فإني أبدأ المقال وفي ذهني جميع أصوله ، أما إذا لم تقيدني الضرورة بمكان معين فأكثر ما أكتب وأنا مضطجع على الفراش، وثلاثة أرباع مقالاتي السياسية كتبت كذلك، ويهمني كثيرًا أن أعود إلى كلامي قبل الطبع لأصححه وأراه في صورته الأخيرة، ومتى نظرت فيه قبل تسليمه إلى المطبعة فقد أحذف وأزيد عليه، وإذا شطبت على الكلمة أثناء الكتابة، عنيت بأن أطمسها طمسًا تاما كأنني لا أريد أن تتراءى لنظري بعد ذلك، ويقل إذا أقبلت على العمل بنفس راضية وجسم مستريح، أما زمان الكتابة فشرطي الوحيد فيه ألا يكون بعد تناول الطعام ثم أقفوها بأضعف الحجج، كما شاهدت بالتجربة من تأثيرها المحمود. وهو جد نادر. بل لقد كنت يومئذ أترك التدخين حين أشرع في الكتابة. منهجي في تأليف الكتب في كلمتين هما: التقسيم والتنظيم، وهما - كما سيرى تختلفان بعض الاختلاف عن منهج التبويب والترتيب منهجي في التأليف يلخص فعملي الأول عند تأليف الكتاب، أن أتبين في ذاكرتي أقسامه الواسعة التي تحيط بأجزائه المتفرقة فإذا فرغت من الإحاطة بها كتبت عنوان كل قسم على غلاف متوسط الحجم يتسع لعدة أغلفة أصغر منه إذا وضعت فيه. ولكنها مشتركة في مدار البحث، أو معدودة من موسوعاتهعند النظر في الاستقصاء، أذكر كيف ألفت - على سبيل المثال - كتابي في البحث عن العقيدة الإلهية، ولاحظ بعض النقاد بعد صدوره أن الأحرى به من ناحية البحث العلمي أن يسمى «الإله»؛ لا يدين بها جميع المؤمنين بالربوبية، وكان موضع الخطأ في هذا النقد أن مدار البحثهو «الله» الذي انتهى إليه الإيمان ب «الإله» وهما بحثان مختلفان؛ لأن الوصول إلى فكرة ((الإله)) قد تم قبل ظهور العقيدة في «الله» بدهر طويل. فإنه هو «الإله» كما انتهت إليه غاية البحث في عقيدة الوحدانية. فالأقسام التي تناولها البحث هنا غير الأقسام التي يستوفيها البحث بمجرد الوصول إلى الاعتقاد بأي إله، وأي رب معبود. وقسمعن الاعتقاد بالأرباب على إطلاقها، وقسم عن العقيدة الإلهية في أمم التاريخ الكبرى، وقسم عن العقيدة الإلهية في الديانات الكتابية، وقسم عن الإله في مذاهب الفلسفة قبل الديانات المشهورة، ثم ختام لهذه الأقسام لجمع أطرافها والتعقيب عليها. وطلبت من مكتبة المعارف. وبدأنا المراجعة تصفحا واستعراضا لا نتوسع فيه إلا بمقدار ما يكفي للاستذكار، والعلم بما يلزم في كل قسم من الأقسام، وكادت أن تنقضي إجازة الصيف في هذا الاستذكار والتعليق. فالعمل الأول على حسب هذا المنهج هو الإحاطة بأقسام الكتاب، وتخصيص غلاف مستقل لكل قسم منها، ويأتي بعد ذلك عمل التصفح والمراجعة، فإذا مرت بي مسألة من تلك المسائل في المرجع الذي أتصفحه أثبت رقم الصفحة التي وردت فيها، ولم تزد هذه الإشارات على علامة كعلامة ((صح)) في الكراسات المدرسية، أو علامة كعلامة الاستفهام أو التعجب أو التضمين، وتغنيني عن كتابة التعليق بالكلمات. وتكتب كل إشارة من هذه الإشارات على قصاصة صغيرة، ثم تأتي بعد ما تقدم مرحلة تالية، وتنحية ما يظهر على