وجاء ضابط النقطة والراجل ما يزال راقدا بكامل ملابسه، عدا فردة الحذاء المفقودة، وقال الطبيب: "هذه الحوادث لا تنتهي"، فقال الضابط وهو يوميء إلي الفقيد:"وشهادة الشهود ليست في صالحه"، ثم وهو يقترب من السرير: "أرجو أن نستدل علي شخصيته"وشرع في عمله علي حين بسط له الشاويش المرافق له ورقة فوق منضدة، ودس الضابط يده برفق في جيب الجاكتة الداخلي فاستخرج حافظة نقود قديمة متوسطة الحجم ومضي يفتشها جيبا جيبا، ويملي علي الشاويش:"خمسة وأربعون قرشا من العملة الورقية، روشتة للدكتور فوزي سليمان"، وألقي نظرة عابرة علي أسماء الأدوية، ولكنه لاحظ وجود كتابة علي ظهرها وجرّه بصره عليها بلا إرادة فإذا بها
"البيض والدهنيات ممنوع، ويستحسن تجنب المنبهات كالشاي والقهوة والشيكولاته" وابتسم الظابط ابتسامة باطنية، إذ أن تعليمات شبيهة صدرت إليه من طبيبه في نفس الشأن، مجلد صغير من الصور القرانية، ولما لم يجد شيئا اخر في الحافظة قال بضيق:"لا توجد بطاقة تحقيق شخصية "، وانتقل إلي الجيب الداخلي وما لبث أن قال في فتور:"ثلاثة قروش ونصف عملة معدنية" وتوالي التفتيش وتتابع الإملاء، وكان اخر ما عثر عليه صفحة مطوية من كراسه وبسطها فوجدها رسالة لم تغلف بمظروف بعد، فأمِل أن يصادف فيها ما يستطيع أن يستدل به علي شخصية الرجل. نظر أول ما نظر علي الإمضاء ولكنه لم يزد عن "أخوك عبد الله"، فعاد إلي رأس الصفحة ولكن الرسالة كانت موجهة "إلي أخي العزيز أدامه الله" فاستاء من هذه المعاندة ولم يجد بُدا من قرائتها. • أخي العزيز أدامه الله، أضطر إلي التوقف رافعا عينيه إلي تاريخ الرسالة وكان تاريخ اليوم نفسه ٢٠ فبراير، وامتد بصره فوق الوجه الأسطر إلي الوجه الباهت المشئوب بزرقة مخيفة المغلق كسر، ذلك الذي تحقق له أكبر أمل في الحياة وتسائل الطبيب عثرت علي شيء؟
فانتبه إلي نفسه وابتسم ابتسامة إستهانة ليدل علي اعتياده أي شيء وقال "اليوم تحقق لي أكبر أمل في الحياة" بذلك بدأت الرسالة وعاد إلي القراءة متجنبا النظر إلي عيني الطبيب، أمينة وبهية وزينب في بيوتهن، وكلما ذكرت الماضي بمتاعبه وكدحه وشقاءه أحمد الله المنان، وهذا هو النصر المبين" ، واسترق النظر مرة أخري إلي الإنسان الراحل الذي لايدري أحد مقره، "المتاعب والقلق والشقاء والأمل الكبير والنصر المبين، وبعد تفكير طويل، قرّ رأيي علي ترك الخدمة فعلا، فهيهات أن تتحسن صحتي طالما بقيت في المدينة، وحسبت الحسبة فوجدتني أخدم في الحكومة بثلاثة جنيهات، هي الفرق بين المرتب والمعاش، ولذلك قررت أن أطلب إحالتي إلي المعاش وقريبا أعود إلي البلد إن شاء الله، وسوف أنضم إلي مجلس الظريف عند عبد التواب شيخ الغفر، طوي الضابط الرسالة وهو يقول إنه موظف كما يفهم من خطابه ولكن ليس به ما يمكن الإستدلال علي هويته، فقال الطبيب "ستتخذ الإجراءات المألوفة،