هذا القرآن العظيم على عظمته وعلو منزلته ند الله سبحانه وتعالى وعند الخلق إلا أنه ما جاء ليبقى فقط بين دفتي كتاب جاء ليطبق جاء ليحقق وأول مكان ووعاء يمكن أن يتحقق فيه القرآن وتنزل فيه معانيه العظيمة إنما هو ذلك القلب الإنساني (نزله على قلبك) إذا لم يتحقق ويطبق القرآن وآيات القرآن العظيمة والأحكام والتعاليم في قلوبنا أولًا لا يمكن أن تجد محلًا في مجتمعاتنا ولا في أُسرنا ولا في محاكمنا ولا في شوارعنا ولا في مؤسساتنا ولذلك أول ما كان ينبغي أن تنصرف الهمم إليه القلوب وأين موضع القرآن فيها؟ ولذلك قلنا في أوقات سابقة أنه على الإنسان المؤمن المتدبر الذي ينوي أن يأتي بهذا الكتاب العظيم أن يطهّر قلبه، أن يجعل ذلك القلب والعقل الذي هو فعلًا محل الإدراك والتفهم والتبصر والتأمل في كتاب الله أن يجعل هذه الأوعية المستقبلة لهذا الخطاب الرائع العظيم على قدر من التفهم والتبصر والنقاوة والصفاء لكي تليق تلك الأوعية لاستقبال هذه المعاني العظيمة تصبح قادرة على أن ترتقي لتصل فعلًا إلى جزء من هذه المعاني في كتاب الله سبحانه وتعالى. وفي ختام سورة آل عمران ربي عز وجلّ أمر عباده المؤمنين بالتقوى (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٢٠٠﴾) خطاب رباني يذكّر الإنسان بأن كل الأنشطة البشرية التي يقوم بها في واقعه إذا خلت من التقوى أصبحت جوفاء، مفتتح سورة النساء والتقوىوصلنا إلى سورة النساء السورة التي بدأها ربي سبحانه وتعالى بقوله (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ) ودعونا نقف عند الآية الأخيرة في سورة آل عمران يقول الله عز وجلّ فيها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) الخطاب للمؤمنين (اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ثم سورة النساء في أولها (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ) خطاب لكل الناس. العالم ولذلك الأمانة الكبيرة جدًا هي رسالة القرآن والحمل لهذه الرسالة ليس بالضرورة يكون بأن يقرأوا القرآن على الناس قد تمر عليهم أوقات كما هو الحال اليوم ليس أمة من الأمم بحاجة إلى أن تستمع إلى الآيات أو السور، اِسماع الأمم وتبليغ رسالة القرآن لا يكون فقط من خلال التلاوة أو القرآءة المجردة بل يكون من خلال تنزيل هذه الأحكام التي جاءت في الآيات واقعا يبصره ويراه القريب والبعيد. المساواة والعدالة في سورة النساءلفت انتباهي وأنا اقلّب في التفاسير المختلفة سواء كانت القديمة أو المعاصرة أن الكثير من المفسرين يتكلمون عن سورة النساء وفي كلامهم عن العدالة يقولون بأن سورة النساء قد بدأت بالكلام عن العدالة مع النساء ومع اليتامى ومع الضعفاء لأن السورة تتكلم عن العدالة مع الضعفاء، وهذه الفئات من النساء واليتامى فئات ضعيفة في المجتمع والإنسان حين يكون في موطن ضعف فإنه مما لا شك فيه أن يمكن أن يكون محلًا لوقوع الظلم عليه فجاء الكلام في هذه السورة عن العدالة لحماية هؤلاء الضعفاء ولكن حين قرأت في الآية الأولى من سورة النساء لم أجد مكانًا للحديث عن الضعف، ثم بعد ذلك ونحن ننظر في الايات نجد أن في الآية الأولى في سورة النساء أن الكلام عن التقوى يأتي في موضعين (يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ) وفي نفس الآية (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) الأولى (اتقوا ربكم) والأخرى (واتقوا الله). على العنصر الإنساني فقال (إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) وبدون استشعار الإنسان لهذه الرقابة الإلهية الدائمة التي لا تنقطع لا في ليل ولا في نهار لا في سر ولا في علانية، والقرآن بصائر بدون هذه البصائر لا يستطيع الإنسان أن يبصر واقعه كما ينبغي أن يكون فالرب عز وجلّ بدأ بالحديث عن اليتامى واللافت للنظر في الآية الثانية (وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴿٢﴾) بدأ باليتامى، عدالة ترتبط فعلًا بأن هذه الفئة من الناس اليتامى الموجودة في المجتمع قد يحدث نتيجة