قد يكون الفارابي أكثر فلاسفة الإسلام اشتغالاً بالمسائل الاجتماعية، ويعنى بها عناية تدل على الرغبة والاهتمام، وبين رسائله القليلة الت وصلت إلينا رسالتان رئيسيتان موقوفتان على السياسة والاجتماع، وقد رأيناه هذا الصيف فيما رأينا من مخطوطات عربية أخرى بالمكاتب الأوربية؛ وكتاب آراء أهل المدينة الفاضلة يكفي وحده في أن نعد الفارابي بين من فكروا تفكيراً منظماً في النظريات السياسية، وهذا الكتاب يحاكي جمهورية أفلاطون إلى حد بعيد، وبرز في هذا المضمار على أرسطو الذي ساد الفلسفة الإسلامية في نواحيها الأخرى. فعلى طريقة أفلاطون يرى الفارابي أن المدينة كل مرتبط الأجزاء ومتضامها؛ فالألم الذي يحس به أحد أفراد الجمعية لا بد أن يعدوه إلى الآخرين، وإذا كانت أعضاء الجسم ذات وظائف متميزة فواجب أن يكون لكل فرد من أفراد المجتمع عمل خاص، ولن تتم للجمعية سعادتها إلا إذا قسم العمل بين أفرادها تقسيماً متناسباً مع كفايتهم ومشوباً بروح التضامن والتعاون، فهو مصدر الحياة وأصل التناسق والنظام؛ فإنه مثال يحتذى وسعادة الأفراد تتلخص في التشبه به. يبني الفارابي كل آماله على رئيس المدينة ويعلق عليه كل الأهمية، كما علق شيخ أثينا أهمية كبيرة على رئيس الجمهورية، ويشترط فيه شروطاً كثيرة تشبه تمام الشبه الشروط التي قال بها أفلاطون من قبل، فيضيف إليها شرطاً آخر أملاه عليه مذهبه العام واستعداده الصوفي، أو بعبارة أخرى يضيف إليها الشرط الذي يبعده عن أفلاطون بقدر ما يقربه من التعاليم الإسلامية، ونقطة الاتصال بين العبد وربه، ففي حين أن مؤلف الجمهورية يريد أن يرغم الفيلسوف على النزول من سماء التأملات إلى عالم الشؤون السياسية، ويشترط فيه أن يكون قادراً باستمرار على الاتصال بالعقل الفعال. فالحاكم الفيلسوف الذي قال به أفلاطون يتحول إلى حكيم واصل عند الفارابي. فهو أفلاطون في ثوب محمد النبوي). وواجب على رئيس كهذا قد حظي بالسعادة الحقة ونعم بالاتصال بالكائنات الروحية أن يجتذب مرءوسيه نحوه، ويقوم على تهذيب أرواحهم أولا وبالذات، ويصعد بهم إلى مستوى النور والإشراق. فنحن إذن أمام مدينة سكانها قديسون ورئيسها نبي، بيد أن الفيلسوف العربي يأبى إلا أن يصور لنا من هذا الخيال حقيقة ويحملنا على التسليم بإمكان المدينة الفاضلة التي ينشدها، وليست النفوس كلها قادرة طبعاً على هذا الاتصال، يقول الفارابي: (الروح القدسية لا تشغلها جهة تحت عن جهة فوق؛ وقد يتعدى تأثيرها من بدنها إلى أجسام العالم وما فيه؛ وتقبل المعلومات من الروح والملائكة بلا تعليم من الناس). وهذا الحكيم الواصل هو الذي يسمح الفارابي بأن يكل إليه مقاليد أمور مدينته، وبهذا يحل (صاحب المدينة الفاضلة)، على طريقته طبعاً مشكلة الرئيس السياسي والاجتماعي، وهو حل صوفي كما ترى؛ على أن الاتصال بالعقل الفعال ممكن أيضاً عن طريق الخيالة، فكل إلهاماتهم وما ينقلون إلينا من وحي منزل أثر من آثار الخيالة ونتيجة من نتائجها، وإذا ما رجعنا إلى علم النفس عند الفارابي وجدنا أن المخيلة تلعب فيه دوراً هاماً وتنفذ إلى نواحي الظواهر النفسية المختلفة. فهي منبتة الصلة بالميول والعواطف وذات دخل في الأعمال العقلية والحركات الإرادية. هذا إلى أنها تحتفظ بالآثار الحسية وصور العالم الخارجي المنقولة إلى الذهن عن طريق الحواس، وبهذا يشير الفارابي إلى الخيالة المبدعة التي تنبه إليها علماء النفس المحدثون بجانب الخيالة الحافظة ومن الصور الجديدة التي تخترعها الخيالة تنتج الأحلام والرؤى. ويعنينا هنا قبل كل شيء أن نبين أثر الخيالة في الأحلام وتكوينها. فإنا إن فسرنا الأحلام تفسيراً علمياً استطعنا أن نفسر النبوة وآثارها. ذلك لأن الإلهامات النبوية إما أن تتم في حال النوم أو في حال اليقظة؛ والفرق بين هذين الطريقين نسبي، والاختلاف بينهما في الرتبة لا في الحقيقة. وفي هذا ما يبين الصلة