وهو على الأغلب من تأثير الشعوبية التي تحاول أن تنسب كل علم عربي إلى أصل فارسي، وأنهم كانوا يبنون تاريخهم على الليالي دون الأيام كما هو متبع في التقويم الهجري، لذا فإن معنى كلمة تاريخ كان في مبدأ أمرها هو تحديد الشهر، ما يدل على أن الكلمة كانت معروفة في ذلك الحين. (12) يمكن القول إذا إن هذه الكلمة قد مرت بعدة أطوار، فبدأت مسيرتها أولاً بمعنى التقويم والتوقيت في صدر الإسلام الأول، وبعد أن استخدمت لفترة من الوقت بهذا المعنى كسبت معنى آخر هو تسجيل الأحداث على أساس الزمن، ثم بدأت كلمة تاريخ تحل بالتدريج محل كلمة «خبر» وأخذت تطلق على عملية التدوين التاريخيوإذا ما عدنا إلى نطاق التاريخ والاتجاهات الرئيسية فيه، ولا يتم هذا التحري في نظر هيرودوتس إلا إذا قام به المؤرخ نفسه وسافر إلى الأماكن التي يروم دراستها من الناحية التاريخية (14) ، وهكذا نرى أن الاتجاهات تتباين في تعريف التاريخ، وبالإضافة إلى هذه الأسئلة التي تتجه جميعها نحو شؤون الماضي، هناك من أطلق لتفكيره العنان مثل ابن خلدون وسبنكلر (شبنغلر). هناك من أطلق لتفكيره العنان مثل ابن خلدون وسبنكلر (Spengler. أو بالأحرى ما هو نطاق التاريخ ؟ لقد استمر مفهوم التاريخ، مقتصراً على سير الملوك، وبالإضافة إلى هذه الأسئلة التي تتجه جميعها نحو شؤون الماضي، فكله تاريخ وكله ميدان عمل المؤرخ، بما فيها الشؤون الدينية والعلمية والعمرانية والسياسية والحربيةوالاقتصادية والاجتماعية والعلاقات الدولية، لكنه فسر هذه الكلمات الخمس مجتمعة وعلى انفراد بخمس عشرة صفحة، أن انطلق على الأولى منهما كلمة «التاريخ» (بالألف اللينة) وعلى الثانية كلمة التأريخ» (بالهمزة) (30). وهو على كل حال لا يقل دقة عن التمييزات التي حاولها بعض المؤرخين الغربيين في اللغات الأجنبية الكبرىونطاقه بل امتد إلى النظر إلى كونه علماً أو أدباً أو كلا الاثنين، وظل هذا الأمر مدار خلاف بين المؤرخين أنفسهم وبينهم وبين المختصين بالعلوم الأخرى، إن التاريخ علم لا أكثر ولا أقل (32) ولم يقبل الفلاسفة الطبيعيون بهذه المقولة، 3 - لا يمكن أن نصل في التاريخ إلى التعميم أو القوانين العلمية لأن كل واقعة من التاريخ قائمة بذاتها . وليس ثمة اتفاق بين المؤرخين على ما هو هام من الوقائع وما ليس بهام. 5 - إن عنصر المصادفة يهدم كل تقدير سابق ويحبط كل محاولة ترمي إلى استباق الأحداث والأخبار بها قبل وقوعها. والحقيقة أن محاولة إطلاق كلمة (علم) على التاريخ أو نفيها عنه تعتمد على تحديد معنى العلم، كما يراه أكتن مثلاً Lord Acton) حيث ينقل عنه هر نشو قوله (36) العلم اجتماع طائفة كبيرة من الوقائع المتشابهة بحيث تنشأ عن اجتماعها وحدة عامة على هيئة مبدأ أو قانون يمكننا على وجه اليقين من التنبؤ بحدوث وقائع مشابهة للوقائع المذكورة في ظروف معينة، فإن التاريخ لا يمكن أن يكون علماً بالاستناد إلى هذا التعريف، وهي مادة علمه وتكمن قيمتها وأهميتها في دلالتها على الوقائع الماضية لا في ذاتها . ولقد أشار إلى هذا المعنى من العلم كل من لانجلواوسينوبوس (C) Seignobos) في مقدمة كتابهما المدخل إلى الدراسات التاريخية (40) ، لأننا نستطيع أن نطلق كلمة (علم) على كل مجموعة من المعارف المحصلة عن طريق منهج وثيق للبحث في نوع واحد معين من الوقائع، وهذا هو المعنى الذي نقصده من قولنا أن التاريخ علم . إن الذي يدعو الباحثين إلى توكيد الجوانب العلمية للتاريخ هو أنه يشارك العلوم الأخرى بأن له منهجاً وطريقة خاصة به للبحث تمكنه من جمع مادته وحقائقه. فتدوين التاريخ يقترب من الكمال بقدر ما بين المعرفة والفن مناتساق في العمل (46) ، ولكن هل هذه هي كل فوائد التاريخ فحسب؟ الواقع أننا يمكن أن نستفيد من التاريخ في مجالات شتى ولاسيما في حياتنا في الوقتالحاضر، ولا يجوز الاعتذار بالمثل السائر التاريخ لا يعيد نفسه أبداً» للقول بعدم الاستفادة من التاريخ، وإذا ما التفتنا إلى الجانب الوطني ودور التاريخ في التوعية القومية، لأنها تمكننا من الإطلاع على ماضينا وتدبره بشكل جاد ولأنها ستكون أيضاً نبراساً هادياً للأجيال الحاضرة في عملية إعادة استكشاف الماضي، والتراث بعامة إلى قوة خلاقة في حاضرنا، إلا بالنفاذ إلى جذورها العميقة، 6 ومن ثم في تعبئة الجهود لمقاومة كل ما من شأنه المساس بكيان هذه الأمة ووحدتها وإنجازاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية . والجزء يدل على الكل والتاريخ كله مضمن في العقل الفرد، فإن التاريخ يعد من أهم مقومات الشخصية الوطنية والقومية، لأن الفهم الصحيح له يعين على بنائها ووقايتها من الذوبان ومن الأمراض النفسية التي تعترضها فكما أن الإنسان يحتاج إلى ذاكرة فهويحتاج إلى تاريخ لأن التاريخ هو ذاكرته القومية (69)، وهي مدرسة تعيننا على أن ندرك ذاتيتنا، بل لأنك لك ذاتية خاصة تميزك عن غيرك من أهل البلاد الأخرى، فلو خصمت هذا السبب لأضعفت قاعدة ذاتيتك، كما تتمكن أيضاً من شذبها إذا ما احتاجت إلى شذب وتهذيب فلا يجوز له أن يقبل كل كلام أو يصدق كل رواية أو أي وثيقة أو مصدر دون درس وفحص واستقراء. فكل نص مشكوك فيه إلى أن تثبت صحته وكل رواية متهمة إلى أن يقوم الدليل على صحتها ولا يمكن للمؤرخ أن ينجز عمله إذا لم يكن يتمتع بملكة النقد والشك، وهي مطلوبة في كل علم ومفروضة على كل باحث ولكنها أيسر تحقيقاً في العلوم الطبيعية منها في العلوم الاجتماعية. ينطق باسمهم جميعاً دون أن يلتزم أي فرد منهم أو أي جماعة أو أمة من الأمم دون سواها، وهذا بحد ذاته يعدل كل أنواع الكسب والألقاب والمناصب فيجب عليه أن يحرص على هذه الحقيقة وأن يعكف على الدرس والبحث دون أن يوزع جهده في أعمال أخرى يمكن أن تؤدي إلى ابتعاده عن هدفه الأساسي من البحث .