متمثلاً في مدرسة البصرة التي وضعت القواعد الكلية لبناء الكلمة. إن دراسة الصرف في هذا المبحث تتجاوز الرصد الوصفي للأبنية لتصل إلى تحليل "المنطق البنيوي" الذي حكم العقل اللغوي العربي الأول؛ فمن خلال سبر أغوار جهود الخليل وسيبويه والمازني وابن جني، يتبين لنا كيف تشكلت المفاهيم الكبرى كالميزان الصرفي، كان يهدف إلى الكشف عن "فيزياء الكلمة" وعلاقتها بالحس الصوتي، إلى أن استقل بذاته كعلم له أدواته الخاصة مع المازني، ثم كيف تعمق فلسفياً مع ابن جني الذي جعل من الصرف أداة لاستكشاف أسرار الوجود اللغوي. مما أوجد هيكلاً بنيوياً صلباً صمد أمام تقلبات العصور واللهجات. كما يسعى هذا المطلب التمهيدي إلى إبراز "النزعة المعيارية" التي صبغت الدرس الصرفي المشرقي، والتي جعلت من القياس العقلي ميزاناً لا يخطئ في تمييز الأصيل من الدخيل. إن التركيز على جهود علماء هذا المبحث سيكشف لنا عن كيفية صياغة "العلة الصرفية" التي لا تبحث فقط في (كيف) تغيرت الكلمة، فإن المبحث الأول يضع بين يدي القارئ الخارطة الذهنية والمنطقية التي قامت عليها "هندسة الكلمة العربية".