هكذا وللإلمام بخاصية حداثة النشأة سنعمل على التطرق لتاريخ نشأته وتطوره ثم النشأته وتطوره بالنظام المغربي. على أن تتطرق لمدى وجوده ونشأته في الأنظمة الأنجلوسكسونية أولاء نضع القانون الإداري في فرنسا تعتبر فرنسا الموطن الأصلي للقانون الإداري؛ فمنذ وضع النواة الأولى لهذا القضاء فإن القواعد التي أرساها في أحكامه القيمة، على هذا الأساس، فالقانون الإداري بمعناه الفني الدقيق يرتبط في نشأته بتاريخ فرنسا الإداري، وبتطور النظام القضائي فيها، والذي بدأ منذ الثورة الفرنسية سنة 1789 وذلك عندما فسر رجال الثورة الفرنسية مبدأ الفصل بين السلطات تفسيراً جديداً، للظروف الاجتماعية السائدة في ذلك الوقت. - التوجه الأولى تنفرد كل من السلطتين الإدارية والقضائية باختصاصاتهما، الإدارة مهامها تسيير المرافق العمومية ذات الصبغة الإدارية، وهو بذلك هيئة مستقلة أجنبية عن الإدارة. - التوجه الثاني: أن تلتزم كل سلطة حدودها دون التأثير أو التدخل في شؤون السلطة الأخرى، لاسيما وأنه في تلك الحقبة كان الفكر السائد مينياً على فرضية مفادها أن الإداري قد يحل محل القاضي في بعض الحالات، فمنظري الثورة الفرنسية كان هاجسهم الأساسي استقلال السلطة الإدارية عن السلطات الأخرى، وأكدت المادة 13 من هذا القانون على أن: «الوظائف القضائية مستقلة وتبقى منفصلة عن الوظائف الإدارية، وعلى القضاة، ألا يتعرضوا بأية وسيلة من الوسائل الأعمال الهيئات الإدارية، أو أن يستدعوا رجال الإدارة للمثول أمامهم بسبب أعمال وظائفهم. وهو اتجاه تم تزكيته لاحقاً في قانون 16 فريكتيدور للسنة الثالثة لإعلان الجمهورية في فرنسا، حيث ورد في ذلك القانون أن القضاة لا يمكنهم التعدي على الوظائف الإدارية، ويحظر على المحاكم حظراً مطلقاً النظر في أعمال الإدارة أياً كانت هذه الأعمال. فأصبحت الإدارة خصماً وحكماً في نفس الوقت في المنازعات التي تبث فيها. ولذلك سميت بالإدارة القاضية L'administration juge. بمعنى إسناد مسألة الفصل فيما قد يثور وبعبارة أخرى، لقد جمعت السلطة الإدارية في هذه المرحلة بين صفتين: صفة الإدارة العاملة التي تمارس النشاط الإداري وصفة الإدارة القاضية التي تفصل في المنازعات التي يثيرها هذا النشاط. وبالرغم من غرابة هذا الوضع، فقد كان مقبولاً في ذلك الوقت، والذي يتعارض مع قواعد العقل والمنطق؛ إذ كيف يتسنى لجهة الإدارة دائما أن تعترف بخطئها إذا ما تظلم أحد الأفراد منها، وتم منحها حق النظر في بدأت مرحلة جديدة أطلق عليها مرحلة "القضاء المقيد أو المحجوز " La justice Retenue أو "نظرية الوزير "القاضي" Le ministre juge على أساس أن هذا المجلس لم يكن متمتعاً في هذه الحقبة بصفة المحكمة بالمعنى الدقيق، والأمر في النهاية عائد إلى رئيس الدولة، أو باسم الشعب، وإنما باسم إضافة إلى أن الأحكام الصادرة عنه ليست نهائية، وأصبحت قراراته أحكاماً نهائية تلتزم الإدارة المهـ بتنفيذها وغير معلقة على تصديق رئيس الدولة فانتقل من مرحلة القضاء المحجوز ي- إلى مرحلة القضاء المفوض La justice delegate ويصدر أحكاماً تكون - نافذة بمجرد صدورها دون حاجة إلى تصديق أو موافقة من السلطة الإدارية. بمعنى حول المجلس الدولة سلطة البث النهائي في المنازعات الإدارية. غير أن قيام مجلس الدولة كمحكمة للقضاء الإداري، لم يضع حداً لنظام الإدارة