عندما فتحت زهراء عينيها في غرفة الإنعاش بالمستشفى، وقع نظرها على وجه اختها الكبرى عائشة، رغم مسحة الحزن التي كانت مرتسمة على وجهها، وأثر القلق الذي كان باديا في عينيها. وانتهت زهراء إلى أنها لا ترقد في غرفة النوم المشتركة التي تعودت أن تنام فيها مع أختيها عائشة وسعدية وأخيهم الصغير يوسف. فسألت أختها في لهفة : أين أنا ؟ولم تنتظر الإجابة والتفتت في حركة آلية ذات اليمين وذات الشمال لتشاهد اطفال آخرين يرقدون في أسرة بيضاء، أو هكذا بدا للوهلة الأولى لا بعضهم في الحقيقة كان في حالة غيبوبة تامة، وقد ركبت على أفواههم وأنوفهم كمامات . وزرعت في أيديهم أنابيب السيروم التي تدلت من أكياس بلاستيكية مقلوبة على حمالات معدنية عند رؤوسهم، وكان بعضهم مغلف الرأس أو ملفوف اليدين بالضمادات أو النجيس. في هذه اللحظة قفزت إلى ذهنها الحادثة التي تعرضت لها . وهي تقطع الطريق . وفي طرفة عين شاهدت تلك السيارة وهي مقبلة كالسهم، وقد أشعلت أضواءها، لم لا شيء بعد ذلك، إلى هذه اللحظة التي فتحت فيها عينيها بالمستشفى. قالت لها أختها التي كانت تجلس إلى جانب سريرها : احمدي الله يا عزيزتي أنك لم تموتي ولم تفقدي أحد أعضائك في الحادثة، منذ متى وأنا هنا ؟ - منذ أول أمس بعد العصر. وخرجت كالعادة إلى الطريق لتبيعي الخبز. ولحسن حظك أنك نقلت بسرعة إلى المستشفى، وإلا لكنت قد من نزفا. وأحست أنها مرهقة وأن رأسها يؤلمها، فحركت يدها نحو جبينها ولكنها لم تتمكن من ذلك، اكتشفت أن يدها مربوطة بشريط لاصق إلى السرير، وأن أنبوبا للسيروم مغروز كما أحست أن رجلها اليمنى ثقيلة، وأحست أثناء ذلك بجرح في جبينها، ثم راحت تنتبه شيئا فشيئا إلى آلام متفرقة في كامل جسمها. ولمعت الدموع في عينيها . فراحت أختها تهون عليها، وتشرح لها : لا داعي للبكاء يا عزيزتي فلولا لطف الله لكانت إصابتك أخطرلقد أصبت بكسر في رجلك، ويجروح ورضوض مختلفة في جسمك، أما الغيبوبة التي كنت فيها فقد طمأننا الطبيب وقال إن ذلك يعود إلى ارتجاج في المخ نتج عن الصدمة لكنه غير خطير وبعد لحظة، وكأنها تذكرت شيئا، قالت لاحتها : سيسجلون غيابي في المدرسة. وطمانتها عائشة : لا تقلقي فقد أخبرنا إدارة المدرسة بالحادث وقد تالم الجميع واظهروا أسفهم مما حدث لك، وبعض المعلمات والمعلمين إلى المستشفى ليلة الحادثة وصباح اليوم للاطمئنان عليك. كما جاء العديد من زميلاتك و تأثرت زهراء بما روته أختها الكبرى، ولم تستطع أن تمنع دموعها من الانحدار على وتذكرت أخاها وأختها الأخرى فسالت : وأين هو يوسف ؟ وسعدية ؟ - يوسف صغير، ولا يسمح له بدخول المستشفى، أما سعدية فهي في الثانوية وقد حالت ظروف الامتحان دون حضورها وقد طمأنتها بانك بخير. لكنني أريد أن أرى أخي وأختي ومتى أخرج. - ستخرجين حين يسمح الطبيب بذلك. ثم تنبهت إلى ما كانت ترمي إليه بقولها قبل «الجمعة»، ولكنها تظاهرت أنها وسارعت إلى التأمين على قولها : إن شاء الله، شعرت زهراء بالارتياح وهي تسمع قول أختها، وعدته وعدا منها، وساد الصمت بينهما من جديد وانشغلت كلتاهما بالنظر مرة أخرى إلى ما حولهما من الأطفال ضحايا حوادث الطرق، وكان بعضهم في غيبوبة، وبعضهم يكن من الألم، وبعضهم لا يستطيع حتى مجرد الأنين، في وجوه آبائهم،