نظام التّفجية وحوارية القراءة (للدّكتور: إبراهيم طه): يؤمِن د. وبالتّلاقي مع النّصّ. هذا يقول بأنّ النّصّ مبنيّ على فجوات يجب على القارئ النّظر فيها حتّى نصل إلى نتاج أدبيّ ذي دلالة. وجود الفجوات في النّصّ يمسّ بغريزة الإنسان وفطريّتة للمعرفة ممّا يولّد عنصر التّشويق، والتّفجية لغة: اسم منحوت من فجّ: معناه خلق الفجوة، وقد نقل هذا المصدر إلى علم الأدب للتّدليل على عمليّة القيام بفجوات (سيرورة- كيف تخلق الفجوات في النّصّ الأدبيّ وما فعلها وأثرها على النّص والقارئ). وكل ما يتعلق بالتّفجية جعل فعلا يستند إلى عمل ما، يخلقها الأديب عامدًا متعمّدا. لا اقتصارًا ولا تقصيرًا، ذلك أنّنا حينما نقرأ نصّا نجده تامّا عمومًا. لا تأخذ الفجوات حيّزا مكانيّا ولفظيّا، بل بالمعطيات التي يحتاجها القارئ لفهم النّصِّ أثناء عمليّة القراءة. (الفجوات تتَّصل بغياب معلومات نصيّة يشعر القارئ بحاجتها أثناء القراءة أوّلاً ولفهم النّصّ ثانيًا). الفجوة إذًا متعلّقة بالقارئ قبل أن تتعلّق بالنّصّ، . واللغة علامات مرئيّة مسموعة. وكلّ شعب قد خلق لنفسه أشكالا خاصّة للتّواصل. ولكنّ اللغة مع ذلك عاجزة عن إدراك كلّ ما نحتاج إليه. وبالتّالي فالنّصّ ناقص لأنّ اللغة أصلا عاجزة على شمول الواقع بكلّ تفاصيله، إلا أنّها تقرّب لنا الواقع مقارنة مع حقيقته. هذا بالضّبط ما قاله أفلاطون: نحن نسعى إلى العالم الأمثل، ذلك لأنّ الإنسان ينزع إلى ما هو أفضل دائما. أوّلا - الاستطراد: يعتمد النَّصُّ بالأساس على التّتابع الزّمنيِّ برابط منطقيّ يجعلُ حركة النّصّ أحاديّة المسار، غير أنَّ النّهجَ القصصيَّ لا يعتمد هذا الأسلوب لرتابتِهِ، ويمكن أن تتَّصل بأحداثٍ مباشرةٍ أو لا، في قصّة أشياء غريبة لمحمّد نفّاع، ولكنَّه يفاجئُنا بسيرِه في اتّجاهٍ آخرَ، كانت سببًا في خلقِ مسارٍ عموديٍّ يوقِفُ تَتَابُعَ أَحداثِ القصَّةِ. وَفي المثالِ السّابقِ نلاحظُ تلاقي القصَّتين بعاملِ الزّمنِ، ثانيا - الاسترجاع: يساهم الاسترجاعُ أيضًا في خلقِ تشويشٍ ما في ترتيبِ القصَّة وَذلكَ بإِعادَةِ الزَّمَنِ إلى الوراءِ؛ ويتحقَّق ذلك عن طريق التَّداعي أو المونولوج. نُلاحظ أنَّ الاسترجاع قد أَخذَ حيِّزًا واضحًا باللَّفظِ، فله مقدّمةٌ واضحةٌ مثل: "وعاد بعقله إلى خمسة وعشرين عاما إلى الوراء" وخاتمة كذلك واضحة مثل" وقطع عليه ذكرياته نهيق حمار التّاجرِ وصوت صاحب الحمار". هذا الصّراع الذي يبرِز من خلالِ استحضار الماضي وتعليقه بالحاضر خلق لدى القارئ تشويقا ما لمعرفةِ نهاية الصّراع في ذات الشّخصيّة. والواضحُ أنّ الاسترجاع