علم اجتماع التاريخ هو حقل يطبق المفاهيم والنظريات الاجتماعية لدراسة الظواهر التاريخية، ويقوم على ربط التاريخ بعلم الاجتماع لفهم التطورات المجتمعية من خلال منظور اجتماعي. من أهم المقاربات النظرية في علم اجتماع التاريخ نجد النظرية البنائية الوظيفية، نشأة علم الاجتماع : إن التفكير الاجتماعي للإنسان قديم قدم الإنسان نفسه ، وقد ظهرت البدايت الأولى للتفكير الاجتماعي في كتب الفلاسفة والمفكرين منذ لعصر الروماني واليوناني ، عندما حاول الفلاسفة في ذلك الوقت التفكير في الحياة الاجتماعية وعوامل سعادة وشقاء الإنسان ، وعوامل استمرارية المجتمعات وكيفية تكوين المجتمع الفاضل مثل كتابات أرسطو وافلاطون وغيرهم من الفلاسفة القدماء. ولكن البداية الحقيقة لعلم الاجتماع كانت في النصف الأول من القرن 19 إذا ظهرت اللبنة الأولى لهذا العلم مع ظهور الفوضى الفكرية والاضطرابات والمشكلات الاجتماعية التي عمت المجتمع الاوروبي نتيجة للثورة الصناعية والثورة الفرنسية وانتشار الكثير من الشعارات الديمقراطية التحررية ، هاجر الكثير من الناس من الريف إلى المدن ، وكان لهذا الانتقال المفاجئ للفرد من الحياة الريفية الهادئة، إذا وجد الإنسان نفسه مجبر على تغيير طريقة حياته، واسلوب تعامله مع الاخرين. وزيادة نسبة الطلاق، وهذه المشكلات الاجتماعية دفعت العلماء والمفكرين في ذلك الوقت إلى التفكير في المجتمع ، ومن هنا ظهرت الحاجة إلى وجود علم الاجتماع كعلم واقعي موضوعي يبحث فيما هو قائم بالفعل وليس ما يجب أن يكون ، الجانب النظري للعلم: وهو الذي يسعى لدراسة المجتمع ، وبنائه، والنظم الاجتماعية المكونة له، ودراسة التفاعل الاجتماعي، والظواهر الاجتماعية الناجمة عن هذا التفاعل ، 1998) . وتعتبر دراسة إميل دور كايم للانتحار ، ومنذ ذلك الوقت وحتى الوقت الحاضر ظهر العديد من الدراسات المنهجية التي درست العديد من الظواهر الاجتماعية المحيطة بنا . أهمية علم الاجتماع: في الحقيقة أن علم الاجتماع من العلوم الإنسانية الهامة ووصفها أحد العلماء بأنه علم العلوم وجعله يحتل قمة العلوم الإنسانية وترجع أهمية علم الاجتماع إلى عاملين رئيسيين: أولا : الأهمية العملية: يمكن لخريجي علم الاجتماع أن يعملوا في عدة مجالات رئيسية منها : 1. مجال التدريس: خريج علم الاجتماع يمكن أن يعمل في مجال التدريس ونسبة كبيرة من الخريجين يعملون كمدرسين لمادة علم الاجتماع. وإن كان البعض لا يعتمد على البحث العلمي كمصدر أساسي للدخل ، بل يقوم بالأبحاث كعمل ثانوي إلى جانب عمله الأساسي. 3. يمكن لخريجي علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية في الدول العربية العمل بالمستشفيات والمؤسسات الصحية والعيادات النفسية كأخصائيين اجتماعيين ، 4. لما كان علم الاجتماع من العلوم الانسانية التي تهتم بالعلقات الإنسانية وأنواع الجماعات لذا فان خريج علم الاجتماع عادة ما ينجح في الأعمال التي تتطلب منه العمل مع الآخرين كالعمل في مجال الإعلام والعلاقات العامة والإدارة وغيرها وعموما فإن دارس علم الاجتماع يستطيع ان يعمل في أي مجال به تعامل مع الناس وينجح فيه حتى لو كان بعيدا عن تخصصه وذلك لأن خلفيته العلمية تؤهله للتعامل مع الآخرين بسهولة. ثانيا: الأهمية العلمية تتبلور الأهمية العلمية لعلم الاجتماع في عدة نقاط اهمها : 1- التعرف على الذات : علم الاجتماع علم هام لكل إنسان يرغب في أن يفهم نفسه بشكل أفضل ، والتوقعات المتبادلة بينهم ، والدوافع التي تدفع الإنسان لاختيار سلوك معين دون آخر ، والقيود التي يفرضها المجتمع على أفراده. 