأمرونهم ؟ ولا ينهونهم ؟ وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون والله ليعلمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفقهون ويتعظون. ٣- روي مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له). ٤- وروي الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع). ٥- كما روي الطيراني عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما تصدق الناس بصدقة مثل علم ينشر). ٦- قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أرادهما معا فعليه بالعلم). وحسبنا أن نستدل من هذا الحديث أن العلم في نظر الرسول الكريم هو قوام الدنيا والدين. وتتضح من الأحاديث الشريفة السابقة توجيهات الرسول صلي الله عليه وسلم إلى أمته في: - تعلم ما لا غنى في حياة كل فرد من أفراد الأمة. - العمل بمقتضى العلم (أي حدوث عملية التعلم أو التدبير في السلوك بالمفهوم الحديث). - إن الفرد لا يستطيع التهرب من مسئوليته الاجتماعية في طلب العلم ونشره والعمل به. وهذا آت من حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يبصرهم بمسئولياتهم لكي يتبين كل منهم حالة ويتصور مصيره، لذا نجده عليه الصلاة والسلام يقوم بتعليم الصحابة بأمور دينهم، ويتولى إرشادهم إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة ويحذرهم من البقاء على الجهل وينذرهم بالعقاب الشديد في حالة كتم العلم وعدم إفادة السائلين عنه. – ٧- وفي القرن الرابع الهجري تصدى القابسي القيرواني ( ٣٢٤ ٤٠٣ ه) إلى مسألة مؤداها أن تعليم جميع أبناء المس لمين (أغنياء كانوا أو فقراء). واجب إجباري وقد تطرق القابسي أيضا إلى التزام المجتمع بإلزامية التعليم حيث أجاب عن سؤال حول حالة الوالد الذي يمتنع عن إرسال ابنه إلى الكتاب لتلقي العلم والدين هل للإمام يجبره ؟ إذا أجاب: بأن الإمام لا يجبر بل يوعظ ويؤلم ولكون القابسي (شأنه شأن الفقهاء الآخرين) ثم يجد دليلا شرعيا من الكتاب أو السنة أو الإجماع يوجب عقاب الوالد في حالة امتناعه عن إرسال ولده إلى التعليم، فقد امتنع لإقرار الإجبار، ولكن له فضل السبق في عرض هذه المسألة الخطيرة على بساط البحث والمناقشة وبذلك فتح باب واس عا للفقهاء والمربين من بعده في دراسة هذا الجانب الاجتماعي من التربية. ٨- فسر (الغزالي) الحديث الشريف (طلب العلم فريضة على كل مسلم) بقوله: أن الناس اختلفوا في العلم المفروض على كل مسلم، فقال المتكلمون إنه عالم الكلام إذ يدرك به التوحيد، وقال الفقهاء هو علم الفقه إذ تعرف به العبادات والحلال والحرام، وقال المحدثون والمفسرون هو علم الكتاب والسنة، وقال المتصوفون إنه المراد به هذا العلم، أما رأي الغزالي فيه فإنه علم المعاملة التي كلف العبد العاقل البالغ العمل به، أما فرض الكفاية فهي تلك العلوم التي تستوجب معرفتها للاستزادة في معرفة الدين كاللغة والنحو والتفسير والحساب . كما أشار (ابن رشد) إلى أنه (كما يجب على المتعلم التعلم فكذلك يجب على العالم التعليم) مستندا إلى قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون). ٩- يرى (الغزالي) إن العلم الذي لا يستعمله الإنسان في نفع البشر إنما هو علم عديم القيمة، وهو يضع مراتب العلم فيقول إن العلم يجب أن يقترن بالعمل والعمل والإخلاص فيه ولا