القاضية، ذلك أن هذه الأخيرة ظلت صاحبة الاختصاص العام في المنازعات الإدارية، وكان واجباً عليهم اللجوء - أولاً إلى الإدارة إلا في الحالات التي نص القانون صراحة على استثنائها. بالموازاة مع ذلك، تحقق وجود القانون الإداري بصورة واضحة ولأول مرة في "حكم بلانكو" BLANCO- الشهير الذي أصدرته محكمة التنازع الفرنسية عام 1873. ونظراً لأهميته نسوق وقائعه ومنطوقه صدمت عربة صغيرة تتبع لمصنع تبغ تستغله الدولة بنظام الإدارة المباشرة، طفلة تدعى "ايجينز بلانكو" فوقعت وجرحت فرفع والدها دعوى تعويض أمام القضاء العادي ضد الدولة باعتبارها مسؤولة مدنياً عن الخطأ الذي ارتكبه عمال المصنع إلا أن وكالة التبغ اعتبرت أن النزاع يهم الإدارة وأن مجلس الدولة هو صاحب الاختصاص لذلك طالبت بإيقاف النظر في الدعوى حتى حيث إن المسؤولية التي يمكن أن تتحملها الدولة بسبب الأضرار التي يلحقها أعوان المرفق العام بالأفراد لا يمكن أن تخضع المبادئ القانون المدني التي تضبط علاقة الأفراد بل لها قواعدها التي تتغير حسب مقتضيات المرفق العام وضرورة التوفيق بين مصلحة الدولة وحقوق الأفراد وحيث أصبحت بالتالي السلطة الإدارية وحدها المختصة بالنظر في هذا النزاع وهو ما يجعل قرار رئيس المقاطعة في رفع القضية أمام المحكمة قراراً صائباً يستوجب يتبين أن هذا القرار أثبت بما لا يدع مجالاً للشك ذاتية القانون الإداري على اعتبار أنه مجموعة قواعد تحكم الإدارة العامة وتتضمن أحكاماً استثنائية غير مألوفة في على هذا الأساس، أكد القاضي أنه من المناسب أن لا تطبق قواعد القانون المدني مجال روابط القانون الخاص . 15 والقانون الخاص، وكان لا بد من وضع قواعد قانونية ناشئة عن مبادرة مستقلة، وأكثر ملائمة لطبيعة النشاط الإداري أصطلح على تسميته فيما بعد بقواعد القانون الإداري. ومن ثم، فقد أكد فحوى القرار أن القواعد التي تحكم المسؤولية الإدارية يجب أن تكون مستقلة عن قواعد القانون المدني، فقواعد المسؤولية الإدارية، لا يمكن اعتبارها لا عامة ولا مطلقة، وإنما قواعد تنطور حسب حاجيات المرفق العمومي، وتبنت المحكمة اتجاهاً يزكي اختصاص القضاء الإداري للبث في موضوع الدعوى. 36 وهل يختص بالفصل فيها القضاء الإداري أو القضاء العادي ؟ وهذا المعيار اصطلح على تسميته بمعيار المرفق العام فهو الذي فرض مثل هذه القواعد الغير مألوفة في مجال روابط القانون الخاص " يعتبر مضمون هذا القرار محطة أساسية في تاريخ القضاء الإداري الفرنسي الذي سجل بداية خلق القواعد الإدارية وتطويرها وفق مستلزمات حاجيات المؤسسات الإدارية الفرنسية، والسياسية، والاجتماعية فنشأة وتطور القانون الإداري من خلال أحكام كل من مجلس الدولة، ومحكمة التنازع الفرنسية، للاستعمار الفرنسي. " غير أنه بصدور حكم مجلس الدولة الشهير في قضية "كادو" Cadot بتاريخ 13 دجنبر 1889، التي رفعت مباشرة إليه بدون المرور على الإدارة القاضية، وترتب على حكمه في هذه القضية الاعتراف المجلس الدولة بالاختصاص العام في مادة المنازعات ووضع حد نهائي لنظام الإدارة القاضية. وبذلك أصبح مجلس الدولة محكمة بالمعنى الدقيق تفصل في منازعات الإدارة وتقف إلى جانب محاكم القضاء العادي التي تختص بالفصل في المنازعات بين أشخاص القانون الخاص، وبعبارة أخرى نشأ ما يسمى بالازدواج القضائي الذي يعني وجود نوعين من المحاكم"