بَدَتْ عَلى وَجْــهِ ناصِرٍ عَلاماتُ السَّعادَةِ والرِّضا حِينَ أَخَذَتْ يَـداهُ تَفْتَحانِ الصُّنْدوقَ المُغَلَّفَ أَمامَـهُ. أَخيرًا! وَبَعْدَ طُولِ انْتِظارٍ وافَقَتْ أُمُّـهُ عَلى أَنْ تَشْتَريَ لَـهُ حِذاءَ تَزَحْلُقٍ. وحِينَ رَأَى لَوْنَـهُ الأحْمَرَ ارْتَسَمَـتْ عَلى شَفَتَيــه ابْتِسامَــةُ النَّصْرِ. أَجابَها بِحماسَـــةٍ: إنَّها الهَدِيَّـةُ التي حَلُمْتُ بِها دائِمًا. وانْتَبِهْ لِنَفْسِكَ يا صَغيري. لَمْ يَنْقَـضِ وَقْتُ الظَّهيرَةِ إلّا وَقَدْ أَنْهى ناصِرٌ واجِباتِــهِ كما وَعَدَ أُمَّهُ. ثُمَّ خَرَجَ إلى فِناءِ المَنْزِلِ بَعْدَ أَنْ لَبَسَ بَدْلَتَهُ الرِّياضِيَّــةَ المُفَضَّلَةَ، وَرَبَطَ خُيوطَ حِذائِهِ جَيّدًا. اِنْسَلَّ خارِجًا إلى الشارِعِ الفَرْعيِّ دونَ أنْ يَشْعُرَ بِهِ أَحَــدٌ، شَعَرَ ناصِرٌ بالهَواءِ يُلامِسُ وَجْهَــهُ بارِدًا مُنْعِشًا، أَخَذَ يُناوِرُ السَّياراتِ يَمنــــةً ويَسْـــرَةً بمَهارَةٍ وسُرْعَــةٍ، كانَ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِ يُفاجَؤونَ بِهِ فَيرْتَبِكونَ، وَتَعْلو أصْواتُهُمْ مِنْ هُنا وهُناكَ "اِنْتَبِــــهْ! ماذا تَفْعَلُ؟" وحينَ وَصَلَ إلى البَيْتِ حاوَلَ أنْ يُبَطِّـئَ سُرْعَتَـهُ، فَسُرْعَـةُ الحِذاءِ لا تَتَناقَـصُ، كأنَّما الحذاءُ يَتَحَرَّكُ وحْدَهُ. شَعَرَ بألَمٍ شَديدٍ في ساقَيْهِ، أخَذَهُ الحذاءُ إلى الشارِعِ العامِّ مَــرّةً أُخْرى. أصيبَ ناصِـرٌ بالهلعِ، أَخَـذَهُ الحِذاءُ إلى مَكانٍ خَطِرٍ جِـدًّا مَليءٍ بالشاحِناتِ المُسْرِعَةِ، كانَتْ حَرَكَـةُ الحِذاءِ جُنونِيَّـةً، كانَ خائِفًا مِنَ الظّلامِ ومنَ الحِذاءِ. وبَعْـدَ يأْسٍ سَمِـعَ ناصِـرٌ صَوتًا يَقولُ: وَهَلْ تَظُـنُّ أنَّ أَحَدًا ما سَيَهْتَمُّ لَكَ؟ رَدَّ ناصِرٌ بِجُنونٍ: مَنْ أنْتَ؟ مِنْ أيْنَ يَأتي الصّوتُ؟ خَفَّتْ سُرْعَةُ الحِذاءِ تَدْريجيًّا، فَتَنَفّسَ ناصِرٌ الصُّعَداءَ، لكنّ الحِذاءَ انْطَلَقَ مُسرِعًا مَرَّةً أخْرى. صَرَخَ ناصِرٌ: مَتى سَيَتَوقَّفُ هذا الحِذاءُ اللَّعينُ؟ رَدَّ ناصِرٌ مُتَوَجِّسًا: مَنْ الَّذي يَتَكلّمُ؟ جاءَهُ الصَّوتُ ثانيــةً: أنا حِذاؤُكَ الجَديدُ. ألَمْ تَعْرِفْني يا ناصِرُ؟ رَدَّ ناصِرٌ خائِفًا: كَيْفَ للحِذاءِ أنْ يَتَكلّمَ؟ رَدَّ الحِذاءُ بِصَوْتٍ مُكْتَنِزٍ بالغَيْظِ: يَتَكلَّمُ الحِذاءُ حِينَ لا يَسْتمِعُ أمْثالُكَ لأصواتِ مَنْ حَوْلَهُمْ. قَفَزَ ناصِرٌ كالمَلسوعِ حينَ رأَى الحِذاءَ وقدْ ازْدادَ حُمْرَةً، لا يُمْكِنُ أنْ يكونَ هذا حقيقيًّا! ردَّ الحِذاءُ: لِمَ لا؟ كُلُّ شيْءٍ مُمْكِنٌ؟ كَما أنَّ كلَّ مُذْنِبٍ يَسْتَحِقُّ عِقابًا يَليقُ به. سَأَلَ ناصِرٌ مُرْتَبِكًا: عنْ أيِّ عِقابٍ تَتَحدّثُ؟ أنْتَ وَلَدٌ مُسْتَهْتِـــــرٌ! وقد جاءَ الوَقْتُ الَّذي يَجِبُ أنْ تنالَ فيه عِقابَكَ الَّذي تسْتَحِقُّــهُ. يَكْفيني الرُّعْبُ الَّذي تلَبَّسَني. وهُوَ يَصيحُ: لا أُريدُكَ، سأمشي حافيًا. ولكنَّ صَوْتَه تَلاشى حِينَ عادَ الحذاءُ لِلْحَرَكةِ مِنْ جَديدٍ. فَعَلا صَوْتُ ناصِرٍ بالصُّراخِ والبُكاءِ، والحِذاءُ يَضْحَكُ ويُكَرْكِرُ مُتجاهِلًا بُكاءَ ناصرٍ واسْتِغاثاتِه. وَحينَ نَظَرَ ناصِرٌ إلى الطّريقِ أَدْرَكَ أنّه عائِدٌ إلى مَنْزِلِه، فشَعَرَ بالحُزْنِ والأسَى وَقالَ لِلْحِذاءِ: أرْجوكَ! لا أُريدُ أنْ تَرانيْ أُمّي بِهذِه الحَالِ. رَدَّ عَليه الحِذاءُ بتَهَكُّمٍ واضِحٍ: تَحَمّلْ نَتيجَةَ أخطائِكَ يا بَطَلُ! أَوَلسْتَ بَطَلًا يا ناصِرُ؟ وبدَأتْ تَبْرُزُ ملامِحُهُ، انهَمَرَتْ دُمـوعُ ناصِرٍ غَزيرةً ساخِنَةً، ولكنْ بلا جَدْوى. وكُلَّما اقترَبا مِنَ البَيْتِ ازْدادَ الحِذاءُ حَجْمًا وتَوَحُّشًا. لقَدْ صارَ الحِذاءُ أكْبَرَ حَجْمًا من مَنْزِلِه. صاحَ ناصِرٌ مرْعوبًا: ماذا ستَفْعَلُ؟ لِمَ كَبُرْتَ هكذا؟ لا، أَلا يَرِقُّ قلبُكَ لَهُمْ؟ أَعِدُكَ. أرجووووك". وبعدَ عَناءٍ اسْتطاعَ أنْ يَتحرّرَ مِنَ الحِذاءِ. فاسْتطالَتْ في يَدَيْهِ كالحِبالِ. صَرَخَ الحِذاءُ: ماذا تَفْعَلُ؟ اتْرُكِ الخُيوطَ، تَحَرّكَ ناصِرٌ بِرشاقَةٍ وصارَ يَقْفِزُ مَعَ الحِبالِ الطّويلَةِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ الحِذاءِ ويَصْعَدُ عَليْه. ثُمَّ رَكَضَ إلى المَخْزَنِ وأَحْضَرَ مِقَصَّ الحَشائِشِ الكَبيرِ، وأَخَذَ يَغْرِزُه في عَجَلاتِ الحِذاءِ مَرَّةً بَعْدَ مرّةٍ بَعْدَ مَرّةٍ فانْبَعَثَ هَواءٌ كَثيرٌ منَ العَجَلاتِ المُمَزّقَةِ، واخْتفى صَوْتُ الحِذاءِ شَيئًا فشيئًا. ودَخَلَ غُرْفَتَه،