يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)}. وكيف والرسل إنما أرسلوا متفرّقين في أزمنة مختلفة. وإنما المعنى: الإعلام بأنّ كلّ رسول في زمانه نودي لذلك ووصى به، ليعتقد السامع أنّ أمرا نودي له جميع الرسل ووصوا به، حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه. والمراد بالطيبات: ما حل وطاب. والصافي: الذي لا ينسى اللّه فيه، والقوام: ما يمسك النفس ويحفظ العقل. أو أريد ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه. ويشهد له مجيئه على عقب قوله: {وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ} ويجوز أن يقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة، فذكر على سبيل الحكاية، أى: أعلمناهما أنّ الرسل كلهم خوطبوا بهذا، [سورة المؤمنون: آية 52]. و{أنّ} بمعنى ولأنّ، و{أُمَّتُكُمْ} مرفوعة معها. [سورة المؤمنون: آية 53]. فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)}. أى: كلّ فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين دينهم، [سورة المؤمنون: آية 54]. أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل. كأنّنى ضارب في غمرة لعب [سورة المؤمنون: الآيات 55- 56]. سلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بذلك، ويجوز في: يسارع، مبنيا للمفعول. والمعنى: أنّ هذا الإمداد ليس إلا استدراجا لهم إلى المعاصي، وفيما لهم فيه نفع وإكرام، ومعاجلة بالثواب قبل وقته. ويجوز أن يراد في جزاء الخيرات كما يفعل بأهل الخير من المسلمين. حتى يتأملوا ويتفكروا في ذلك: أهو استدراج، أم مسارعة في الخير؟ فإن قلت: أين الراجع من خبر أنّ إلى اسمها إذا لم يستكنّ فيه ضميره؟ كقوله: {إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عزمِ الْأُمُورِ} أى إن ذلك منه، وذلك لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس. [سورة المؤمنون: الآيات 57- 61]. يُؤْتُونَ ما آتَوْا} يعطون ما أعطوا، أى يفعلون ما فعلوا. وعنها أنها قالت: قلت يا رسول اللّه، ولكن هو الذي يصلى ويصوم ويتصدّق، أحدهما: أن يراد يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها. والثاني: أنهم يتعجلون في الدنيا المنافع ووجوه الإكرام، كما قال: {فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَة}، {وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لمِنَ الصَّالِحِينَ} لأنهم إذا سورع بها لهم، لأن فيه إثبات ما نفى عن الكفار للمؤمنين. أو إياها سابقون، أى: ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا.