بسم الله الرحمن الرحيم قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير (1) الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور (2) والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير (3) فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم (4) إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (5) يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد (6) ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم (7) ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا .يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها [ ص: 3502 ] فبئس المصير (8) يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9) إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (10) يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير (11) يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم (12) أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون (13) ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون (14) أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون (15) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين (16) لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (17) يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون (18) استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (19) إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك . مع الجماعة المسلمة الناشئة; وتعد للنهوض بدورها العالمي، بل بدورها الكوني، في نفوس هذه الجماعة، وإقامة حياة واقعية على أساس هذا التصور، ثم تحمله هذه الجماعة إلى العالم كله لتنشئ للبشرية حياة إنسانية قائمة على أساس هذا التصور كذلك.ولقد كان أولئك المسلمون الذين يعدهم القدر لهذا الدور الضخم، ناسا من الناس. وخلصت نفوسهم لها، ووصلوا. وصلوا إلى حقيقة وجودهم وحقيقة هذا الوجود الكبير; فأصبحوا بهذا طرفا من قدر الله في الكون لا يجدون في أنفسهم عوجا عنه، ولا يجدون في خطاهم تخلفا عن خطاه، ولا يجدون في قلوبهم شيئا إلا الله. كانوا كما جاء عنهم في هذه السورة: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان، أولئك حزب الله. ألا إن حزب الله هم المفلحون .ولكن هؤلاء السابقين كانوا قلة بالقياس إلى الجماعة المسلمة المتزايدة العدد - وبخاصة بعد أن أصبح الإسلام قوة ترهب - حتى قبل الفتح - ودخل فيه من لم يتلق من التربية الإسلامية القسط الكافي، كما دخل فيه من المنافقين من آثر المصلحة أو العافية على دخل في القلوب، وتربص بالفرص،ولقد اقتضت تربية النفوس وإعدادها للدور الكوني الكبير المقدر لها في الأرض جهودا ضخمة، وصبرا طويلا، وعلاجا بطيئا، في صغار الأمور وفي كبارها. وقام بها رسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم - بناء النفوس التي تنهض ببناء المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، تفهمه وتحققه، وتنقله إلى أطراف الأرض في صورة حية متحركة، لا في صحائف وكلمات.ونحن نشهد في هذه السورة - وفي هذا الجزء كله - طرفا من تلك الجهود الضخمة، وطرفا من الأسلوب القرآني كذلك في بناء تلك النفوس، وفي علاج الأحداث والعادات والنزوات; وهو يصنعها على عينه، ويشعرها برعايته، وأصغر شؤونها، وأخفى طواياها وحراسته لها من كيد أعدائها خفيه وظاهره; وتربية أخلاقها وعاداتها وتقاليدها تربية تليق بالجماعة التي تنضوي إلى كنف الله، وتنتسب إليه، وتؤلف حزبه في الأرض، وترفع لواءه لتعرف به في الأرض جميعا.ومن ثم تبدأ السورة بصورة عجيبة من صور هذه الفترة الفريدة في تاريخ البشرية. فترة اتصال السماء بالأرض في صورة مباشرة محسوسة، ومشاركتها في الحياة اليومية لجماعة من الناس مشاركة ظاهرة: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير . فنشهد السماء [ ص: 3504 ] تتدخل في شأن يومي لأسرة صغيرة فقيرة مغمورة، لتقرر حكم الله في قضيتها، ولم تكد تسمعها عائشة وهي قريبة منها! وهي صورة تملأ القلب بوجود الله وقربه وعطفه ورعايته.