هنا غايةٌ بحدِّ ذاتها تكمّل القصّة لا مجرّد فجوةٍ عابرةٍ. الاسترجاع أو التداعي باختصارٍ خروجٌ عن مسار النَّصِّ ممَّا يُسهم في إيقاظ القارئ ودفعه للتساؤل. ممّا يوضّح أنّ الفجوات مؤقّتة، وطالما أنَّ المعلومات مخفيّةٌ فالقارئُ سيندفع ويتحفَّز لمعرفة الحقيقة وذلك يعني أنّ الاسترجاع يخلق موضعًا للتّفاعل الانفعاليِّ بين النّصِّ والقارئ على النَّحو التّالي: يُوقِفُ الاسترجاع مسار التَّتابع الزَّمنيِّ للحكايةِ - يخلق تساؤلاتٍ عند القارئ ويؤجّل الإجابة عنها- يشوّق القارئ ويثير عنده الرّغبة الفطرية في المعرفة والاستزادة منها التي يتعمّد الاسترجاع تأجيلها. وقد تدفع القارئ إلى لعبة تخميناتٍ هي بمثابة استباقٍ للإجابات النَّصِّيَّةِ الصَّريحةِ. يجدُر الذِّكرُ أنَّ الاسترجاع لا يعمد إلى التشويق فحسب، بل إلى تشكيل مبنى مواجهاتٍ (مثل قصّة نخلة على الجدول) من حيث الزمن في الماضي والحاضر، ثالثا - التّدريج والتّمديد: وسيلة تأجيلٍ بارزةٌ يمدِّد فيها الراوي مساحة الفجوة التي يصادفها القارئ في بداية النَّصِّ، أي حينما يجد أنَّ زوجته تخونه مع رجلٍ آخر، إنَّ توظيف الاسترجاع هنا هي لوصف تأقلم الزّوجة في المدينة ومحاولة "الأفندي النّيل من عرضها" ما يأخذ حيّزًا واسعًا منها. خاصّةً في مرحلة التّأزُّم. بل بمدى تأثيرها في القارئ. أمّا الحالة الرّابعة وهي ثنائيّة الرّواية فقد عَمِدَ فيها الكاتب إلى الانتقال من حال أحد البطلين إلى الثَّاني ليجعل القارئ في قلب الحدث يستطيع تدارك ردود الفعل عند كليهما. وهو أسلوبٌ تأجيليٌّ أيضًا، لا يستند إلى حادثة بذاتها، تنبني عليه أحداث لاحقة مع متابعة القصّة ممَّا يخلق عنصر المفاجأة بعد انكشاف دورها. في قصَّةِ "الباب المقفل" لمحمود تيمور مثالٌ صارخٌ على التَّضليل ففي حينِ أنَّ الفتاةَ البطلةَ تواعد شابًّا لتأخذَ منه كتابًا، فيدخِلَهَا إلى بيته ويقفل الباب. يأخذها ذلك إلى عوالمَ من التّخمينِ، ممَّا يجعلُهَا في حالةِ توفُّزٍ فيها تفكُّرٍ كيف ستردُّ عليه نيَّتَه الَّتي تراوِدُ القارئَ للوهلة الأولى بأنّها جنسيَّةٌ، مقابل حالة النَّشوةِ التي قد تصيبها تجاه هذه الفتنة الرّجوليَّةِ، المعلومات التي لاحظناها في نهاية القصّة غُيِّبت في أوَّلِها، ممّا جعل الفتاةَ والقارئَ ضحيَّةً لهذا التّضليل. هذا الأسلوبُ يهدف إلى إيقاظ القارئِ، وتفجِّرُ المفاجأة التي تذهل القارئ والفتاة على حدٍّ سواء لهذه النّهاية غير المتوقّعة، ممَّا يجعل التّأثير أشدَّ وطأةٍ. ثمّ يطوّر هذه الشخصية ليعطيها اسمًا وهيئةً متكاملةً ويكتشفُ في النّهاية أنّها