أدل على ذلك من قوله في فاتحة العلوم (الناس كلهم هلكي إلا العالمون و العالمون كلهم هلكي إلا والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون. وبعد فقد يثار السؤال الآتي: (هل كان للتربية المستمرة مفهوم واضح في التراث يمكن استدلال عليه من النصوص المذكورة أو من غيرها؟). ويمكننا أن نجيب: إن التربية المستمرة كانت واقعا معاشا بحكم الضرورات الدينية والحياة الاجتماعية. والشواهد كثيرة على ذلك وإن لم تنشر في بعضها إلى بروز هذا المفهوم كالذي نفهمه اليوم، إلا أنه يثبت بما لا يدعو إلى الشك، إن التربية من خلال التنشئة الاجتماعية والتعلم المستمر، لم يكن لها سقف زمني أو حدود تنتهي إليها ومع أنها كانت (في أغراضها) تتأرجح بين الفردية تارة والاجتماعية تارة أخرى، إلا أنها استمرت كعرف ديني واجتماعي وإن كانت الظروف الاجتماعية في بعض الأحيان تعرقلها أو تمنع انسيابيتها في حياة الأمة وأفرادها كافة. عرف منهج التعليم في الإسلام للكبار والصغار على حد سواء المواد العامة التي يجب أن يدرسها الناس جميعا، قبل أن تعرفها الحضارة الغربية الحديثة، بحوالي اثني عشر قرنا من الزمان. وكان الهدف من جميع المواد بين العموم والخصوص على هذا النحو في الإسلام، مختلفا عنه في الحضارة الغربية المعاصرة. فالمواد العامة تأتي في الحضارة الغربية المعاصرة، لتخلق (المواطن الصالح) ولتعده للحياة في مجتمع، ولتوفر فرصة اكتشاف المواهب والإمكانيات، هو خلق هذا (المواطن الصالح) والاهتمام بنموه العقلي والجسدي والنفسي، مع زيادة في الاهتمام بتنمية حياته الروحية، حتى إن كثيرا من الدارسين يرون أن هدف التربية الإسلامية يتلخص في كلمة واحدة، هي "الفضيلة" وعلى أن التربية الخلقية "هي روح التربية الإسلامية، وعلى أن تركيزها ينصب بالدرجة الأولى على تنمية (الوازع الداخلي) الذي به يحاسب الإنسان نفسه، كما هو الحال في الحضارة الغربية المعاصرة. وما دامت الروح والخلق والضمير، ومن ثم يصبح اتخاذه من السنة المطهرة محورا للدراسة محققا لأهداف دينية، ولأهداف دنيوية نبيلة أيضا. ويصبح ممكنا كذلك اتخاذه محورا للتربية الإسلامية كلها للصغار على السواء. تتحملها عقلياتهم وخبراتهم وفيه ما يتفق مع عقول الكبار، على اختلاف اهتمام تهتم، فرجل الاقتصاد يجد فيه نظام اقتصاديا متكاملا يغنيه ويشبعه، ورجل القانون يجد فيه قانونا كاملا متكاملا، وظلت رغم التخصص في غيرهما بعد الكبر دراسة مصاحبة للدارس الإسلامي الكبير. ويكاد علماء المسلمين يقسمون العلوم من حيث وجوبها إلى "نوعين": ١- ما هو فرض عين: وهو ما يطلب تعلمه وجوبا من كل فرد مكلف، ٢- ما هو فرض كفاية: وهو كل ما يحتاج المجتمع إليه، من غير نظر إلى شخص بذاته، أي كل ما يحتاج إليه في شئون المجتمع، من تجارة وطب واقتصاد وهندسة وكيمياء وفيزياء وكهرباء، وكذا صناعة الأسلحة والذخائر، واستخدم لفظ (الأجهزة) كما نفهمه نحن اليوم، بعيدا عن واقع تعليم الكبار في الإسلام، كما رأيناه في القرون الإسلامية الستة الأولى، ولكنه ليس ببعيد على الإطلاق عن روح الإسلام، كأن لم يكن موجودا في عهد الرسول الكريم، ولا في عهد خليفته أبي بكر، وقد رأينا تعليم الكبار في الإسلام أو ما رأيناه كما سبق في غار حراء، ثم رأينا صورة من تعليم الكبار في الإسلام في محو الأمية الأبجدية، التي سعي الرسول الكريم إلى محوها، واتخذ من هذا المحو وسيلة من وسائل افتداء أسرى بدر من الكفار، كما تحدثنا بذلك كتب التاريخ. التي صارت في العصر العباسي جزأ لا يتجزأ من (البيت الإسلامي). بل ورأينا صورا من تعليم الكبار في الإسلام في الشارع الإسلامي، حيث الصغير يقتدي بالكبير، والأقل علما يستشير الأكثر علما وحيث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أو تدافعا على الاستشهاد في سبيل الله، على أن هذا الجهاز كان موجودا، وإن لم يدل على وجوده مبنى مشيد، أو جهاز إداري محدد. ولقد كان هذا الجهاز موجودا في حركة الحياة اليومية في تلك المجتمع الإسلامي وكان أكثر فعالية من الأجهزة المعاصرة، التي تدل عليها مبان مشيدة وأجهزة محددة. وما يحدث ويقال في قصر من القصور أو دار من الدور. فقد أصبحنا مع الأسف نهتم بزخرفة المساجد وتزينها، ونسرف في بنائها رغم نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، روي ابن ماجة عن طريق عمرو بن ميمون عن عمر رضي الله تعالى عنه مرفوعا، "ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم". وقال بن عباس: "لتزخرفوها كما زخرفة اليهود والنصارى". وكاد الأمر أن يكون على عكس ما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أصبح المسجد عظيم البنيان، وقليل من الدروس الدينية، هذا على الرغم من أن الحاجة إلى العديد من وظائف المسجد التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زالت قائمة. ولنأخذ بعض أمثلة من احتياجات المجتمع المعاصر لبعض وظائف المسجد يعاني المجتمع في الدول الإسلامية عامة من تفشي الأمية، وفي البلاد العربية ما يقرب من خمسين مليون أمي، بينما يخص ديننا على القراءة والتعلم، والمسجد يمكن أن يقوم بدوره في تعليم الأميين تعليما يربطهم بدينهم ويمكن لهم من عبادة الله سبحانه وتعالى عبادة قائمة على العلم والمعرفة. نسبة كبيرة من أبنائنا يقف تعليمها عند المرحلة الابتدائية، ولم تكن بعد قد أعدت للحياة إعدادا سليما، ويشوب إعدادها كثير من أوجه النقض سواء في مهارات القراءة والكتابة أو في الثقافة العامة أو في الثقافة الدينية أو في الإعداد للعمل، والمسجد يمكن له أن يقدم لهم أنواعا من التعليم مفيدة، كما يمكن أن يتعاون مع المؤسسات لرخري الموجودة في المجتمع أو يعمل على إنشاء وحدات للتدريب مجاورة له تعين هؤلاء على اكتساب رزقهم من عمل شريف يهيئ لهم دخولا مناسبة ويحقق للمجتمع نموا اقتصاديا. كثير من مدارسنا ومعاهدنا تقدم التربية الدينية بصورة هامشية أو يغلب عليها الطابع التلقيني، ويمكن للمسجد أن يسد هذه الثغرات، وأن يقوم بدور في بناء الإنسان العابد الصالح. كثير من الكبار المتعلمين يحتاجون إلى مزيد من العلم في جوانب متعددة ومتنوعة تعينهم على التعرف على مجالات جديدة في العلم والمعرفة، وتساعدهم على أداء أعمالهم، وكأعضاء صالحين في المجتمع ولا يكادون يجدون مؤسسات تقدم لهم ما يحتاجون إليه. والمسجد يمكن أن يستعين بذوي الخبرات والمعرفة في شتى المجالات من الصالحين المقيمين في البيئة ليقدموا محاضرات عامة تفيد الناس، كما يمكن أن يقيم مكتبة مزودة بالكتب الدينية والعلمية والثقافية الهامة والمفيدة وبذلك يحقق الربط العضوي الفعلي بين العلم والدين، وبين العمل