يليها في سياق السورة توكيد أن الذين يحادون الله ورسوله - وهم أعداء الجماعة المسلمة التي تعيش في كنف الله - مكتوب عليهم الكبت والقهر في الأرض، والعذاب المهين في الآخرة، مأخوذون بما عملوا مما أحصاه الله عليهم، ونسوه هم وهم فاعلوه! والله على كل شيء شهيد . يحسب أصحابها أنهم منفردون بها. والله معهم أينما كانوا: ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة، إن الله بكل شيء عليم . وهي صورة تملأ القلب كذلك بوجود الله وحضوره، كما تملؤه برقابته واطلاعه. وملء قلوبهم بالحزن والهم والتوجس. تهديد بأن أمرهم مكشوف، وأن عين الله مطلعة عليهم، ونهي للمسلمين عن التناجي بغير البر والتقوى، وتربية نفوسهم وتقويمها بهذا الخصوص.ثم يستطرد في تربية هذه النفوس المؤمنة; كما يأخذها بأدب السؤال والحديث مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - والجد في هذا الأمر والتوقير.أما بقية السورة بعد هذا فتنصرف إلى الحديث عن المنافقين الذين يتولون اليهود; ويتآمرون معهم، ويدارون تآمرهم بالكذب والحلف للرسول وللمؤمنين. وتصورهم في الآخرة كذلك حلافين كذابين; كما كانوا يتقون بهما في الدنيا ما يواجههم من غضب رسول الله والمؤمنين! مع توكيد أن الذين يحادون الله ورسوله كتب الله عليهم أنهم في الأذلين وأنهم هم الأخسرون. كما كتب أنه ورسله هم الغالبون. وذلك تهوينا لشأنهم، فيحافظ على مودته معهم، ولا يدرك ضرورة تميز الصف المسلم تحت راية الله وحدها، والاعتزاز برعاية الله وحده، والاطمئنان إلى حراسته الساهرة للفئة التي يصنعها على عينه، ويهيئها لدورها الكوني المرسوم. والتي كانت الآية الكريمة تشير لها كي ينتهي إليها أولئك الذين ما زالوا بعد في الطريق! كما وردت في أول هذا التقديم. والله يسمع تحاوركما، الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم، وإن الله لعفو غفور. والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، ذلكم توعظون به، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، [ ص:3505 ] كان الرجل في الجاهلية يغضب لأمر من امرأته فيقول: أنت علي كظهر أمي. فتحرم عليه، ولا تطلق منه. وتبقى هكذا، لا هي حل له فتقوم بينهما الصلات الزوجية; ولا هي مطلقة منه فتجد لها طريقا آخر. ولم يكن قد شرع حكم للظهار. قال الإمام أحمد: حدثنا سعد بن إبراهيم ويعقوب، قالا: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن خويلة بنت ثعلبة. قالت: كنت عنده، فقال: أنت علي كظهر أمي. قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، فإذا هو يريدني عن نفسي، لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه. قالت: فواثبني، فألقيته عني. قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابا، ثم خرجت حتى جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلست بين يديه، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه. قالت: فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه" قالت: فو الله ما برحت حتى نزل في قرآن; فتغشى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان يتغشاه، ثم سري عنه، فقال لي: "يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآنا". ثم قرأ علي - : قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير . إلى قوله تعالى: وللكافرين عذاب أليم . قالت: فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم: - "مريه فليعتق رقبة". قالت: فقلت: يا رسول الله ما عنده ما يعتق. قال: "فليصم شهرين متتابعين". قالت: فقلت: والله إنه لشيخ ما له من صيام. قال: "فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر". قالت: فقلت: والله يا رسول الله ما ذاك عنده. قالت: فقلت يا رسول الله وأنا سأعينه بعرق آخر. قال: "قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرا". قالت: ففعلت .