مقدمة إذ لا تقتصر آثاره على تبديد الأموال العامة، والمساس بمبدأ المساواة أمام القانون. ومع تطور العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية، نشاطًا عابرًا للحدود، تمارسه شبكات تستغل تعقيد المعاملات المالية وتباين الأنظمة القانونية. وقد أولت الجزائر اهتمامًا متزايدًا بالوقاية من الفساد ومكافحته، ولا سيما من خلال إصدار القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير 2006، المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته. وتعزيز مبادئ النزاهة والشفافية والمسؤولية. كما شهدت المنظومة القانونية والمؤسساتية تطورات لاحقة، من بينها صدور القانون رقم 22-08 المؤرخ في 5 مايو 2022، وانطلاقًا من ذلك، وما التحديات التي يطرحها تطور هذه الظاهرة عبر الحدود؟ للإجابة عن هذه الإشكالية، سنتناول مفهوم الفساد وخصائصه، ثم الإطار القانوني والمؤسساتي الجزائري لمكافحته، وأخيرًا تطور الظاهرة على المستوى الدولي وآليات مواجهته أولًا: مفهوم الفساد وخصائصه واستغلال النفوذ، وفق الشروط التي يحددها القانون. ومن الناحية القانونية، لا ينحصر مفهوم الفساد في الجزائر في الرشوة، وترسيخ النزاهة والمسؤولية والشفافية في تسيير القطاعين العام والخاص. أبرزها: - • السرية: يعمد مرتكبو الفساد غالبًا إلى إخفاء أفعالهم، وغيرها من الممارسات غير المشروعة وإخفاء الأدلة المالية والمحاسبية. • تشعب الآثار: يضر الفساد بالاقتصاد، • القدرة على التطور: تتغير أساليب الفساد بتطور التكنولوجيا ووسائل الدفع والأنشطة الاقتصادية، مما يستدعي تطوير آليات الوقاية والتحقيق باستمرار. واختيار التدابير الملائمة للحد منه. الإطار القانوني والمؤسساتي لمكافحة الفساد في الجزائر 1- القانون رقم 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته يُعدّ القانون رقم 06-01، المؤرخ في 20 فبراير 2006، من أبرز النصوص التشريعية الجزائرية المنظمة للوقاية من الفساد ومكافحته. ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي صادقت عليها الجزائر سنة 2004. تتمثل فيما يأتي: o تعزيز التدابير الوقائية والردعية الرامية إلى مكافحة الفساد. o ترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية والمساءلة في تسيير الشؤون العامة o . - حماية المال العام وتحسين إدارة الموارد العمومية. o - دعم التعاون الدولي والمساعدة القانونية في مجال مكافحة الفساد واسترداد العائدات الإجرامية من خلال تنظيم التوظيف العمومي، وتكريس الالتزام بالتصريح بالممتلكات، وتشجيع مشاركة المجتمع المدني، وتدعيم الرقابة على المعاملات المالية. 2- . ومن أبرزها: ** وفقًا للأحكام القانونية ذات الصلة ب- اختلاس الممتلكات: يتحقق باستيلاء الموظف العمومي، متى توافرت شروط التجريم المقررة قانونًا. ج- استغلال النفوذ يقوم على استخدام النفوذ الحقيقي أو المفترض للحصول على منفعة أو امتياز غير مستحق، وفقًا للأركان التي يحددها القانون. متى استوفت الأفعال المرتكبة العناصر القانونية للجريمة أو التلاعب بإجراءات المنافسة، متى توافرت شروط التجريم تبييض عائدات الفساد: يتمثل في إخفاء المصدر غير المشروع للأموال أو تمويه طبيعتها وإدماجها في معاملات تبدو مشروعة. بالنظر إلى اختلاف شروط إثباتها والإجراءات المتبعة بشأنها والجزاءات المقررة لكل منها. المؤسسات الوطنية المكلفة بالوقاية من الفساد ومكافحته وإنما تتطلب وجود مؤسسات تتمتع بالكفاءة وتؤدي مهامها في إطار اختصاصات واضحة ومحددة. وفي هذا السياق، أ. السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته تضطلع