بين هذين المبحثين. فهو يبدأ أولا بالأحلام فيوضحها توضيحاً يقرب كثيراً من بعض الآراء العلمية الحديثة، ويرى أن المخيلة متى تخلصت من أعمال اليقظة تفرغت أثناء النوم لبعض الظواهر النفسية، فتخلق صوراً جديدة أو تجمع صوراً ذهنية قديمة على أشكال مختلفة محاكية ومتأثرة في ذلك ببعض الاحساسات والمشاعر الجسمية أو العواطف النفسية والمدركات العقلية، فهي قوة مخترعة قادرة على الخلق والإيجاد والتصوير والتشكيل، وفيها استعداد كبير للانفعال والتأثر فأحوال النائم العضوية والنفسية واحساساته ذات أثر واضح في مخيلته، وبالتالي في تكوين أحلامه، وما اختلفت الأحلام فيما بينها إلا لاختلاف العوامل المؤثرة فيها، وعلى الجملة الميول الكامنة والاحساسات السابقة أو المصاحبة لحلم ما ذات دخل عظيم في تكوينه وتشكيله. ولسنا في حاجة لأن نشير إلى أن هذه الملاحظات على بساطتها تشبه التجارب العلمية التي قام بها فرويد وهرفي وموري من علماء النفس المحدثين الذين اشتغلوا بالأحلام وتحليلها. وقد أبان فرويد في جلاء أثر الميول الكامنة في تشكيل الرؤى والأحلام، واستطاع هرفي وموري أن يبرهنا على أن الحلم غالباً ما يكون امتداداً لإحساس سابق أو نتيجة لإحساس مقارن، أو بأنه يضرب على أثر ألم في ظهره. وقد حدث مرة أن رأى شخص أن داره تنهار به في الوقت الذي انكسرت فيه إحدى قوائم سريره. ولقد وصل الأمر بهرفي أن ظن - بناء على ما سبق - أنه يمكن أن يتصرف في أحلامه ويشكلها كما يشاء، فمتى ربط صلة بين بعض الاحساسات وذكريات معينة استطاع في نومه استعادة هذه الذكريات بإثارة الاحساسات المتصلة بها. وإذا كان في مقدور الخيالة أن تحدث كل هذه الصور فهي تستطيع أن تشكلها بشكل العالم الروحاني، وفوق هذه فقد تصعد المخيلة إلى هذا العالم وتتصل بالعقل الفعال الذي تتقبل منه الأحكام المتعلقة بالأعمال الجزئية والحوادث الفردية، يقول الفارابي: (إن النبوة المتخيلة إذا كانت في إنسان ما قوية كاملة جداً، وكانت حالها عند اشتغالها بهذين في وقت اليقظة مثل حالها عند تحللها منها في وقت النوم. ولا يمتنع إذا بلغت قوة الإنسان المتخيلة نهاية الكمال أن يقبل في يقظته عن العقل الفعال الجزئيات الحاضرة والمستقبلة أو محاكياتها من المحسوسات، فيكون له بما قبله من المعقولات نبوة بالأشياء الإلهية، وهذا هو أكمل المراتب التي تنتهي إليها القوة المتخيلة والتي يبلغها الإنسان بهذه القوة فميزة النبي الأولى في رأي الفارابي أن تكون له خيالة قوية تمكنه من الاتصال بالعقل الفعال أثناء اليقظة وفي حال النوم، وبهذه الخيالة يصل إلى ما يصل إليه من إدراكات وحقائق تظهر على صورة الوحي أو الرؤيا الصادقة، وهناك أشخاص قويو الخيالة، ولكنهم دون الأنبياء فلا يتصلون بالعقل الفعال إلا في حال النوم، أما العامة والدهماء فمخيلتهم ضعيفة هزيلة لا تسمو إلى درجة الاتصال هذه لا في الليل ولا في النهار. ومن يتخيل في نفسه هذه الأشياء كلها ولكن لا يراها ببصره، وهؤلاء تكون أقاويلهم التي يبرون بها أقاويل محاكية ورموزاً وألغازاً وتشبيهات، وهنا يشير الفارابي إلى جماعة الأولياء والواصلين الذي يتفقون مع الأنبياء في بعض النواحي ويختلفون عنهم في نواحي أخرى. هذه هي نظرية النبوة التي انتهى إليها الفارابي بعد أبحاثه الاجتماعية والنفسية. فالنبي والحكيم في رأيه هما الشخصان الصالحان لرياسة المدينة الفاضلة؛ وكلاهما يحظى في الواقع بالاتصال بالعقل الفعال الذي هو مصدر الشرائع والقوانين الضرورية لنظام الجمعية، وكل ما بينهما من فارق أن الأول يحظى بهذا الاتصال عن طريق الخيالة والثاني عن طريق البحث والنظر. وسندع الحكيم وطريق اتصاله جانباً فقد تعرضنا له من قبل على صفحات الرسالة حين تكلمنا عن نظرية السعادة، وسنوجه عنايتنا فيما يلي إلى بيان أصول نظرية النبوة وأثرها فيمن جاء بعد الفارابي من فلاسفة ومفكرين.