لتقلبات الزمان والتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية أن هذه الفئة تُهدَر أموالها لسبب أو لآخر فأراد القرآن أن يبدأ بهذه الفئة لأن المجتمع الذي يتعلم فيه أفراده كيف يحققون العدالة مع هذه الفئة هو المجتمع الأقرب إلى تطبيق العدالة الأُممية مع كل أمم وشعوب الأرض، القرآن يعطيني مقياس أقيس به تقدم الأمم وتقدم الشعوب ومقدار الأمانة المتحققة فيها وبالتالي لا أغتر بالمقاييس الظاهرية أو الشكلية للأمم والشعوب وإنما أبحث في الجذور والأعماق، أبحث عن حقوق هذه الفئات في المدتمع لكي أدرك حقا هل هذا المجتمع أو تلك الأمة تمارس العدالة أم لا تمارسها؟ وتدبروا ذلك القول العظيم في الآية (وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) المال الخبيث وإن كثُر فإن الخبث كصفة يبقى ملازمًا له لا يغادره ولأنه خبيث فسيأتي قطعًا على الحياة الإنسانية يهدرها هدرًا يجعلها حياة شقية حياة لا تعرف طعم السعادة بعكس الطيب وإن كان قليلًا أو بسيطًا أو محدودًا. القرآن يصحح الأوضاع بكلمة وبجملة وبجزء من آية فتأملوا لو أننا كمجتمعات إنسانية حققنا هذه القاعدة (وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) إياك أن تفرّط بالطيب لصالح الخبيث! بكل الأشياء، ولذلك تتابعت الآيات بعد ذلك وعرضت صورًا مختلفة للظلم الاجتماعي الذي كان يقع في الجاهلية ولو تأملنا اليوم وحاولنا أن أن نقرأ مجتمعات اليوم لوجدنا أن عامل الزمن ليس هو السبب وراء الوقوع في الظلم الاجتماعي بمعنى آخر  كما يقول بعض المفكرين أن الجاهلية هي ليست فترة زمنية أو تاريخية وإنما الجاهلية هي حالة فكرية ثقافية اجتماعية اقتصادية يقع فيها الإنسان حين يبتعد عن خالقه سبحانه وتعالى ولذلك صحيح الآيات عرضت لنا صورًا من الظلم الاجتماعي ومنه قضية المهور أن النساء في العصر الجاهلي كانت بعض القبائل لا تعطي المرأة مهرًا أصلًا أو أن المهر في الأصل يكون من حق الولي ولو نظرنا إلى مجتمعاتنا اليوم لوجدنا الكثير من الممارسات لا تختلف بقليل ولا كثير عما كان عليه الوضع في الجاهلية. وتأتي مع ذكر هذه الآيات بطبيعة الحال في سورة النساء لتعالج صورًا من الممارسات القائمة على الظلم الاجتماعي في المجتمع الجاهلي الذي كان يحرِم النساء ويحرِم الصغار من حق الميراث على اعتبار باطل جدًأ أن الفئات تكون أولى بالميراث على اعتبار أن هذه الفئات هي التي تقوم بواجب الحماية والدفاع عن العشيرة والأسرة والقبيلة فهي الأحق بالمال بينما تلك الفئات من النساء والصغار لا يقومون بأيّ حماية فعلى أي أساس تقسم لهم الثروة أو يعطوا مالًا من الميراث؟! فكانت المجتمعات الجاهلية تحرم هذه الفئات من الميراث فجاء القرآن العظيم بتعاليمه في سورة النساء ليعطي حقا لم يعط من قبل للنساء وللصغار (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ﴿٧﴾) “نصيبًا مفروضًا” تدبروا في هذه الآيات. تفكّر تدبر هل يمكن أن تقوم حياة الأولاد أو حياتك أنت بأكل النار؟! نار حقيقية! المال الحرام نار لا يمكن أن تستقيم به الحياة فهل تُدخل النار على بيتك وأسرتك وأولادك؟ هل تقبل؟ نحن نحمي أنفسنا وأبناءنا وبيوتنا من النار إذا اشتعلت الآن في بيتك نار لا بد أن تحرص أشد الحرص على أن تطفئها لأنك تدرك بحسّك الإنساني خطر النار فما بالنا لا ندرك ونحن نقرأ ونتدبر في كتاب الله خطر النار الحقيقية: نار الحرام هل لأننا لا نرى لهيبها؟! القرآن يرينا النار في هذه الآية لهيب نار المال الحرام حين يصورها أبشع تصوير (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) آية عظيمة آية حين يقف عندها الإنسان يستحضر معانيها يدرك حجم الخطأ المهول الذي يقع فيه حين تمتد يده إلى حرام قلّ أو كثُر ولذلك خسرنا كثيرًا حين ابتعدنا عن التدبر في كتاب الله أيّما خسارة ولسنا نحن فقط من خسرنا، وآخرتي ولذلك جاءت الآية (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) وسورة النساء من أكثر سور القرآن التي جاءت فيها سلسلة من الصفات والأسماء لله سبحانه وتعالى يدور معظمها حول العلم والحكمة والرحمة والرقابة والحسيب وطبعًأ هي صفات لها معنى وقصد في نهاية كل آية من الآيات. من الذي هو أحق بالتشريع؟ الله الرب الذي يعرف ومطّلع على خفايا النفوس وطبيعة النفوس وما يصلح لها وما لا يصلح أم البشر الذين إن علموا شيئا جهلوا أشياء وإن أحاطوا بأمر لم يحيطوا بأمور كثيرة؟! من هو الذي هو أولى بالتشريع؟ من هو الذي يحق له أن يشرّع؟ من سوى الخالق الرب سبحانه وتعالى؟! ولذلك قلنا في بداية الكلام عن سورة النساء أعظم شكل من أشكال العدالة أن تكون عادلًا مع نفسك ولا يمكن أن أكون عادلًا مع نفسي إن لم أصحح علاقة نفسي بخالقها عز وجلّ. وتبدأ الآيات بالكلام عن قضية الميراث (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) (يُوصِيكُمُ اللَّهُ) (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) كل هذه الوصايا في تقسيم الأموال ونحن نرى في واقعنا الإنساني قديمًا أو حديثا كثيرًا من الخلافات التي تقع بين البشر بل بين أفراد الأسرة الواحدة مردّها المال وعدم العدالة في التوزيع فإذا استطاع الإنسان أن يحل هذه النزاعات القائمة على تقسيم وتوزيع الثروة المالية نستيطع أن نقول أكثر من خمسين بالمئة إن لم يكن أكثر بكثير من مشاكل الأُسَر والمجتمعات والدول ستُحَلّ. الرب الرحمن الرب الذي حتى حين شرع لنا شرع لصالحنا وليس لأي شيء آخر أما البشر فحينما يشرّعون ويضعون القوانين والتشريعات لا يمكن أن تضمن إلى أي مدى استطاعوا أن يتخلصوا من النظر في مصالحهم ولذلك حال الأمم اليوم كما نرى في المجتمعات لأن تلك العدالة عدالة لم تستطع أن تُسقط المصالح الشخصية لنفسها أما عدالة الخالق سبحانه وتعالى العدالة التي يصنعها القرآن العظيم في سورة النساء عدالة مطلقة لأنها عدالة الغني سبحانه وتعالى عن عباده وهم الفقراء إليه. العدالة في الجرائم الأخلاقية الجرائم المتعلقة بالعلاقات خارج إطار الزواج الذي وضعه الله سبحانه وتعالى ليكون الإطار الحقيقي لكل علاقة بين رجل وامرأة وخارج تلك العلاقة لا يكون الإنسان إنسانًا (وَٱلَّـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ) (وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ) كل العلاقات أسقطها خارج إطار العلاقة المشروعة بين الرجل والمرأة ضمن الأسرة في الزواج. ما عاد الإنسان إنسانا وإنما عاد كبهيمة لأن البهيمة تنظر فقط إلى قضية الغريزة والشهوة فهل هذا هو الرقي الذي نريده في مجتمعات اليوم؟! للأسف الشديد حتى في قضايا العلاقات الجنسية اليوم المدتمعات في الغرب على سبيل المثال بدأت تروج لها هذه العلاقات المحرمة بدعوى المساواة لأنه يفترض عندما يكون هناك مساواة أن هؤلاء الذين يمارسون العلاقات من هذا النوع لهم الحقوق في أن يمارسوا ما يريدون! تزييف! تزييف حتى للطبيعة الإنسانية الفطرة التي خلق الله الناس عليها. والسؤال: يا ترى ما هي طبيعة الويلات والكوارث الاجتماعية والإنسانية التي ستأتي على المجتمعات التي تسكت على هذا النوع من التردي الإنساني والانحطاط؟!! ماذا سيفعل البشر؟! أريد أن أقف معكم عند قضية قضية معاناة المجتمعات المسلمة اليوم إزاء هذه العلاقات لأن الكثير من القوانين باتت تُفرض عليها فرضًا من الأقوى. ربي عز وجلّ يقول (يا أيها الناس) ما دورنا نحن كمجتمعات مسلمة وكأفراد في إيصال هذا الخطاب للعالم؟! فشلنا في إيصاله وحين فشلنا كان لا بد أن ندفع الثمن والثمن سيدفع غاليًا!!. أين الأمان هنا؟! كيف سأؤمن أولادي في مثل هذه المجتمعات؟! هل سأحجر على أولادي وهل سيصل بي المقام وينتهي بي أن أضطر أن أحبس أولادي في البيت لكي لا يختلطوا بالآخرين؟! ماذا سأفعل؟ الأمان الحقيقي هو الذي تكلمت عنه سورة النساء (فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ) تقوى الله عز وجلّ ومن مقتضى التقوى أن أقوم بدوري في إيصال رسالة القرآن للبشرية التي تعاني اليوم وهي بحاجة إلى من ينقذها فعلًا بحاجة إلى من يقول لها لا،