نقيض ذلك أنه زيادة يستغنى عنها، وتكرار يدخل في خلال المقاصد الأخرى، ويلحق بها على هذا الاعتبار، ولا يندر في هذه الحالة تغيير عناوين الأقسام وتفريع المسائل إلى أبواب في القسم الواحد، كل باب منها منفرد بجانب من جوانب البحث يستقل بعنوانه و حدوده. وقد يرى هنا موضع الاختلاف اليسير بين منهج التقسيم والتنظيم، ومنهج التبويب والترتيب . أما الترتيب فليس من أسرار الصناعة أن أقول إنني لست ألتزمه في جميع الأحوال، فموضوع البراهين القرآنية في الكتاب الذي نحن بصدده كان أول فصل كتب فيه، بعده في ترتيب الكتابة . ولست أغفل الترتيب لغير سبب يستدعيه تنظيم أوقات العمل. ولكنني أنظر إلى الوقت الميسور لكتابة الفصل، وإلى الأيام التي أفرغ فيها للتأليف بين الأعمال الأخرى، وقد كان صديقنا المازني يقول: إن أسلوبه الاستطرادي لا يمكنه من بناء الدور الثالث في المنزل قبل الدور الثاني على حسب تعبيره . ولكنني أعتقد أن تشبيه المراحل هنا بمسافات الطريق أقرب إلى الواقع من تشبيهها بطبقات البناء؛ لأن فصول الكتاب لا تقوم على اختلافها في العلق والارتفاع كما تقوم على اختلافها في الابتداء والانتهاء على خطوط الطريق، ومتى عرفت مسافات السير من الميل الأول إلى الميل الألف فلا فرق بين الابتداء بالتمهيد من الميل الأول إلى العشرين والثلاثين وبين الابتداء به من الميل العشرين والثلاثين، وإنما المهم هو التحقق من حدود كل مسافة بالنسبة إلى سائر الحدود، وهذا هو العمل الواجب قبل الشروع في الكتابة من مبدئها، فلا بد من الاطلاع على عناصر الكتاب عنصرًا عنصرًا في كل مبحث قبل كتابة فصل من الفصول. وليس لكتابة المقالات منهج يخالف هذا المنهج في تأليف الكتب سوى الخلاف الضروري بين الإطالة والإيجاز، بل غير صبغته الفنية في أكثر الأحيان؛ لأن إشباع المعنى ساعة الكتابة قد يوحي بألفاظ العبارة التي تليها، وقد يكون للعاطفة صلة بأسلوب التعبير عن المعنى، فيشتد شعوري بها على قدر إشباعها وقوة أدائها، ويحدث هذا في فصول الكتب، كما يحدث في المقالات المنفصلة، وغاندي وسعد زغلول. ولم أعالج كتابة القصة في غير قصة واحدة مطولة هي قصة «سارة»، وقصص قلائل من الحكايات أو الأماثيل القصار. ورأيي في منهج القصة أن إبلاغ مؤثراتها النفسية إلى وجدان القارئ هو كل ما يُطلب من كاتبها بغير قيد مرسوم، وقد قيل غير مرة أن «سارة» لا تجري على منهج القصة المتبع، وما هو القانون الفني الذي يفرض على كل كاتب، وكل ما هنالك أن الناقد يلقي بهذا الرأي، وهو يعرض في ذهنه أساليب قصص مختلفة ويريد مني أن أوافقها جميعًا في أسلوب قصة واحدة، ولا قصة حياة سارة بطلتها، ولا قصة حياة أحد من المذكورين أو المذكورات فيها، ولكنها قصة العلاقة في فترة محدودة من الزمن بين فتى وفتاة، ثم انتهت بها إلى ختامها، ومن هنا، ينبغي أن يبدأ تساؤل ولكنني أدعو من شاء أن يقترح لها منهجا آخر يوافق النقاد والشعراء على أنه أصلح من منهجها لإبلاغ مؤثراتها النفسية إلى وجدانهم،