زنزانةٌ مؤقَّتَةٌ لمساجينَ من كِلا الجنسين، اللافت للنَّظر أنّ المفاجأَة في المثالين قد جاءت في النّهاية، يقدّم الكاتب من خلالها معلوماتٍ قد تغلق الطريق مباشرةً أو عن طريق التلميح أمام ملء الفجوة. قصّة زعبلاوي لنجيب محفوظ مثالٌ واضحٌ على ذلك، إمّا يجيبون بإضافة معلوماتٍ لا تقدِّم ولا تؤخِّر أو يردّون سؤال البطل بأسئلة بلاغيّة مشابهة، هذا الاحتمال يثير في نفس البطل بصيص نورٍ حيث إنّ الكثيرين ممَّن قابَلَهم أثبَتُوا بقاءَه على قَيدِ الحَياة وقسم منهم يؤكّد أنَّه عاش معه فترة طويلة، ممَّا يجعل هذا أقوى من احتمال حياته في ديمومةِ الأَمل المذعن لوجود الشَّيخ عاجلاً غير آجلٍ. وجملته الأخيرة: نعم، عليَّ أن أجد زعبلاوي تشير إلى أمرين: أ*- القصّة لم تنتهِ عند توقّف الرّواية ولا يزال احتمال إيجاد الشَّيخ قائمًا. ب*- القصّة ذات مبنىً دائريّ بدأت وانتهت من نقطة واحدة ممّا يدعونا لنشكّ بأنَّ الكاتب يعمد إلى يصنِّف د. إبرهيم طه التغليق كنوعٍ تأجيليٍّ من أنواع الفجوات، ذلك لغياب الجواب فيه، فجوات القارئ : أوّلا - الحذف: غير أنَّ الكاتب يستخدم بعض المؤشّرات والإيحاءات التي تقرب القارئ إلى غايةِ إدراك النّصِّ، في قصّة الحكاية المثال ليحيى الطّاهر عبد الله، وأعاد الكلب واحتضنه ليشاركه مسكنه. وهو نظامٌ يحتوي ثلاثةَ أقسامٍ: الإشارة، الرّمز والمبنى الرمزيّ المتكامل. مع احتمال أنّ مهمّة ملئها قد تطول وتقصر، في قصّة النّمور في اليوم العاشر لزكريّا تامر: المبنى رمزيّ ثالوثيّ فيه نقاط الالتقاء هي: الطّعام، غاية النّمر هي الطّعام ووسيلته لبلوغ غايته هو المروّض. أمّا المروّض فوسيلته الطّعام، وغايته السيطرة على النّمر. يبطئُ عملية الاستيعاب، إنّما يطمح في خلق رؤية له معلّقةٍ في محاورَ ثلاثة: الواقع، المادّة الأدبيّة والقارئ. وعليه يخلق فجوة النّصّ والقارئ. الرّجل مستمتع براحة المرتبة التي ينام عليها والزّوجة إلى جانب النّافذة، يردّد عليها سؤالاً ثابتًا وتجيبه الإجابة ذاتها. كان يرغب في النّوم طويلاً وفعلاً غاص في المرتبة فاستوى سطحها بلا أيّ انبعاج. هذه القصّة صارخة بالإغراب، فيها يتمرّد الكاتب على واقع الحياة ويوجِد واقعًا نصيًّا خاصًّا، ممَّا يجعل التَّمرُّد لا يصيب الواقع فحسب بل عليه (القارئ) نفسه، ويرى د. وذلك بتحييده قوانينَ المنطق الواقعيّ الذي ينتمي إليه القارئ، ولغة الرّمز تكثيفيَّةٌ بطبيعتِها تُجمل معلوماتٍ كثيرةً بعباراتٍ قصيرةٍ وموجزةٍ. لهذا فإنّ الإغرابَ ينشِّط القارئ َبتحفيزِه على البحثِ عن المرموز إليه من خلال تكثيف الرّمز في