للدنيا والعمل للآخرة. ما تزال مجتمعاتنا العربية تعاني من التخلف الاجتماعي والاقتصادي وخاصة في الريف والبادية، والمسجد قادر على أن يشارك في تنمية المجتمع وتطويره ودفعه إلى التقدم، فإمام المسجد الجامع له مكانته في نفوس الناس يحترمونه لما يحمله من علم ويجلونه لوظيفته الدينية القيادية، ويمكن له لو درب على أساليب وطرائق تنمية المجتمع أن يشارك الناس في حل مشاكل بيئاتهم، وأن يخلق لديهم الدافع للتغلب على ما يواجهون من صعوبات، ويتبادل معهم الرأي في أفضل الطرق لقيام مشروعات تنمية المجتمع، ويكون رائدا اجتماعيا يعينهم على تنظيم هذه المشروعات وإدارتها وتمويلها مستعينا في ذلك بالكفاءات البشرية المتوافرة في البيئة، منظم للجهود دافع للعزيمة، يعزز عمل الناس بروح الإيمان، وفي قاعة للاجتماعات ملحقة يمكن للإمام مع أهل القرية أو البادية أن يقود حركة التقدم الاجتماعي متعاونا مع كافة المؤسسات الموجودة في بيئته. هذا قليل من كثير مما يمكن أن يقوم به المسجد اليوم في المجتمع المعاصر محققا بذلك رسالة المسجد في تعليم الكبار الذي نعني به. تعليم الكبار له طبيعة خاصة تميزه عن التعليم النظامي في المدارس والمعاهد والجامعات، وأهم ما يميزه أنه يعني بتعليم الكبار من الرجال والنساء لا الأطفال الذين لا تتاح لهم أوقات محددة للدراسة، كما تعني تعليم الكبار بأنشطة الشباب خارج حدود المدارس، بالإضافة إلى هذان فإن تعليم الكبار ينبغي أن يهتم في بلادنا العربية بصفة مؤقتة وضرورية يتقدم التسهيلات التربوية والتعليمية للأطفال الذين لا يجدون الفرص للحصول على التعليم الإلزامي. إن تعليم الكبار يعتني بالحصول على أي حقيقة من حقائق المعرفة، أو بإتقان أي مهارة عملية وفنية وعملية لو بالإيمان بأي اتجاه سليم، وذلك بدءا من عملية القراءة والكتابة إلى أعقد أمور التخصص وأرفع درجات المعرفة والثقافة.إن تعليم الكبار يخدم الأميين كما يخدم عليه القوم من العلماء والمثقفين والمتخصصين، إنه عملية تستمر مدى حياة الفرد من المهد إلى اللحد. إن تعليم الكبار ينبغي أن يشغل نفسه بخدمة احتياجات الكبار المختلفة ويعني كذلك بمحاولة إيجاد ثقافة متجانسة في المجتمع تصل حضارتنا الأصلية بالحضارة المعاصرة، ويعينه على فهم زاد الآخرين. ليستفيد منها الشباب والكبار خارج حدود أنشطة التعليم النظامي في المدارس والجامعات، هادفة إلى زيادة كفاءة الفرد وقدرته الاجتماعية والثقافية والسياسية، وهادفة إلى تصحيح نواحي القصور التي كانت نتيجة التعليم النظامي حيثما توجد، كذلك هادفة إلى مساعد الفرد على تحقيق طموحه الشخصي في الوقت الحاضر وفي المستقبل من النواحي المهنية وغيرها، وذلك كله من أجل حياة أفضل وأغنى للفرد، وهادفة كذلك في نفس الوقت التي تدم المجتمع ورفاهيته في كل جانب من جوانبه البشرية والمادية والطبيعية على السواء. إن المسجد يمكن أن يكون مركزا لتعليم الكبار بهذا المعنى، فيكسب العمل به روحا دينية خلاقة، ويحقق التكامل بين العمل الديني والدنيوي، وكلاهما في شريعة الله سبحانه وتعالى عمل متصل من أعمال العبادة وتتميز المساجد عن غيرها من كثير من مؤسسات تعليم الكبار بالإضافة إلى دورها الديني الهام أنها لا تمنع صغيرا أو كبيرا رجلا أو امرأة من ارتيادها والاستفادة من خدماتها، وهي بذلك تكون