لم يكن ليدور بخلد أي منا أن تلك الرزمة المربعة التي تلقاها حسان الصغير من عم بعيد صباح يوم عيد ميلاده كانت تحتوي على قفص صغير في داخله عصفور حقيقي. وحتى قبل أن يمزق خفقات أجنحة تصطفق بتردد وزقزقات مكبوتة. وفي لحظات تمزقت الورقة الملونة ورمى حسان بنفسه فوق القفص وضمه بإحكام بين ذراعيه وصدره ثم هتف بصوت مستثار - إنه حسون. ولم يكن قد تيسر لنا، بعد أن نرى القفص والحسون بوضوح ذلك أن حسان كان مستثاراً وكان خداه قد توردا وأخذت عيناه تلتمعان فيما كان يدور في أرجاء الغرفة دون أن يعرف ماذا يتعين عليه أن يفعل. ولكنه بعد لحظات، سمح لنا بأن نلقي نظرة على الطائر الحبيس فيما كان يحتفظ بحلقة القفص في كف محكمة وكانت قاعدته قد فرشت بقطعة زجاج صقيلة وامتدت قصبة تصل بين الجدارين الأكثر ابتعاداً، وفي ركنين متجاورين ثبت وعاء الحب ووعاء الماء، وفي قمة القفص تعلق الحسون المذعور بساقيه الرفيعتين فيما كان يرجف نافضاً رأسه بعنف محدقاً إلينا بعينين صغيرتين غارقتين في السواد الداكن المحيط بهما متوقدتين بالتماع حاد. وكانت مقدمة رأسه تصطبغ بلون قرمزي ملتهب فتعطي وجهه الدقيق سمة من سمات العنف العاجز الحزين، مدخلاً منقاره الأصفر الحاد بين الأسياخ مفتشاً بجنون عن نافذة تتسع لخروجه. وكان يبدو، بسبب البقع الحمراء والسوداء التي نقشت رأسه، غاضباً كأعنف ما يكون الغضب، حزيناً حتى ليكاد يبكي. وإنه، يعقد العزم على شيء رهيب. - لماذا لا يكف عن الطيران؟ - منك. وأخذ حسان يحدق مهموماً إلى الحسون محاولاً أن يكشف بنفسه سبب خوف الطائر المذعور منه ولحظت أن وجهه قد تمسح بشيء من الندم المحير الذي ينتاب طفلاً لا يعرف كيف يجبر الأشياء على التعاطف معه، وفي نفس تلك اللحظة قال أخي الأكبر من وراء كتفي - كلا، إنه ليس خائفاً منك الحسون لا يخاف. - لماذا، إذن، لا يكف عن الطيران؟ - إنه يتعرف إلى بيته. يريد أن يعرف أين يعيش. ونظرنا معاً، أنه يتعرف إلى الأشياء. إليه قبل الآن؟ - يبدو أن عمك قد اشتراه أو اصطاده منذ أيام قليلة، فهو جديد على القفص. إن ذلك يتضح من سرعة حركاته. وعدنا نتطلع إلى الحسون الصغير وهو يرتد من جدار حديد إلى جدار حديد آخر. فيما تابع أخي الأكبر بنفس النغمة الهادئة - يحتاج الحسون إلى شهرين أو ثلاثة شهور كي يعتاد الحياة في بيته الجديد. في الوقت ذاته، أن يجد ثغرة للهرب. وعقد حسان كفيه الصغيرتين وراء ظهره وأنشأ يحدق من جديد إلى الطائر الرمادي المخضب باحمرار دموي وسوف يظل كذلك طوال ثلاثة شهور؟ - أجل. ولن يغني أبداً في هذه الشهور الثلاثة؟ لا سوف يزقزق، ولكنه لن يغني. - وبعد ثلاثة شهور؟ وفي الليل. سيقف، ولكن عينيه سوف تبقيان مفتوحتين لتراقبا كل شيء. وكان أخي يعرف بأن أسئلة حسان لن تنتهي، ولذلك فقد غادر الغرفة دون أن يكمل الاستماع وكنت أعرف أنا بدوري، أن حسان لن يتركني أتمتع بالنوم في تلك الليلة، إذ إنه سيواصل الاطمئنان على عصفوره كلما تحرك العصفور أو كلما تحرك في نومه وطوال الأيام الخمسة التالية ملأ الحسون حياة حسان بتواصل؛ وكان قد استدعى عدداً من رفاقه لمشاهدة الطائر الذي يتوقف لحظة عن الطيران من أجل أن يشم أسياخ القفص ويتعرف إلى منافذه وأركانه، وفي كل مرة كان حسان يكرر لأصدقائه ما سمعه من أخيه. وكما يفعل كل طفل. فقد أعطاه من خياله شخصية وسلوكاً. إلا إنه بقي غير مقتنع تماماً بأن الطائر المذعور إنما يتعرف إلى بيته الجديد. وأكثر من مرة انتهز الفرصة ليعبر عن تلك الشكوك لي، ذلك أنه لم يكن يجرؤ على نقل تلك الشكوك والهواجس لأخيه الأكبر. وفي مرة سألني: - طيب لو فتحت باب القفص بعد ثلاثة أشهر وتركت الحسون ولكنني لم أكن لأستطيع أن أجيب، فأنا لا أعلم شيئاً عن حيوات الطيور وعاداتها ووعدت حسان أن أسأل أخاه الأكبر وأنقل الجواب إليه، وحين قلت ذلك لأخي الأكبر انتهرني - لا تكن غبياً. إنه يتعرف إلى القفص فقط ليطيق العيش فيه ولكنه لن يهتم بذلك كثيراً إذا أتيحت له حياة غير مسيخة. فمن العبث أن نمضي بالقصة إلى أبعد مما ترتسم في رأسه الصغير، فليفهم الأمر كما يشاء فذلك أدعى لارتياحه وارتياحنا. إن ذلك حري بتبهيت الجوانب الأخرى من حياة الطفل. انظر لقد ترك كل ألعابه وكل حيوانات المطاط والصوف والقماش. ماذا سماه؟ ماذا؟ - - حسون. لم يستطع أن يفهم كيف يمكن أن يسمي الحسون غير حسون. أكبر للحسون. من أن يتسع لطيرانه الغضوب الدائب إلا إن القفص الجديد لم يخفف من حدة الطيران ذاك على الرغم من أنه أعطى الحسون وكان حسان سعيداً بذلك التغيير، وكانت سعادته أكبر حين قلت له بأن عليه نقل العصفور بنفسه من القفص القديم إلى الجديد، وشرحت له بأن عليه أن يحتوي الطائر الصغير بين كفيه دون أن يضغط كثيراً خوف أن يقتله ودون أن يرخي الراحتين كثيراً خوف أن يهرب. - وإذا عضني؟ معنى ذلك أنك ضغطت عليه كثيراً. - وإذا هرب؟ تكون قد أرخيت راحتيك كثيراً. ونظر إلى دون أن يفهم، ولكنه كان على استعداد لينقل الطائر بأي شكل. بل إنه فعل ذلك بأفضل مما تصورت، ولم يشك حين أطبق الحسون بمنقاره فوق جلد راحته. وصار يعتقد أن سعادة الحسون قد ازدادت في القفص الجديد الواسع. إلا إن أخي الأكبر الذي استمع بصبر إلى ذلك كله، ونحن على طاولة الغداء، كان له رأي آخر قاله دون أن يرفع رأسه عن الطعام. - لقد ارتكبت خطأ في شراء القفص الجديد. خسرت شهراً على الحسون الآن أن يبدأ من جديد بالتعرف إلى بيته الجديد، وسوف يستغرق ذلك وقتاً، الجديد كبير جداً. ومن طرف عيني شاهدت حسان ينظر حواليه بأسى، ثم حاول أن يستأنف الأكل إلا إنه عاد فوضع الملعقة إلى جانب الصحن وأخذ ينظر إلي. ويبدو أن أخي الأكبر لاحظ ذلك فحاول أن يعيد الأمر إلى نصابه دون أن يغير في لهجته. من يدري، فقد يروقه البيت الجديد فيتعرف إليه بأسرع مما نتصور.