2- تصحيح المفاهيم : علم الاجتماع يساعد في تصحيح مفاهيمنا للعالم المحيط بنا . لكن الدراسة الاجتماعية المنتظمة تصحح مفاهيمنا عن العالم المحيط بنا ، ومن هذه المفاهيم الخاطئة والشائعة بيننا الاعتقاد بأن السود في الولايات المتحدة الامريكية يتعاطون أكبر كمية من المخدرات بين الشباب، لكن الدراسات الاجتماعية أوضحت أنهم أقل الفئات تعاطيا للمخدرات كذلك يعتقد البعض أن الضمان الاجتماعي يشجع الناس على الكسل والاتكالية وعدم الاعتماد على النفس ولكن الدراسات الاجتماعية أوضحت أن أبناء أسر الضمان الاجتماعي يميلون الى العمل حتى لا يكونوا مثل آبائهم. وكيفية التعامل معها مما يساعد على تماسك المجتمع وسأضرب مثالا يوضح أهمية علم الاجتماع في فهم الثقافات الفرعية في المجتمع وكيفية التعامل معها: " تطوعت مجموعة من الشباب البيض في امريكا في مساعدة الفقراء السود فذهبوا الى أحد أحياء السود وشاهدوا المنازل المتصدعة القذرة، وقرروا ان يتعاونوا جميعا على نظافة الشوارع وتنظيف المنازل ودهنها وإزالة القاذورات منها. لأنهم اعتبروا ذلك نوعا من تدخل البيض في حياتهم والاستعلاء عليهم ولو أنهم استشاروا بعض الخبراء من الاجتماعيين لاقترحوا عليهم طريقة أفضل لمساعدة سكان المنطقة ، وبشكل يجعل السود يتقبلوها أكثر. وهذا ما يجعل ابناء المجتمع الواحد لا يستطيعون تفسير تصرفاتهم أو بعض ممارستهم الثقافية، وأنه أصبح جزءاً من الهوية الإسلامية للمرأة. ويرى أن سلوك مجتمعه هو الصواب وسلوك الآخرين هو الخطأ. ويعتقد البعض أن امتناع الهنود عن اكل لحم البقر رغم موت الآلاف كل عام من الجوع تصرف غير منطقي. وأن امتناع العنود عن أكلها ما هو إلا محاولة من الإنسان للمحافظة على الثروة القومية. فندرك أن القيم والعادات والتقاليد والعرف تختلف باختلاف المكان والزمان, وهذا ما يجعلنا نتقبل اختلاف الآخرين عنا. فعلماء الاجتماع يدركون جيدا أنه ليس هناك حقيقة واحدة أو مجتمع إنساني واحد, بل قد ينكرون وجودها لأنهم لا يودون الاعتراف بوجود اختلافات, أو عيوب أو مشكلات في هذا المجتمع, ولكن وظيفة الاجتماعيين دراسة المجتمع بموضوعية والكشف عن أنماط السلوك المختلفة السائدة فيه, ثم يكون على الأخصائيين الاجتماعيين والمسؤولين مهمة تصحيح هذه الأخطاء أو معالجة هذه المشكلات. الكشف عن أسباب المشكلات الاجتماعية: يبحث علم الاجتماع في أسباب الكثير من المشكلات الاجتماعية كالفقر والجريمة والعنصرية ويحاول معرفة العوامل الاجتماعية التي ساعدت على وجودها ومحاولة وضع الحلول لها. يساعد في وضع خطط التنمية: يمكن لعلماء الاجتماع من خلال دراساتهم ورؤيتهم السوسيولوجية للمجتمع المساهمة في وضع خطط التنمية بشكل وافعي موضوعي, وإحداث التغيرات بشكل مخطط, ذلك أن علماء الاجتماع يمكنهم معرفة إمكانات المجتمع ومشكلاته, اهتمامات دراسة علم اجتماع التاريخ: لكل علم من العلوم الإنسانية مجموعة من الاهتمامات النظرية والاستفسارات التي يحاول الإجابة عليها, وأهم اهتمامات علم الاجتماع هي : 1 . فالسؤال الأول الذي يسأله الباحث الاجتماعي هو ماذا يحدث في المجتمع؟ , ماذا حدث للمهاجرين؟ ماذا يعمل الناس في اوقات فراغهم؟ الكشف عن أسباب استمرارية المجتمع: يسعى علماء الاجتماع إلى الكشف عن كيفية سير الحياة في المجتمع, 3 . الكشف عن السبية: من الأسئلة الهامة التي يحرص الباحث الاجتماعي على سؤالها لماذا تحدث المشكلات الاجتماعية؟ لماذا ترتفع نسبه العنوسة في المجتمع؟ لماذا تزداد موجة التطرف الديني والإرهاب؟ لماذا تنخفض الأجور في الدول النامية؟ المقارنة بين المجتمعات: يحاول علماء الاجتماع دراسة ظاهرة ما في مجتمعين أو أكثر, السؤال عن الأمور التاريخية: يسعى علم الاجتماع إلى دراسة ظاهرة تاريخية معينة, الإقترابات النظرية: أولا: المقاربة البنوية المقاربة البنيوية في علم الاجتماع التاريخ هي منهج يركز على الكشف عن البنى الأساسية والأنماط العميقة التي تشكل السلوك البشري والمؤسسات الاجتماعية عبر الزمن، وتسعى لتحديد الثوابت والقوانين التي تنظم التفاعلات بدلاً من التغيرات الطارئة من أهم المفاهيم الأساسية للمقاربة البنيوية في علم الاجتماع التاريخ: تهتم البنيوية بالاستمرارية والثوابت التي تحكم الأنظمة الاجتماعية عبر فترات طويلة، وتفضل دراسة "المجتمعات الباردة" التي لا يتغير فيها التاريخ. • وحدة النظام والترابط بين العناصر: تعتبر البنيوية أن المجتمع هو نظام متكامل، ومن أمثلة على تطبيق البنيوية في دراسة التاريخ: يهتم البنيويون بدراسة تنظيم اللغة والقرابة والأساطير كأنظمة بنيوية تحكم المجتمعات، مما يوفر رؤى حول القوانين الأساسية لهذه المجتمعات. أ‌) مفهوم المقاربة الجدلية في علم اجتماع التاريخ: أو ما يعرف بـ"المادية التاريخية"، ترتكز على فكرة أن التغير يحدث كنتيجة لصراع بين "القضية" و"نقيضها"، مع التأكيد على أن المادة والظروف الواقعية، هي المحرك الأساسي للتاريخ. مما يؤدي إلى تغيير في النظام الاجتماعي القائم. 4) المادية التاريخية: تُعد المادية الجدلية تطبيقًا للمادية الجدلية على الظواهر الاجتماعية والتاريخ. 5) التطبيق على دراسة التاريخ: عند تطبيق هذه المقاربة على التاريخ، يتم التركيز على: • البحث عن الأسباب المادية: يتم تحليل الأحداث التاريخية من خلال البحث عن الأسباب المادية والاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى التغيير. • تحليل الصراعات الطبقية: يتم فحص الصراعات بين الطبقات الاجتماعية المختلفة (مثل العمال والملاك) وكيف تؤثر على تطور المجتمع والعلاقات داخله. المقاربة الفهمية في علم اجتماع التاريخ هي نهج يهدف إلى فهم الظواهر الاجتماعية والتاريخية بعمق من خلال ربطها بالبنى والمؤسسات والسلوكيات التي تتشكل في الواقع الاجتماعي. تركز هذه المقاربة على كيفية بناء المجتمعات وتطورها عبر الزمن، وذلك لتجنب التعميمات السطحية والوصول إلى فهم شامل للعلاقات الاجتماعية والإبداع البشري. • فهم دوافع وحوافز الفاعلين: تتجاوز المقاربة الفهمية مجرد وصف الأحداث التاريخية، • التركيز على البنى الاجتماعية: تهتم هذه المقاربة بدراسة البنى الاجتماعية والمؤسسات واللغة والمنتجات الثقافية، باعتبارها عناصر أساسية تُشكل سلوكيات الأفراد وتُؤثر في مسار التاريخ. سواء كانت واعية أو لا واعية، وكيف تؤثر هذه العلاقات في تشكيل الجماعات والبنى الاجتماعية. • تقدير الجانب غير الواعي من التاريخ: تقر المقاربة الفهمية بأن العديد من نتائج التاريخ قد تكون بعيدة عن الإدراك الواعي أو الفعل المقصود للأفراد، مع الأخذ في الاعتبار الخصوصية الوجودية للأفراد من جهة، والوجود الاجتماعي عبر السلوكيات والمؤسسات واللغة من جهة أخرى. ب‌) أهمية المقاربة الفهمية في علم اجتماع التاريخ: • تجاوز السطحية في التحليل: تساعد على تجنب التفسيرات السطحية والتعميمات غير الواعية للحدود الاجتماعية والتاريخية،