السلطة العليا بدور محوري في تعزيز النزاهة والشفافية، وتطوير السياسات والتدابير ذات الصلة. وقد حدّد القانون رقم 22-08، المؤرخ في 5 مايو 2022، المؤرخ المؤرخ في 26 أغسطس 2010 كما صدر المرسوم الرئاسي رقم 11-426 المؤرخ في 8 ديسمبر 2011 لتنظيم تشكيلته وسيره واختصاصاته. وضمان حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة. كلٌّ في حدود صلاحياته القانونية، ومراقبة استخدام الأموال العمومية، ويؤدي التنسيق بين هذه المؤسسات دورًا محوريًا في تجنب تداخل الاختصاصات، وتعزيز فعالية جهود الوقاية والتحقيق والمتابعة القضائية ثالثًا: تطور ظاهرة الفساد عبر الحدود 1 وقد ترتبط هذه الأفعال بشركات متعددة الجنسيات، أو مسؤولين أجانب، أو وسطاء ماليين، وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما يستغل مرتكبوها اختلاف القوانين الوطنية، أو ضعف التعاون بين أجهزة التحقيق، - العولمة الاقتصادية: أدى توسع التجارة والاستثمارات الدولية إلى زيادة المعاملات التي قد تستغلها بعض الأطراف لتقديم الرشاوى أو الحصول على امتيازات غير مشروعة - التطور التكنولوجي: سهّلت وسائل الاتصال الحديثة والتحويلات المالية الرقمية حركة الأموال، أو معاملات متداخلة لإخفاء هوية المستفيد الحقيقي من الأموال - اختلاف الأنظمة القانونية: يؤدي تفاوت التشريعات والإجراءات القضائية إلى صعوبات في تبادل المعلومات، وجمع الأدلة، واسترداد الأموال - ضعف الرقابة والشفافية: تستفيد الشبكات الفاسدة من قصور أنظمة التدقيق والرقابة، اليات التعاون الدولي لمكافحة الفساد العابر للحدود من بينها المساعدة القانونية المتبادلة، وتسليم الأشخاص وفق الشروط القانونية، وتبادل المعلومات، وتتبع العائدات الإجرامية وتجميدها ومصادرتها واستردادها. وتتمثل أهم هذه الآليات فيما يأتي: 1. تبادل المعلومات: تبادل البيانات بين السلطات المختصة لتحديد الأطراف المتورطة وتتبع المعاملات المشبوهة. 3. تتبع الأموال غير المشروعة: تحديد مسار الأموال الناتجة عن الفساد والكشف عن المستفيدين الحقيقيين منها. 4. تجميد الأموال ومصادرتها: اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لمنع التصرف في العائدات الإجرامية تمهيدًا لاستردادها. 5. استرداد الموجودات: إعادة الأموال والممتلكات المتحصلة من الفساد إلى أصحابها الشرعيين أو إلى الدول المعنية وفقًا للقواعد القانونية الدولية. وتحسين التنسيق بين الجهات الوطنية ونظيراتها الأجنبية. من أبرزها صعوبة الكشف عن الجرائم المعقدة، والحاجة إلى تطوير القدرات البشرية والتقنية، فضلًا عن صعوبة استرداد الأموال المهرّبة إلى الخارج. ولمواجهة هذه التحديات، - تطوير الرقمنة في المجالات الإدارية والمالية، بما يحدّ من التعاملات غير الشفافة ويُيسّر تتبّع العمليات. - دعم آليات الرقابة الداخلية والتدقيق المالي، ولا سيما في القطاعات التي تدير أموالًا عمومية أو تبرم صفقات كبرى. - ترسيخ ثقافة النزاهة والمسؤولية في المؤسسات التعليمية والإدارات والشركات. - توفير الحماية القانونية للمبلّغين والشهود، - تكثيف التعاون الدولي في مجال التحقيقات المالية وتتبع الأصول واستردادها. وربط التوصيات بأهداف ونتائج قابلة للقياس. وتظل فعالية هذه التدابير مرهونة بتطبيق القانون على الجميع، وتوافر الإرادة المؤسساتية، يتضح مما سبق أن الفساد ظاهرة متعددة الأبعاد، وقد أرسى القانون الجزائري رقم 06-01 إطارًا مهمًا للوقاية من الفساد ومكافحته، من خلال تجريم العديد من صوره، وإقرار تدابير وقائية. غير أن تطور أشكال الفساد، ويتطلب ذلك أيضًا تطوير القدرات التقنية،