أما إمارة المناذرة فقد أنشأها الفرس في العراق واتخذت مدينة الحيرة مركزاً لها، ومن أشهر أمراء المناذرة المنذر بن ماء السماء (554م) وعمرو بن المنذر أبو عمرو ابن هند (574م)، والنعمان بن المنذر (605) وقد استمرت دولة المناذرة حتى أزالها الفرس الذين حكموا الحيرة حكماً مباشراً، وأما إمارة الغساسنة فقد أنشأها الروم في الشام، ومن أشهر أمرائها الحارث بن جبلة (569م) وولداه عمرو والنعمان، وجبلة بن الأيهم وهو آخر أمراء الغساسنة إذ أسلم ثم ارتد عن دينه خوف العار والقود من اللطمة (1) ، وخرج في ثلاثين ألفا إلى الروم ولم يزل هناك إلى أن مات والمناذرة والغساسنة من بطون قحطان، وأما إمارة كندة فقد نشأت في نجد، ومن أشهر ملوكها حجر بن عمرو (480) المسمى بأكل المرار، والحارث بن عمرو (-540م)، وحجر بين الحارث (والد الشاعر امرئ القيس، وقد انتهت بالثورة عليه إذ كان ظالماً قاسياً جريئاً على أموال رعيته وأعراضها (1) فقتله بنو أسد مع نفر من آل بيته، وبذلك زال حكم كندة عن بني أسد وعن نجد. وتعد حواضر الحجاز من هذا القسم، وقد حكمها العمالقة ثم خلفهم بنو جرهم القحطانية، ثم وفدت خزاعة وحلت محل جرهم واحتفظت مضر بحق الإجازة بالناس من عرفة والإفاضة بهم غداة النحر إلى منى (2). وكانت بظاهر مكة وصارت أحياء وبيوتات، وتمكن قصي بن كلاب من السيادة على مكة، ولما شاخ جعل لابنه عبد الدار دار الندوة والحجاية والرفادة والسقاية واللواء. ولم يرض بنو عبد مناف بن قصي بذلك، وكادت تنشب الحرب بين الفريقين، ثم تداعوا إلى الصلح على أن يُعطى بنو عبد مناف السقاية والرفادة وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار وظلوا على هذا النحو حتى ظهور الإسلام . فضلاً عن جماعة من حمير وقريش، فكان لثقيف بيت يعظمونه ويطوفون حوله، وأما يثرب (المدينة المنورة فتقع شمالي مكة على بعد 500 كم، ثم نزل بها اليهود فقبائل الأوس والخزرج، والتحف المصنوعة من المعادن وصناعة الأسلحة التي برع فيها اليهود وخاصة يهود بني قينقاع . وأما القبائل التي تنحدر من قحطان فهي كندة والأزد وتنوخ وطي، وقد نزحت هذه القبائل إلى فكانوا يسمون حروبهم ووقائعهم أياما ومن أشهرها حرب البسوس (بين بكر وتغلب في أواخر القرن الخامس الميلادي، وكان السبب في نشوئها اعتداء كليب (سيد تغلب على ناقة للبسوس ( خالة جساس) فثار جساس وقتل كليبا. وحرب داحس والغبراء في أواخر العصر الجاهلي وكان سببها سباقا على رهان بين فرسين، فعدل عن الطريق وبذلك سبقته الغبراء. لم تلبث الحرب أن اندلعت على إثره، وطالت حتى تدخل هرم بن سنان والحارث بن عوف وهما من ذبيان فتحملا الديات وأوقفا الحرب. هذا المعنى واقترنت الحرب عندهم بالسيطرة والغلبة ظلما وعدوانا، ذلك أن الضعيف لا وزن له، يعد ندوتهم التي يجتمعون فيها، وهي آراء ملزمة. إذ يقول: وفيهم مقامات حسان وجوههم وأندية ينتابها القول والفعل وإن جئتهم الفيت حول بيوتهم مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل ولشيخ القبيلة امتيازات خاصة، فله ربع الغنائم وما يصطفيه لنفسه منها قبل توزيعه، وله الفضول وهو ما لا يقبل القسمة من الغنائم (2). ويتحلى بأروع المثل العليا من كرم وإقدام ونجدة وفصاحة، فنسمعه يقول: فما سودتني عامر عن وراثة أبى الله أن أسمو بأم ولا أب ولكنني أحمي حماها وأتقي أذاها وأرمي من رماها بمقنب وذلك أن العرب عرفوا بالخبرة والتجربة أن الناس لا تستقيم أمورهم إلا بأن يحكمهم أخيارهم لا جهالهم، فإذا طغى تخلصت منه القبيلة، فقد قتل كليب التغلبي حين استبد، مما أشعل حرب البسوس المشهورة. وإذا حدث خلاف بين قبيلتين فالفصل في هذا الخلاف يكون بالتحكيم، وتجدر الإشارة إلى أن احتفاظ القبائل ببداوتها يضمن لها الاحتفاظ بقوتها والتغلب على غيرها، لاعتمادها على العصبية،