ورُسِمت دون التفات إلى التجانس العرقي أو اللغوي أو الديني؛ وكثيرًا ما اضطُر الملك أو السيد للجوء إلى القمع متى حُجِبَ الولاء أو الخدمة؛ ونجد في كتابات روسو بالأساس أقوى مصادر إعادة إحياء مفهوم الدولة القومية وأساس القومية كمذهب سياسي؛ فقد أكَّد روسو واليعاقبة على حق «الشعب كله» في فرض سيادته على الدولة، ومبدأ المساواة في حقوق المشاركة المدنية والمساواة أمام القانون، ركائز مذهب القومية الحديث، أو على أنها جماعة يرتبط بعضها ببعض على أساس العرق أو اللغة، ويتحوَّل المجتمع البشري إلى عالم مكوَّن من دول قومية. حتى يتسنَّى لها التمتع «بالسيادة القومية الكاملة». شكل ٢-٢: أعاد مؤتمر باريس للسلام رسم خريطة أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى. ويذهب النقاد إلى أن معاهدة فرساي حملت بذور الحرب العالمية الثانية. خلقت حدود عام ١٩١٩ مشكلات جديدة للأقليات القومية التي حُبِسَت بما لا يلائمها على الجانب الخطأ من حدود الدول الجديدة. وكما تذهب حجة قدوري القوية في كتابه «القومية»، فإن إصرار أصحاب مذهب القومية على الحق في تقرير المصير القومي، كثيرًا ما أخطأ الليبراليون الأنجلو أمريكيون حسنو النية فَهْمَه على أنه تفضيل للديمقراطية الدستورية، فقد أثبتت دول قومية متعاقبة حديثة الاستقلال في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا أن الاستقلال لا يضمن، من الواضح أن مذاهب القومية ليست مسئولة بالكامل عن وضع العلاقات الدولية المحفوف بالمخاطر، فعندما يوبِّخ النقاد مذاهب القومية لنهجها الهجومي وميلها إلى الحث على العنف السياسي، يخلطون عمومًا بين القومية في «صورتها الخالصة»، ومذاهب التفوق العرقي أو أيديولوجيات التوسع الإمبريالي. وفي ظل اقتران صعود الدولة القومية مع انهيار الملكية المطلقة وصعود الديمقراطية الجمهورية، أفلم يكن من المحتم أن توجه الشعوب الأوروبية أنظارها صوب الهوية القومية والوحدة القومية لمنح الاستقلال السياسي مشروعية؟ وهل أخطأ جلادستون وأسكويث وليود جورج (فضلًا عن وودرو ويلسون في هذا الشأن) خطأً فادحًا في منح الإيرلنديين أو التشيكيين أو البولنديين حق تقرير المصير، والتحرر من حكم أجنبي لم تدعمه شعوبهم ولا قبلت به قط؟ أليس أكيدًا أنه من قبيل العدالة الطبيعية أنه ينبغي لمن يشعرون بالانتماء إلى مجتمع قومي متجانس أن يتمتعوا بكرامة الاستقلال السياسي القومي ومكانته، ما دام يُقَرُّ بأن ذلك الاستقلال لا يحل في حد ذاته المشكلات الملحَّة المتعلقة بالعدالة الداخلية السياسية والاقتصادية، أو مشكلة إقامة نظام دولي مستقر؟ ٣) الصور الرئيسية للحركات القومية ٣-١) القومية الثقافية اللغوية كان العديد من رائدي القومية السياسية في الدول السلافية وأوروبا الغربية والشرق الأوسط وأفريقيا «أدباءَ» استخدموا كتاباتهم للتعبير عن إدراكهم للتميز القومي، ولتكوين مطلبهم المبدئي المتعلق بالاستقلال السياسي. وإن زعماء الحركات القومية ومثقفيها — ما إن يتحقق الاستقلال — قد تحل محلهم قوى سياسية ثورية أخرى، بَيْدَ أنَّ الأمم حديثة الاستقلال — مثل حكامها من الدول الإمبريالية السابقة التي نشأت منذ أمد بعيد — سرعان ما تدرك أهمية القومية الثقافية («معركة الكتب») من أجل تعزيز الالتزام القومي لدى شعوبها. وفي حالات السيطرة الاستعمارية طويلة الأجل، أو محاولة القضاء على القومية السياسية، وحيثما لا يزال توارث الثقافة واللغة متفشيًا بين أعضاء مجتمع عرقي كامل، يكون من غير الواقعي بالمرة — كما أثبتنا في حالة الإمبراطورية النمساوية المجرية في القرن التاسع عشر — أن يؤمَل منع بزوغ القومية الثقافية بمجرد منح اعتراف استعماري محدود بالهوية الثقافية القومية. فقط عندما تُستوعَب النسبة الأكبر من الجماعة العرقية في الثقافة السائدة سياسيًّا — كما في بريتاني الحديثة — تبقى القومية الثقافية في صورة حركة أقلية محكوم عليها بالفناء، عاجزة بصورة مأساوية عن مدِّ قاعدتها الثقافية اللغوية بالقدر الكافي لاقتناص السلطة بالسبل الديمقراطية. ٣-٢) القومية المناهضة للاستعمار في «العالم الثالث» كانت القومية مذهبًا سياسيًّا أوروبيًّا في الأصل، وصاحبت أثر الحكم الاستعماري أو تبعته لا سبقته. بيد أنه في معظم الحالات، وفي مثل ذلك الوضع، كانت جاذبية مذاهب تقرير المصير القومي طاغية بكل ما في الكلمة من معنى، ومن هنا — في صياغة تفهَّمها الأوروبيون على الفور — جاء المسوغ الذي احتاجوه من أجل مطالبهم المتعلقة بإدارة شئونهم الخاصة، متحررين من الحكم الاستعماري، وهي حركة شعبية عميقة، ولا غرابة في أن الحكومات الاستعمارية حاولت في بداية الأمر أن تسحق تلك الحركات، باتباع طرق معاملة محددة تباينت حسب القوة المستعمِرة المعنية وظروفها السياسية والعسكرية. وقد تمكن تقليد استعماري براجماتي — كالبريطاني — من إنشاء سياسات تشجع الحركات القومية الجديدة بالفعل أو تتواطأ معها؛ التي كثيرًا ما تكون متشرذمة ومتناحرة على نحو أكثر فعالية في صورة كيان سياسي مستقر ومنظم. كثيرًا ما دفعوا ثمن فشلهم في توفير السلع المادية، ومستويات معيشة أفضل. وفي كثير من الحالات — لا سيما في المستعمرات البريطانية — شجَّع الحكم المتساهل للقوة الاستعمارية تكوين أحزاب برلمانية قومية على سبيل «الوصاية الديمقراطية»، وأينما حدث ذلك كثيرًا ما أمكن تفادي العنف المفرط المتولد عن قيام انقلاب ثوري على الحكم الاستعماري. وفي ظروف أخرى — كما في قبرص والجزائر وعدن — وَجدت الحركات القومية نفسها تتعرض للقمع والتجريم من الحكومة الاستعمارية، ولجأت إلى تنظيمات خارج إطار القانون وغير معلنة، ويلزم كلًّا من «حركات التحرير الوطني» الثورية والأحزاب القومية الناشئة، وعلى الأخير إثبات مؤهلاته القومية للسلطة الراحلة ولشعبه ذاته. قد تضيع حتى إمكانية قيام نظام حكم يحظى بمشروعية شعبية، لا سيما ضباط الجيش الذين يحتكرون السيطرة على السلطات القمعية لدى الدولة؛