وهكذا لم يتمكن هتلر أو ستالين من وأدها. ولن يكون الحال على هذا المنوال في مجتمعات العصر الإمبراطوري؛ فليست هناك تماثيل لمسئول الأمن السوفييتي درجينسكي تستدعي النسف، دون أن يكون هناك رئيس شرطة يمكن توجيه ثورتنا ضده. فهل كان عملية سطو من الطراز القديم أو محاولة لتحديد تخوم العالم الإمبراطوري؟ لقد تمكن عالم العلاقات من إبعاد العنف عنه بمزيج من اللامبالاة الساذجة والشراسة البحتة. بل وتحولت الحرب إلى إحدى ألعاب الفيديو. ولأول مرة منذ تاريخ الحروب أولى القادة العسكريون اهتمامهم بإدارة الرأي العام وبمشاعره الجماعية، بنفس قدر اهتمامهم بالمعارك بعد أن استوعبوا دروس فيتنام. فقد تم خوض هذه الحرب وكأنها مجرد عملية تهدف إلى استتباب الأمن تولاها محترفون مكنهم التفوق التكنولوجي الهائل من حصر الخسائر في أضيق نطاق. ولكن هل سيظل الحال دائمًا على هذا المنوال؟ هناك سباق دائر بين انتشار التكنولوجيا الذي يزيد في إمكانات اللجوء إلى العنف، والتوسع في العلاقات بين السلطات الذي ينزع فتيل العنف. وقد يكون انتشار التكنولوجيا أسرع ولكن حتى متى سنحتفظ بذلك التفوق بحيث نكون قادرين على إبعاد ما قد يهدد مجتمعاتنا المعقدة التركيب؟ ولو تم اللحاق بنا، هل سنتمكن من إذابة انفعالات الآخرين في عالمنا المجرد من العواطف؟ وهل سيتغلب التعقيد على الأفكار البسيطة أم أن تلك الأفكار ستودي بذلك التعقيد؟ إن صحراءنا البشرية المحرومة من العواطف والمحاطة بدواعي الحقد قد تشتعل فيها النار مثل الأحراش الجافة. لقد كانت الإمبراطورية الرومانية تتجاهل بكل عجرفة أقاليم البرابرة المحيطة بها، فما هي تلك «العقيدة» المانعة والفظة التي سنبتكرها لكي نبرر لأنفسنا سعادتنا في خضم ذلك الشقاء المحيط بنا؟ إننا أهداف طبيعية لبغض آلاف الملايين البشر وحسدهم، فهل سيكون رد فعلنا شيئًا خلاف الخوف والحياة بلا عواطف في عالم تتأجج فيه المشاعر؟ وهل ستستبد تلك الدوافع المتعصبة بدورها بهذا العالم الإمبراطوري الذي يقف أمامها عاجزًا بحكم منطقه؟ وهل سيكون ذلك التعصب المتفشي أخطر من العنف الُمركز والمنظم على يد النظم الشمولية في عصر القوميات؟ وكل ما يمكن أن نحرزه فقط هو أن النظام الاجتماعي، تكمن بداخله قوة لم تعهد أبدًا من قبل ولا تخضع لأي توجيه حتى إن محاولة تحديد مسارها لا تقل صعوبة عن الادعاء بإمكانية السيطرة عليها إثر انطلاقها. وسيظل منطق الدول القومية متعايشًا لأمد طويل مع منطق العالم الإمبراطوري. فهل سيحاول هذا الأخير إن يمدَّ سلطانه على غرار الإمبراطوريات التي سبقته لكي يحدَّ من التهديدات التي تحيط به أم هل سيصيبه بالشلل المنطق الذي يحكم حركته؟ وأولئك المتواجدون عند أطراف الإمبراطورية الذين ستسول لهم أنفسهم تحديها، فبوسعهم المراهنة على عجز تلك السلطة اللاحقة للقومية عن التصدي بفعالية للتهديد الكلاسيكي من جانب الدولة القومية، لقد تمثَّل خطأ صدام حسين الاستراتيجي في أخذه بعين الاعتبار أن العالم الإمبراطوري الذي يتولد لا تزال تنظمه دول قومية ذات إرادة سياسية. فماذا سيحدث لو أن انتشار القوة في العالم الإمبراطوري كان متكاملًا للغاية لكي تُنظم إرادة سياسية؟ فإنه لا يلتقي مع نفسه. إننا رجال شبكات الاتصال، وعصر العلاقات يعمل بشكل أفضل من أي تنظيم إنساني آخر، لقد انطلقت الآلة وراحت تواصل عملها، وإن كانت تلك الامتثالية لا تدري إلى أي شيء يجب أن تمتثل. ولكن هل تتم هذه العملية من داخل ذاتها أم تحتاج إلى عالم آخر لا يخضع لنفس القوانين لكي تحافظ على ديناميتها؟ وهذه الحركة الرائعة والباطلة لا تكفُّ عن إصابتنا بالدوار، ولكن تمرُّ أحيانًا في خلدنا فكرة غير معهودة؛ متى سنتحرر من طغيان التقدم؟ ألن تكون هناك نهاية لتكاثر خلايا العلاقات؟ ومن أين تنبع تلك الحاجة الملحة إلى عدم ترك أي «مساحة بيضاء» على خريطة الإمبراطورية؟ إن منطق الإمبراطورية يدفع إلى التوسع بلا حدود، ونحن أكثر تواضعًا ونزعم أيضًا أننا «نضع حدًّا للتاريخ»، بل وخطرًا. وربما يحدونا الأمل في قرارة فؤادنا بأن نفلت من السباق المجنون الذي يجرفنا سعيًا وراء الحقيقة بالكف عن البحث عنها. فهل يتعين علينا ألا نعرف السكينة إلا في النوم وأن يظل قلق الإنسان لأمد طويل نهرًا يجري في جوف الأرض؟ أمامنا ثورة يجب أن تنجز، ولا جدوى من التباكي على أزمة التنوير، ويجب أن نتقبل وصولنا الآن إلى نهاية مطاف عصر القوة المعتمدة على المؤسسات. ولن نرى هذا العصر يبتعد عنا بلا تحسر عليه؛ فقد كانت قدراته استثنائية في مجال تنظيم البنيات المعقدة وتبسيطها، وتعقدت تفرعاته إلى ما لانهاية دون أن ينال ذلك من المبادئ الأساسية لاعتماد القوة على المؤسسات، ودون أن يعرقل التنظيم المؤسساتي إثراء البنيات الاجتماعية. فقد نمت المنشآت وتطورت النقابات واختفت نواحٍ كاملة من الاقتصاد وحلت نواحٍ أخرى محلها. ويتضح لنا الآن أن الانتصارات التي كنا نظنها نهائية تنال منها دوائر القوة. الديموقراطية والحرية … يصدر عنها الآن نغم أجوف. وقد استبدت بنا البلبلة فبات أمامنا أحد خيارين: أولهما العودة إلى منابع النظام المؤسساتي الآفل والبحث عن أسس عقيدة جديدة، وتحويل القانون إلى عقيدة نؤمن بها لن يكون على الأرجح سوى خدعة لن تجدي فَتيلًا. وسنصبح بذلك حراسًا تسلط عليهم وسواس آلية تدور بكفاءة. وتلك استراتيجية خطرة لأنها تترك في الواقع المجال مفتوحًا لكل ضروب الخداع عن طريق شمولها المتسامح ظاهريًّا. وثانيهما، هو مواجهة الواقع والإقرار بنهاية عصر التنوير، ثم بعد ذلك محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه. ولكن لا محل لإمبراطورية مقدسة بدون المسيحية. أن يكون شبيهًا بالإمبراطورية الرومانية في عهدي أدريانوس وماركوس أوريليوس. ويتعين على هذا العصر الجديد ألا يزعم أنه يرقى إلى السماء، ولا يمتلك السماء من أجل احتياجات الأرض. وهذا هو مصدر ضعفه وقوته. فلا توجد إذَن أي «وصفة» سياسية لمواجهة أخطار عصر ما بعد السياسة. وبهذا المعنى تكون الثورة المطلوب إنجازها ذات طابع روحي. وستكون الحوارات ذات طابع أخلاقي، من الديموقراطية المحلية وتعريف المجتمع لنفسه بغية التوجه إلى الأعلى. أو في تلك التي وصلت فيها الديموقراطية إلى حد الإنهاك. وسينبع أساسه من الشعور بالمسئولية المشتركة أمام عالم يجب أن تقرر حدوده تطلعات الإنسان. فالحركة الإيكولوجية التي تهتم في المقام الأول بعلاقة الكائنات الحية ببيئتها، تؤكد أنها ترفض اعتبار الإنسان مقياس كل شيء، وذلك على خلاف المدافعين عن البيئة المحيطة بنا الذين سبقوا الإيكولوجيا، شريطة تحررها من الميل إلى إضفاء الصفات البشرية على كل ما يحيط بنا، إننا لم نَعُد ندرك ما هي الحرية في حدود المجال السياسي الذي تطرقنا إليه. فهل سنعيد اكتشافها بمعنًى عميق وجديد وسط هذه المجاهل المتفتحة أمام براعة الإنسان؟ ففي الزمن الذي كان لا يزال للجغرافية فيه معنًى، كانت أمريكا الشمالية مركز التجربة السياسية الأولى لعصر المؤسسات. وربما أتاح كل من علمي الإيكولوجيا والبيوطيقا (علاقة علم الأحياء بالأخلاقيات) للعالم الإمبراطوري الجديد إمكانية فتح الحوار أخيرًا حول المبادئ التي يحتاجها العالم ليكتسب معنًى، علمًا بأن هذَين العلمَين يشكلان في حد ذاتهما قارتَين لا يزال مضمونهما مجردًا. ولكي يصبح مثل هذا المسعى ممكنًا؛ ننتظر فيه كل شيء من الآلية الاجتماعية. أي حماية استقلال الفكر ليس فقط من شرطة النظم الدكتاتورية ولكن أيضًا من إفقار الوعي. والواقع أن هذا العصر متسامح بوجه عام،