فهذا هو الشأن الذي سمع الله ما دار فيه من حوار بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمرأة التي جاءت تجادله فيه. وهذا هو الشأن الذي أنزل الله فيه حكمه من فوق سبع سماوات، ويريح بالها وبال زوجها، ويرسم للمسلمين الطريق في مثل هذه المشكلة العائلية اليومية! وهذا هو الشأن الذي تفتتح به سورة من سور القرآن: كتاب الله الخالد، الذي تتجاوب جنبات الوجود بكل كلمة من كلماته، وهي تتنزل من الملإ الأعلى. تفتتح بمثل هذا الإعلان: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها . وأن تشعر جماعة من الناس أن الله هكذا معها، معني بمشكلاتها اليومية، مستجيب لأزماتها العادية. وهو الله. العظيم الجليل، الذي له ملك السماوات والأرض وهو الغني الحميد. لقد جاءت المجادلة خولة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جانب البيت، ما أسمع ما تقول. فأنزل الله عز وجل: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله . الآية .وفي رواية خولة - أو خويلة للتصغير والتدليل - للحادث، وتصرفها هي فيه، وذهابها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومجادلتها له، ونزول القرآن بالحكم. الذي يجعل الجماعة كلها - عيال الله - هو يرعاها وهي تتطلع إليه تطلع الطفل الصغير لأبيه وراعيه! قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، لقد كان الله معكما. وكان يسمع لكما. سمعها تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله. وهو يعلم تحاوركما وما كان فيه. إن الله سميع بصير. يسمع ويرى. هذا شأنه وهذه صورة منه في الحادث الذي كان الله ثالثكما فيه.وكلها إيقاعات ولمسات تهز القلوب. وحقيقة الوضع فيها: الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم. إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم. وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا،فهو علاج للقضية من أساسها. فالزوجة ليست أما حتى تكون محرمة كالأم. فالأم هي التي ولدت. ولا يمكن أن تستحيل الزوجة أما بكلمة تقال. وكلمة مزورة ينكرها الحق. في وضوح وتحديد، ولا تضطرب هذا الاضطراب. وإن الله لعفو غفور فيما سلف من هذه الأمور.وبعد تقرير أصل القضية على هذا النحو المحدد الواضح يجيء الحكم القضائي في الموضوع. والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا. ذلكم توعظون به، والله بما تعملون خبير . وهناك أقوال كثيرة في معنى: ثم يعودون لما قالوا . فهذا أقرب ما يناسب السياق. فتحرير رقبة من قبل العودة إلى حله. ثم التعقيب: ذلكم توعظون به . فالكفارة مذكر وواعظ بعدم العودة إلى الظهار الذي لا يقوم على حق ولا معروف والله بما تعملون خبير . وخبير بنيتكم فيه. وتنبيهها إلى قيام الله على الأمر بخبرته وعلمه بظاهره وخافيه. فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا .ثم التعقيب للبيان والتوجيه: ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله . ولكن هذا البيان، وهذه الكفارات وما فيها من ربط أحوالهم بأمر الله وقضائه. ذلك مما يحقق الإيمان، ويجعل له سلطانا بارزا في واقع الحياة. وتلك حدود الله . أقامها ليقف الناس عندها لا يتعدونها. وهو يغضب على من لا يرعاها ولا يتحرج دونها: وللكافرين عذاب أليم . بتعديهم وتحديهم وعدم إيمانهم وعدم وقوفهم عند حدود الله كالمؤمنين.وتلك العبارة الأخيرة: وللكافرين عذاب أليم . تناسب ختام الآية السابقة، وهي في الوقت ذاته قنطرة تربط بينها وبين الآية اللاحقة التي تتحدث عمن يحادون الله ورسوله. على طريقة القرآن في الانتقال من حديث لحديث في تسلسل عجيب: إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم، وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين. فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه، والله على كل شيء شهيد . وهذا المقطع الثاني صورة من صور الحرب والنكاية للفريق الآخر. فريق الذين يحادون الله ورسوله، فهؤلاء لا يقفون عند حد الله ورسوله، بل عند الحد الآخر المواجه! وهو تمثيل للمتخاصمين المتنازعين، لتفظيع عملهم وتقبيح موقفهم. وساء موقف مخلوق يتحدى فيه خالقه ورازقه، ويقف في تبجح عند الحد المواجه لحده! والأرجح أن هذا دعاء عليهم. والدعاء من الله - سبحانه - حكم. فهو المريد وهو الفعال لما يريد. كما حدث في غزوة بدر مثلا.وقد أنزلنا آيات بينات .تفصل هذه العبارة بين مصير الذين يحادون الله ورسوله في الدنيا ومصيرهم في الآخرة. لتقرير أن هذا المصير وذاك تكفلت ببيانه هذه الآيات.وللكافرين عذاب مهين. يوم يبعثهم الله جميعا، فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه. والله على كل شيء شهيد . ص: 3508 ] والمهانة جزاء التبجح.