كرست قوانين الاستقلالية الصادرة سنة 1988 بمقتضى الاصلاحات الاقتصادية التي باشرتها السلطات العمومية في الجزائر بعد الأزمة المالية الناتجة عن تراجع أسعار النقط في الأسواق العالمية تغير في دور الدولة في المجال الاقتصادي من الدولة المقاولة المحتكرة للمبادرة الاقتصادية إلى الدولة المساهمة، وذلك من خلال اعتماد قواعد وأساليب يعبر عنها بفكرة الضبط الاقتصادي التي تقوم من جهة حول أهداف هذه الوظيفة، لقد كانت البداية سنة 1990 بإنشاء المجلس الأعلى للإعلام الذي كيف صراحة بالسلطة الإدارية المستقلة بموجب المادة 57 من القانون 90-07 المتعلق بالإعلام التي جاء فيها: “يحدث مجلس أعلى للإعلام وهو سلطة إدارية مستقلة ضابطة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي …”. ويتعلق الأمر بكل من مجلس النقد والقرض واللجنة المصرفية وذلك بموجب القانون 90-10 المتعلق بالنقد والقرض. في سنة 1993 تم استحداث هيئة في مجال بورصة القيم المنقولة، وهي لجنة تنظيم عمليات البورصة ومراقبتها وذلك بموجب المرسوم التشريعي 93-10 المتعلق بسوق القيم المنقولة، وفي مجال المنافسة تم سنة 1995 إنشاء مجلس المنافسة كسلطة تتمتع بالاستقلال المالي والإداري بموجب الأمر 95-06 المتعلق بالمنافسة دون أن يكيف بالسلطة الإدارية المستقلة. والتي تم استبدالها سنة 2018 بسلطة ضبط البريد والاتصالات الالكترونية من خلال أحكام القانون 18-04 المتضمن تحديد القواعد العامة المتعلقة بالبريد والاتصالات الالكترونية. في السنة نفسها تم استحداث سلطة ضبط سوق التبغ والمواد التبغية بموجب القانون 2000-06 المتضمن قانون المالية لسنة 2001. في سنة 2001 عرف قطاع المناجم ظهور سلطتين للضبط وذلك بموجب القانون 01-10 المتضمن قانون المناجم الذي نص على استحداث الوكالة الوطنية للممتلكات المنجمية والوكالة الوطنية للجيولوجيا والمراقبة المنجمية، وبعدها بسنة تم إنشاء لجنة ضبط الكهرباء والغاز بموجب القانون 02-01 المتعلق بالكهرباء ونقل الغاز عن طريق القنوات[2] وسلطة ضبط النقل بموجب القانون 02-11 المتضمن قانون المالية لسنة [3]2003. وبعدها توالت النصوص القانونية المنشئة لسلطات الضبط المستقلة في المجال الاقتصادي لتشمل الخدمات العمومية للمياه، إن استقراء النصوص القانونية المتعلقة بسلطات الضبط المستقلة في المجال الاقتصادي يظهر التعقيدات التي تعرفها والتناقضات التي تلازم مركزها من جهة، سوف نعتمد على المنهج الوصفي التحليلي لمختلف الأحكام القانونية المتعلقة بسلطات الضبط المستقلة في المجال الاقتصادي، حيث نتناول موضوع الدراسة من خلال التطرق إلى عدم التجسيد الفعلي لسلطات الضبط المستقلة في المجال الاقتصادي (المطلب الأول) ثم الاستقلالية النسبية لسلطات الضبط المستقلة في المجال الاقتصادي (المطلب الثاني). المطلب الأول: عدم التجسيد الفعلي لسلطات الضبط المستقلة في المجال الاقتصادي الفرع الأول: بعض سطات الضبط المستقلة لم ترى النور بعد تتمثل سلطات الضبط المستقلة في المجال الاقتصادي التي لم ترى النور بعد رغم مرور سنوات عديدة على استحداثها في القانون الجزائري في كل من سلطة ضبط النقل وسلطة ضبط الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام. أولا: سلطة ضبط النقل بهدف احترام القواعد العامة المنصوص عليها في قانون النقل، وكذا تحقيق السير التنافسي والشفاف لسوق النقل لفائدة المتعاملين والمنتفعين[5]، استحدث المشرع الجزائري سنة 2002 سلطة ضبط النقل بموجب القانون 02-11 المتضمن قانون المالية لسنة 2003 الذي جاء فيه: “تنشأ سلطة لضبط النقل تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي… تحدد