مفهوم الإغراب. كلماتٌ كثيرةٌ مثل حيفا نستخدمها كمدلولات تمرّ بعمليّة تحليل سريعة في عقولنا نرمز فيها إلى حيّزٍ جغرافيٍّ معيّن، ممّا يقول بأنّ اللغة مجموعةٌ من (شيفراتٍ) تعبِّر عن التَّجربةِ الإنسانيَّة في القدرة على تحليلِها. بالتَّالي فإنَّ التّواصل مع النّصّ يحتاج لملمة (الشيفرات) كلِّها ثمّ محاولة ترجمتها في نسقٍ منطقيٍّ. تجدر الإشارة إلى أنّ الإغراب بالغالب يعتمد على عنصر التحوّل. وكذا الحال في قصّة المسخ (لكافكا)، والتي تعتبر النّموذج الأوضح للإغراب في الأدبِ العالميِّ في القرن العشرين، هذا التّحوّل في الأمثلةِ الثّلاثةِ يحدِّد توجُّهَ القارئِ في تساؤلاته وتحصرها في (شيفرات) التّحوُّل وما يتعلّق بها. يرى (كولِر) أنّ نتاج النّصِّ الأدبيِّ لا يكون إلا بتراكمٍ نصّيٍّ وثقافيٍّ متّصلٍ مباشرةً أو بصورةٍ غير مباشرةٍ. لذا، على القارئ أن يكون ملمًّا ثقافيًّا حتّى يفهم ما في النّصّ. يقول محمَّد مفتاح إنّ القارئ يجد نفسه أمام عدَّة نصوصٍ متداخلةٍ في نصٍّ واحدٍ ممَّا يجعلُ ذاكرته مؤهَّلَةً لخوضِهَا، التّفضيل فيها والمقارنة وما إلى ذلك. يتّضح فيما بعد أن أحد أبطالها قد أدّى دورًا مشابهًا في مسرحيّة شكسبير، يقول سعيد يقطين إنّ التّناصَّ قد أدّى دورًا (أيرونيًّا) غير مباشرٍ لقصّةِ شكسبير بناء على ما استنتج (ساسون سوميخ). الجدير بالذّكر أنّ محاكاة نصّ شكسبير عند مبارك جاءت اعتراضا لها باعتبار احتمالها للخطأ ممّا يخلق فجوةً. في قصّة حُمَّى اليوم المقبل لمحمود عبد الفتّاح يستدعي نصًّا خارجيًّا ويؤجّل ربطه مع النّصّ كلّه إلى النّهاية، ممّا يؤكِّد العلاقةَ بين النَّصين: المستدعَى والمستدعِي. للعلاقات الضّدّية أشكال مختلفة في النّص الأدبيِّ تقوم على علاقةٍ متنافرةٍ بين طرفين صريحين في النّصّ كالمفارقة (أيرونيا) والتّضاد (باردكوس) (والساتريا ، ممَّا ينشّط فعاليَّة القارئ. حَماةٌ تقنِعُ كنّتها بمعالجة ابنها من المرض بدفنِ معظمِ جسده إلى جانب قبر أحدِ الأولياءِ، ولكنّه يموت، فتهنّئ الأمَّ بموت ابنها في هذا المقام المقدّس ممّا يثير السّخرية. في قصّة الهذيان لنجيب محفوظ، الناس تظنُّ موتَه بعدها عدم مقدرة منه على احتمال موتها، أحقًّا كانت زوجة صابر واعيةً لما قالته عن خيانة زوجها؟ هل خانته فعلا؟ في قصّة حكاية مصريّة جدّا لإدريس، حيث يفترض البطل أنّ قطع ساقيه وعمليّة التّسوّل بهذا المسوّغ رأس مالٍ ممّا يولّد السّخريّة. بعض الأمثلة السّابقة تحتاج نشاطًا محدودًا من القارئ لملء الفجوة فيها يقرّ بالنّقيض ويحمّل الموقف السّخرية كما في قصّة نفّاع،