بعد ما يقرب من عقد من الزمن من المواجهة التي تخللتها معارك واشتباكات مباشرة، لتنتهي اليوم بما يشبه المتاركة بين موريتانيا والتنظيمات "الجهادية" في شمال مالي، سمحت الحكومة الموريتانية لنفسها أن تعلن من خلال أكثر من منبر، عن نجاح مقاربتها الأمنية استنادا إلى ثلاث حقائق، ـ الانحسار التام للنشاطات والعمليات العسكرية لهذه التنظيمات على اختلاف أنواعها على عموم التراب الوطني منذ سنة 2011. ـ امتلاك الجيش الوطني الموريتاني لعناصر القوة الرادعة لأي مغامرة من قبيل التوغل في الأراضي الموريتانية، بفعل سرعة وخفة وجاهزية الوحدات الموريتانية المكلفة بمحاربة الارهاب. ـ تحول الجيش الموريتاني من قوة عسكرية تفتقر إلى التدريب والتجهيزات والأسلحة، إلى جيش قادر على امتلاك زمام المبادرة على أرضه، وحتى خارجها لمواجهة التهديدات الأمنية والتعامل معها. ربما تساعد في وجاهة حجة الدولة الموريتانية في دعواها حول نجاحها في كبح جماع التنظيمات المتطرفة، والأهم من كل ذلك القضاء على الدافع والرغبة لديها في مهاجمة الأراضي الموريتانية. أول معطى في هذا المجال هو العملية التي خاضها الجيش الموريتاني في الأراضي المالية، وبذلك أثمرت ضربة الحظ هذه في توقف الهجمات المسلحة على الأراضي الموريتانية. وذلك بسبب الميزة القتالية التي منحتها الطبيعة لموريتانيا، وهي طول المسافة التي من المفترض أن تقطعها أي مفرزة هجومية تريد تنفيذ عملية عسكرية في الأراضي الموريتانية، إذ سوف يصبح عليها أن تقطع مئات الكيلومترات من شمال مالي إلى موريتانيا كما تم توضيح ذلك في الشكل البياني السابق، وهو أمر ربما كان مستساغا أيام كان الجيش الموريتاني يعتمد استراتيجية دفاعية جامدة، ويعاني من قلة العدد والعتاد وتدني المستوى العملياتي، وقدرته على المطاردة والتعقب والحركة السريعة. رغم هذه الميزات القتالية والنجاح المشهود للمقاربة الموريتانية، خاصة في مجال بناء وتعزيز القدرات العسكرية، ولكن التحدي في هذا المجال يكمن في القدرة على المحافظة على هذا المستوى من الجاهزية العملياتية، حيث "تتوفر البلاد على ما يربو على 5800 كلم مربع من الحدود البرية والبحرية، منها حوالي 750 كلم تقع على ساحل المحيط الأطلسي، أما الحدود الترابية القارية المتاخمة لكل من دول الجوار فتبلغ 5000 كلم، مما يعرض بعض المناطق وساكنتها إلى مخاطر الهجرة والتغيّب والتسيّب، ويجعلها مناطق وأماكن جذب للإرهابيين ومهربي المخدرات. التي تتعرض لها البلاد تبقى ثقيلة ومكلفة من حيث النتائج. بل إن تسيير هذه المنطقة في حد ذاته يحمل تحديا بالنسبة للجيش الوطني، وهو ما يضيف عبئا أمنيا إضافيا على الوحدات العسكرية المكلفة بتأمين هذه المنطقة، بالتزامن مع فتح هذه المنطقة أمام التنقيب السطحي عن الذهب العديد من التحذيرات، ويبرز خطر تسلل الإرهابيين إلى الأراضي الموريتانية أيضا، منها على سبيل المثال إمكانية الاتجار والحركة والدخول والخروج. على غرار دولتي التشاد والنيجر المنخرطتيْن في قوة حفظ السلام الأممية المينيسما، تمبكتو، وقد أضاف تمدد جماعات التطرف العنيف جنوبا، وانتشارها في دول خليج غينيا تحديا أمنيا جديدا للمقاربة الأمنية الموريتانية، بسبب الخصائص الإثنية والثقافية والجغرافية المشتركة، تدابير استباقية، من خلال تعزيز دور وحضور الزوايا الصوفية لاحتواء خطاب التطرف، بالإضافة إلى ضرورة اعتماد ذات التدابير التي تم اتخاذها في القرى الحدودية المحاذية لشمال مالي، إن عودة الأوضاع الأمنية في شمال مالي تحديدا، وهو المنطقة المفتوحة على شمال وشرق موريتانيا إلى المربع الأول، والجيش المالي ومليشيا فاغنر الروسية من جهة أخرى بعد انسحاب بارخان ومينوسما، بالإضافة إلى مؤشرات استغلال تدهور الأوضاع الأمنية من طرف جماعات التطرف العنيف ودخولها على خط الصراع لصالح هذه الحركات الأزوادية، كلها عوامل توحي بأن المنطقة المحاذية لموريتانيا مُقبلة على مرحلة من الفوضى الأمنية، ربما تكون أخطر بكثير من حالة التدهور الأمني التي شهدها شمال مالي سنة 2012، وما يعزز هذا الافتراض هو التحالف غير المعلن، إن اتجاه الأحداث في هذا المنحى، والذي تأكد بعد المواجهات الشرسة بين الطرفين في منطقة بير، يُعزز فكرة تعزيز ذات التدابير الأمنية التي اعتمدها الجيش الموريتاني منذ سنة 2010، والتي بدا أنها كانت كافية لردع جماعات التطرف العنيف عن خوض مغامرة التوغل في المجال الموريتاني،