كما كانت أحدث نموذج في عالمنا المعاصر لمؤسسة تحقق فلسفة التعليم المستمر دون قيود أو شروط كما يمكن أن يكون المسجد الجامع في نفس الوقت مركزا لتنمية المجتمع وربط هذه الجهود بالدين. لنبدأ من قرارات وتوصيات مؤتمر "رسالة المسجد" الذي عقد في مكة المكرمة من رابطة العالم الإسلامي في الفترة من ١٥ إل رمضان ١٣٩٥ ه الموافق ٢٠ إلى ٣٣ سبتمبر ١٩٧٥ حيث أوصى بما يلى: - التوسع في إنشاء المساجد المتعددة الخدمات بحيث توفر لروادها إشرافا ثقافيا واجتماعيا وتربويا. - ضرورة التنسيق بين المسجد والوسائل الإعلامية والمؤسسات التربوية حتى تخدم جميعها عقيدة المسلم وتصحح سلوكه حسب تعاليم الشريعة الإسلامية الغراء. - من الضروري أن يلقي الشباب في المسجد عناية خاصة بتوجيه الأسلوب الذي يتفق عمر الشباب من ناحية وروح العصر من ناحية ثانية. - العناية بالمرأة حتى تنال نصيبها من الثقافة الإسلامية وأحكام دينها. - إحياء الرسالة التعليمية للمساجد الإسلامية العريقة كجامع الزيتونة والقرويين والأزهر، وضرورة استمرار وظيفة تلك المساجد التعليمية بما يحدد ماضيها التاريخي الذي أدى دوراً هاماً في الحياة الإسلامية. إننا إذ نتفق مع قرارات هذا المؤتمر الهام لنؤكد ضرورة اعتبار المسجد الجامع مركزا لحياة المجتمع الإسلامي في البيئة التي يوجد فيها حيث تتكامل الواجبات الدينية مع الواجبات الاجتماعية، ويتحقق الارتباط بين العلم والدين، وبين الدين وتنمية المجتمع، وبين المسجد وبناء الإنسان وليست هذه إلا أهداف تعليم الكبار. إن تعليم الكبار في بلادنا العربية يكاد يشغل بمشكلة الأمية ومع هذا لم يحقق فيها حتى الآن النجاح المنشود ويكاد يهمل بقية الوظائف. والمسجد الجامع مؤسسة قائمة لا تحتاج إلا إلى قليل من الجهد في إعداد الأئمة والدعاة، وفي تطوير أساليب العمل بالمساجد حتى تصبح بالإضافة إلى دورها الخالد في أداء الصلوات وذكر الله وقراءة القرآن ومراكز للفكر المستنير الذي يحرك الهمم ويدفع الناس إلى العمل من أجل زيادة دخولهم وتحسين مستويات معيشتهم، وجعل المجتمع الإسلامي مجتمع العزة والرفاهية. إن الصبغة الدينية للمسجد تمكن لتعليم الكبار عند الناس، فتدفعهم إلى التعلم وتطوير قدراتهم، وتطوير بيئاتهم ومجتمعاتهم، إيمانا بضرورة نشر المعرفة بين جميع أبناء الأمة الإسلامية والعربية، والعمل على تطوير حياتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وإدراكا لرسالة المسجد في الإسلام، وتحقيقا لقوله تعالى: "في بيوت أذن الله أن تُرفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولابيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار". وعملا على أن تكون المساجد الجامعة كما كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مركز العلم والتقدم والتنمية، منها يخرج الفكر والتوجيه والإرشاد في كل المجالات التي تنفع الناس، ومحو أمية الكبار القرآن الكريم، وتحريك وتنفيذ المشروعات المفيدة للجماعة، يتم كل ذلك في إطار ارتباط المسجد بالمجتمع وأفراده ومؤسساته الاجتماعية والصحية والتعليمية والإرشادية والإعلامية والاقتصادية المتوافرة في البيئة، فإن خلت البيئة كما هو الحال في بعض قرى الريف العربي والبوادي من مؤسسات غيره، كان لزاما عليه أن يقوم بوظائفها حتى يكونها،