صلاحيات هذه السلطة عن طريق التنظيم”[6]. ورغم الأهمية التي يكتسيها قطاع النقل باعتباره شريان الحياة الاقتصادية والاجتماعية إلا أن النص التنظيمي المحدد لصلاحيات سلطة ضبط النقل لم يرى النور إلى يومنا، ثانيا: سلطة ضبط الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام تم استحداث هذه السلطة بموجب المرسوم الرئاسي 15-247 المتضمن قانون الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام الذي نص على أنه: “تنشأ لدى الوزير المكلف بالمالية، سلطة ضبط الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام، تتمتع باستقلالية التسيير، وفي ظل عدم اكتمال النظام القانوني لسلطة ضبط الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام المتوقف على إصدار السلطة التنفيذية ممثلة في الوزير الأول للمرسوم التنفيذي المحدد لتنظيمها وكيفية سيرها، بالإضافة إلى تنفيذ أهداف تفويض المرفق العام والمتمثلة في تحقيق المصلحة العامة وتقديم أفضل الخدمات لجمهور المنتفعين من خدمات المرافق العامة[8]. الفرع الثاني: الاستغناء عن بعض سلطات الضبط المستقلة أولا: سلطة ضبط الخدمات العمومية للمياه تم استحداث سلطة ضبط الخدمات العمومية للمياه باعتبارها سلطة إدارية مستقلة بموجب المادة 65 من القانون 05-12 المتعلق بالمياه التي جاء فيها: “يمكن أن تمارس مهام ضبط الخدمات العمومية للمياه سلطة إدارية مستقلة… تحدد صلاحيات وكذا قواعد تنظيم سلطة الضبط وعملها عن طريق التنظيم”[9]، وأضافت المادة 2 من نفس المرسوم التنفيذي قولها: “تتمتع سلطة الضبط بالشخصية المعنوية وبالاستقلال المالي”. حيث نصت المادة 104 من القانون 05-12 المتعلق بالمياه على إمكانية قيام الإدارة المكلفة بالموارد المائية التي تتصرف باسم الدولة أو صاحب الامتياز تفويض كل أو جزء من تسيير نشاطات الخدمة العمومية للماء أو التطهير لمتعاملين عموميين أو خواص لهم مؤهلات مهنية وضمانات مالية كافية، ومن أجل ذلك تكلف سلطة الضبط بالسهر على حسن سير الخدمات العمومية للمياه مع الأخذ بعين الاعتبار بصفة خاصة مصالح المستعملين. وتحويل جميع الممتلكات والحقوق والالتزامات والوسائل والمستخدمين إلى وزارة الموارد المائية بعد إجراء جرد كمي ونوعي وتقديري تعده لجنة يعين أعضاءها كل من وزير الموارد المائية ووزير المالية. ثانيا: الوكالتين المنجميتين ليضفي عليهما بدلا من ذلك الطابع التجاري حيث نصت المادة 38 من نفس القانون على عدم خضوع الوكالتان المنجميتان للقواعد المطبقة على الإدارة لا سيما فيما يتعلق بتنظيمهما وسيرهما والقانون الأساسي للعمال المشتغلين بهما بالإضافة إلى مسك محاسبة الوكالتين المنجميتين حسب الشكل التجاري. وبذلك يكون المشرع قد اعتبر الوكالتين المنجميتين وكالات تجارية مثلما هو الحال بالنسبة لوكالتي المحروقات المستحدثتين بموجب المادة 12 ف1 من القانون 05-07 المتعلق بالمحروقات، حيث استبعد تطبيق قواعد القانون العام على الوكالتين المنجميتين ووكالتي المحروقات وذلك بموجب نص المادة 12 ف2 من نفس القانون[15] لتخضع مقابل ذلك لقواعد القانون الخاص وتتشابه مع النظام القانوني للهيئات العمومية ذات الطابع الصناعي والتجاري التي تعد تاجرة في علاقاتها مع الغير وتخضع لقواعد القانون التجاري[16] . ثالثا: الوكالة الوطنية للمواد الصيدلانية المستعملة في الطب البشري والذي لم يظهر إلا بعد مرور 8 سنوات من تقرير استحداثها بموجب المرسوم التنفيذين 15- 308 المؤرخ في 6 ديسمبر 2015 المتضمن تحديد مهام الوكالة الوطنية للمواد الصيدلانية المستعملة في الطب البشري وتنظيمها