هبت مصحوبة بأمواج كالجبال. وتغير الموقف كلية على ظهر السفينة، فالبحارة مجتمعون لا للتسامر وتجاذب الأحاديث، فلا مكان للسمر والأحاديث هنا. إلى مسخّر الرياح والأمواج ليزيل هذه المحنة. وبدأت توجه الضربات إلى صدر السفينة بلا رحمة حتى احمرّ صدرها، وازداد الموقف تعقيداً فالكل ينتابه الخوف والارتباك ومتوجه بتفكيره إلى نهاية هذا المطاف والمصير المنتظر. بدأت الأمواج كالسرب الزاحف. هيهات أن تواجه السفينة هذا الجيش الغازي بقضه وقضيضه ومن ثم أصبحت السفينة لعبة في يد الأمواج والرياح تسيّرها حسب كيفيتها. ونحن في أشد ما نكون فيه من الخوف والاضطراب، والبكاء يخالط دعائي وما زلت بالدعاء حتى انقلبت السفينة رأساً على عقب إيذاناً بانتهاء مرحلة الصمود على ظهرها، مرحلة مواجهة الموت وجهاً لوجه مع الأمواج والرياح. واشتد وطيس المعركة بين هذا الجيش الجبار وبين هذه الفئة البائسة التي لا تملك من أمرها شيئاً والمغلوبة على أمرها، وتمنيت لو اجتمع الشمل مرة أخرى فقط لمجرد الجمع، حيث عثرت على قطعة من أطلال السفينة فاستعنت بها. ثم أزمعت الرجوع إلى مسقط رأسي وأنا مدين له بحياتي، ولست أدري ما الذي جعلني أعود بذاكرتي إلى الوراء. تذكرت كل هذا وصورة ذلك اليوم المشؤوم واجمة أمامي بكل ما فيها وقد اعترتني موجة من الحزن والأسى. إلى أولادي إلى ماهر وخولة. حيث أرسلت به فتباً لك يا بحر.