وسيرها وكذا القانون الأساسي لمستخدميها[19] والمرسوم التنفيذي 15- 309 المؤرخ في 6 ديسمبر 2015 المتضمن مهام اللجان المنشأة لدى الوكالة الوطنية للمواد الصيدلانية المستعملة في الطب البشري[20]. نص المشرع في الفصل الرابع من الباب الخامس على إنشاء الوكالة الوطنية للمواد الصيدلانية بوصفها مؤسسة عمومية ذات تسيير خاص تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي وتوضع تحت وصاية الوزير المكلف بالصحة[21]، وتوضع الوكالة تحت وصاية الوزير المكلف بالصحة”[22]. إن تكييف الوكالة الوطنية للمواد الصيدلانية على أنها مؤسسة عمومية ذات تسيير خاص عوض سلطة إدارية مستقلة المكرس ضمن أحكام القانون 85- 05 المعدل والمتمم والمرسوم التنفيذي 15- 308 يكتنفه الكثير من الغموض على أساس أن المشرع الجزائري لم يعرف المؤسسة العمومية ذات التسيير الخاص ضمن أحكام القانون 88-01 المتضمن القانون التوجيهي للمؤسسات العمومية الاقتصادية[23]، رابعا: سلطة ضبط سوق التبغ والمواد التبغية تم إنشاء سلطة ضبط سوق التبغ والمواد التبغية بموجب القانون 33 من القانون 2000-06 المتضمن قانون المالية لسنة 2001[25] المتممة للمادة 298 من قانون الضرائب غير المباشرة[26] التي جاء فيها: “تحدث لدى الوزير المكلف بالمالية سلطة ضبط سوق التبغ والمواد التبغية”. – يتولى الوزير المكلف بالمالية أو ممثله مهام الرئيس. – تتولى المديرية العامة للضرائب (وزارة المالية) مهام أمانة سلطة الضبط. – يتولى الوزير المكلف بالمالية صلاحية منح الاعتماد لممارسة نشاط التبغ أو رفضه أو سحبه وذلك بموجب مقرر يصدر خلال ثلاثين يوما من تاريخ إصدار موافقة سلطة ضبط سوق التبغ والمواد التبغية التي أصبح دورها يقتصر على دراسة ملفات طلب اعتماد صانع المواد التبغية وإبداء الرأي المطابق المطلوب بشأنها. – عدم تمتع سلطة ضبط سوق التبغ والمواد التبغية باستقلالية مالية حيث تسجل الاعتمادات الضرورية لسيرها ضمن ميزانية وزارة المالية. – يتولى الوزير المكلف بالمالية تحديد قواعد السير الداخلي لسلطة الضبط بموجب قرار. المطلب الثاني: الاستقلالية النسبية لسلطات الضبط المستقلة في المجال الاقتصادي خول المشرع الجزائري سلطات الضبط المستقلة في المجال الاقتصادي سلطات عديدة من أجل تأدية وظيفة الضبط المخولة لها قانونا، كما يقصد باستقلالية سلطات الضبط حسب الأستاذ “زوايمية رشيد” عدم الخضوع لأية رقابة سلمية كانت أم وصائية، إلا أن هذه الاستقلالية لم تكتمل حقيقة كون أن السلطة التنفيذية تحتفظ ببعض من وسائل التأثير التي تشكل قيدا على استقلاليتها من الناحية العضوية والوظيفية. الفرع الأول: حدود الاستقلالية من الناحية العضوية رغم مظاهر الاستقلالية العضوية لسلطات الضبط المستقلة في المجال الاقتصادي والمتمثلة في الطابع الجماعي والمختلط لهذه السلطات وفي طريقة تعيين أعضائها التي تتميز بتعدد الجهات المقترحة لها، غياب القواعد المتعلقة بالعهدة وأخيرا غياب إجراء الامتناع. أولا: احتكار السلطة التنفيذية لصلاحية التعيين باستقراء النصوص المنشأة لسلطات الضبط المستقلة في المجال الاقتصادي يتبين أن تعيين أعضائها يتم تارة بموجب مرسوم رئاسي يصدره رئيس الجمهورية وتارة أخرى بموجب مرسوم تنفيذي يصدره الوزير الأول أو بقرار من الوزير المكلف بالمالية، – ممثل عن الوزير المكلف بالمالية. في حين يتم تعيين أعضاء غرفة التحكيم للجنة الضبط من طرف الوزير المكلف بالطاقة ووزير العدل حيث نصت المادة 134 من القانون 02-01 المتعلق بالكهرباء وتوزيع الغاز بواسطة القنوات على أنه: “تضم غرفة التحكيم: يعينهم الوزير المكلف بالطاقة، – قاضيين (2) يعينهما الوزير المكلف بالعدل…”. فاستنادا لنص المادة 20 ف1 من القانون 18-04 المحدد للقواعد العامة المتعلقة بالبريد والاتصالات الالكترونية[37]، كما يتم تعيين رئيس لجنة الإشراف على التأمينات بموجب مرسوم رئاسي بناء على اقتراح من الوزير المكلف بالمالية، والوضع نفسه بالنسبة لممثل الوزير المكلف بالمالية والخبير في ميدان التأمينات الذي يقترحه الوزير المكلف بالمالية[38]. أما بالنسبة للجنة تنظيم ومراقبة عمليات البورصة، فرغم أن تعيين رئيس اللجنة من صلاحيات الوزير الأول وهذا ما نصت عليه المادة 2 من المرسوم التنفيذي 94-175 بقولها: “يعين رئيس لجنة تنظيم عمليات البورصة ومراقبتها لمدة نيابية تدوم أربع 4 سنوات بمرسوم تنفيذي يتخذ في مجلس الحكومة، بناء على اقتراح من الوزير المكلف بالمالية”[39]، على أن يتم تعيين باقي أعضاء اللجنة من طرف الوزير المكلف بالمالية طبقا لنص المادة 22 من المرسوم التشريعي 93-10 المتعلق ببورصة القيم المنقولة[40]. ثانيا: غياب القواعد المتعلقة بالعهدة أما بالنسبة لإمكانية قطع العهدة، كذلك تم قطع عهدة محافظ بنك الجزائر رغم أن القانون 90-10 المتعلق بالنقد والقرض يمنح لمحافظ بنك الجزائر الذي هو رئيس مجلس النقد والقرض الحق في ممارسة مهامه لعهدة مدتها ستة سنوات ولا يمكن عزله إلا في حالة العجز أو الخطأ الجسم، حيث صدر مرسوم رئاسي مؤرخ في 21 يوليو 1992 يقضي بإقالة محافظ بنك الجزائر المعين بعد صدور القانون بموجب المرسوم الرئاسي المؤرخ في 15 أبريل 1990. نص المشرع على إجراء تكميلي لنظام التنافي المكرس بموجب أحكام الأمر 07-01 المتعلق بحالات التنافي والالتزامات الخاصة ببعض المناصب والوظائف[43]، أو يكون قد مثل أو يمثل أحد الأطراف المعنية”. إعداد التقرير السنوي ورفعه إلى السلطة التنفيذية، الاستقلالية النسبية من الناحية المالية. إلا أن من شأنه الحد من استقلاليتها وذلك بالنظر إلى النتائج المترتبة عنه كأهلية التقاضي والتعاقد وتحمل المسؤولية وفقا للقواعد العامة. يعتبر غياب أهلية التقاضي بالنسبة لسلطات الضبط المستقلة التي لا تتمتع بالشخصية المعنوية تقيدا لحريتها في الادعاء أو الدفاع أمام القضاء دون المرور بالهيئة التي تنتمي إليها، وبالعكس فإن كل سلطة ضبط تتمتع بالشخصية المعنوية تستطيع المطالبة بحقوقها أمام القضاء والتصدي للدعاوى التي ترفع ضدها[48]. أما من حيث تحمل المسؤولية عن أعمالها فيعتبر إلقاء المسؤولية على سلطات الضبط المستقلة من أهم النتائج المترتبة على تمتعها بالشخصية المعنوية، ثانيا: إعداد التقرير السنوي ونجد هذا النوع من الرقابة مكرس على مستوى العديد من سلطات الضبط المستقلة في المجال الاقتصادي، فاستنادا لنص المادة 27 من الأمر 03-03 المتعلق بالمنافسة يرفع مجلس المنافسة تقريرا سنويا عن نشاطاته إلى الهيئة التشريعية وإلى رئيس الحكومة وإلى الوزير المكلف بالتجارة مع اشتراط نشره في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديموقراطية الشعبية وفي أية وسيلة إعلامية أخرى. الأمر نفسه بالنسبة للجنة تنظيم عمليات البورصة ومراقبتها التي تقدم تقريرا سنويا عن نشاطات سوق القيم المنقولة إلى الحكومة وهذا استنادا لنص المادة 14 من القانون 03-04 المعدل والمتمم للمرسوم التشريعي 93-13 المتعلق ببورصة القيم المنقولة[49]، الوزارة الأولى والوزارة المكلفة بالبريد والاتصالات الالكترونية[50]. ثالثا: نسبية الاستقلالية المالية فبالنسبة للجنة تنظيم عمليات البورصة ومراقبتها لا تعتمد في تمويلها على مواردها الخاصة فقط وإنما تعتمد على إعانات الدولة التي تخصص من الميزانية العامة للدولة،